١. أكتب هذه السلسلة للكلام عن المُلك و الملوك. و في هذه المشاركة مقالة عامة غير أن من يفهمها بإذن الله سيجد لفتات عجيبة في القرآن العظيم ربما لم يتنبه لها من قبل… ذكرت في سلسلة الكلام عن اسم ”الرحمن“ أنه هو اسم الملك الحق في الكتاب...
٢. و الرحمن تبارك و تعالى عنده خصائص مجتمعة ليست في ملك سواه، من ذلك أنه الخالق البارئ المصور و بالتالي هو الملك مالك الملك و بما أنه الملك الأحد فلم يلد و لم يولد و إذن لا يشرك في ملكه أحدا فإذن هو الهادي، مستوٍ على العرش الكريم، يدبّر الأمر، له جنود لا يعلمهم إلا هو...
٣. يرسل الآيات و يبيّنها و هذه الآيات هي التي تشمل الرزق و النعم و الكتب و غيرها، و من ثم هو يحيي و يميت. هذه الأمور التي ذكرتها هي الأساس أعني أساس الخصائص، هذه الخصائص المجتمعة هي التي تبيّن من هو الملك الحق و لم تجتمع في أي ملك غير الملك الحق و هو الرحمن.
٤. و بعد دراسة سنوات عديدة للكتب المُعظّمة عند البشر، و قراءة عميقة للتاريخ من الناحية الدينية، وجدت أن أكثر الناس في واقع الأمر يُفتنون و يضلون بصنفين من الملوك… ملوك يُحاولون أن يكونوا هم ”الرحمن“ بمحاولة جمعهم هذه الخصائص التي لا ينبغي أن تكون إلا للرحمن.
٥. أو ملوك رفعهم الناس فجعلوه للرحمن ندا، أي له ملك و جند، و عرش عظيم، يدبّر الأمر، يرسل الآيات، يحيى و يميت.
انتبه! الناس لا يضلون بمخلوق رفعوه و جعلوه معبودهم إن لم يجمع شيء من تلك الخصائص التي ذكرتها، إنما يُفتنون من هو أقربهم لجمع هذه الخصائص (حتى إن كان ذلك توّهما).
انتبه! الناس لا يضلون بمخلوق رفعوه و جعلوه معبودهم إن لم يجمع شيء من تلك الخصائص التي ذكرتها، إنما يُفتنون من هو أقربهم لجمع هذه الخصائص (حتى إن كان ذلك توّهما).
٦. نعم الإنسان قد يضل بأي شيء إذ الهداية و الضلال بيديه سبحانه، حتى الحجر و البقر، هذه أمور معروفة ليست بحاجة إلى أدلة، لكن كل ما يكون منهم أن يجعلوا من هذه الأصنام و البهائم شركاء مع الله، شركاء مع الملك الحق، الرحمن…
٧. لكن في واقع الأمر أولئك الملوك الذين يجمعون هذه الخصائص لا يريدون أن يكونوا شركاء مع الله إنما يريدون أن يكونوا هم ”الرحمن“، الملك الأحد الصمد. الآن قد تطالبني بالأدلة و سآتيك بأدلة من القرآن بإذن الله ثم احكم بنفسك.
٨. أولا لنأخذ الأصنام، معروف أن الأصنام ضلّت كثيرا من خلق الله كما قال إبراهيم عليه السلام: ((رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُور رَّحِيم))
٩. لكن هل سألت نفسك، هل الناس الذين كانوا يعكفون على أصنامهم كانوا يخافونهم أم كانوا يعلمون أنّها لا تضر و لا تنفع و بحاجة إلى من ينصرها؟ و هل الناس في القرآن جعلوا من الأصنام آلهة لا تُعبد إلا هي؟ لا إنما جعلوا هذه الأصنام شركا و يتقربون بها إلى الملك الحق زلفى حسب قولهم،
١٠. اقرأ في سورة الزمر: ((ألا لله الدين الخالص ۚ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون ۗ إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار))
و يكفي أن تعلم أن كانت لديهم تماثيل و أصنام عدة أي شركاء و لم يكتفوا بصنم واحد،
و يكفي أن تعلم أن كانت لديهم تماثيل و أصنام عدة أي شركاء و لم يكتفوا بصنم واحد،
١١. يتبيّن ذلك في عدة قصص منها في خبر قوم نوح عليه السلام: ((وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا)) لاحظ لم يكتفوا بسواع مثلا إنما جمعوا ودا و يغوث و يعوق و نسرا.
١٢. و أيضا في قصة إبراهيم، اقرأ ماذا قال إبراهيم لأبيه: ((وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين)) لاحظ قال أصناما، و في سورة الأنبياء: ((إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون)) لاحظ جمعهم بقوله ”التماثيل“
١٣. و في سورة الشعراء اسمع قولهم: ((قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين)) انتبه لردّهم، قالوا (أصناما) و هذه الأصنام عبارة عن تماثيل لمعبوداتهم التي يعبدونها يمثّلونها في هيئة صنم أو تمثال و لهذا بني إسرائيل طلبوا من موسى ذلك:
١٤. ((وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون))
١٥. هم لا ينكرون وجود الله و لكن إنما أرادوا أن يكون إلهم الذي يعبدونه متمثلا أمامهم و لا يخافون هذه التماثيل و الأصنام أصلا. هذا واقع الأصنام و التماثيل و في المقابل حالة الناس تجاهها.
١٦. لكن تعال في المقابل لننظر إلى فرعون، فرعون فتنته كانت عظيمة على بني إسرائيل، بل هو أكثر الناس ذكرا في القرآن من بعد موسى عليه السلام. و لكي تعرف سبب فتنة الناس و ضلالهم بفرعون عليك أن ترى ماذا كان يتوهّم الناس أن فرعون عليه أو ماذا كانت أوهامه هو نفسه.
١٧. أقول، إن سبب عِظَم فتنة فرعون أن أراد أن يكون كالرحمن، الملك الأحد… و إليك الأدلة:
أولا فرعون كان ملكا و لم يكن ملكا على بلدة حقيرة لا تُذكر بل ملك مصر و ملكه لم يكن عاديا، اقرأ قوله: ((ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون))
أولا فرعون كان ملكا و لم يكن ملكا على بلدة حقيرة لا تُذكر بل ملك مصر و ملكه لم يكن عاديا، اقرأ قوله: ((ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون))
١٨. انظر كيف يتفاخر أن له ملك مصر، فالملك إن كان ملك على قرية صغيرة و عادية لم يكن ليتفاخر بذلك، و لكن لأنه يعرف مكانة مصر افتخر بذلك، و ليس هذا فحسب بل اقرأ ما قاله: (و هذه الأنهار تجري من تحتي) فواضح أن هذا الملك لم يكن ملك كما نقول باللهجة العامية (أي كلام).
١٩. العجيب ماذا يا عزيزي القارئ؟ أنه لم يذكر هذا الملك إلا في سورة الزخرف، اسم السورة تدل على هذا الزخرف الذي فرح به فرعون. و العجيب أن هذه السورة لها علاقة قوية بالرحمن، كما ذكرت من قبل في سلسلة خاصة...
٢٠. سيفهم هذا التناسب العجيب من وجود هذه الآية في هذه السورة بالتحديد من قرأ ما نشرته سابقا عن اسم الرحمن:
👇
👇
٢١. عودة لما كنا فيه، ففرعون كان عنده ملك عظيم، هذه واحدة و الثانية أنه كان يدبّر مملكته بحكم كونه ملكا على مصر. و تدبيره كان تدميرا و افسادا في الأرض، نجد في سورة هود: ((إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد)) لاحظ بيّن سبحانه أن أمره ليس برشيد،
٢٢. و من كان كذلك لا يستحق أن يهدي أصلا و كيف يستطيع ذلك و أمره ليس برشيد! و اقرأ في سورة القصص: ((إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم ۚ إنه كان من المفسدين)) انتبه أولا لقوله سبحانه: (كان من المفسدين)
٢٣. فتدبير فرعون لم يتجاوز تدبير بلدته مصر، و لم يكن له أي قوة و تدبير في التحكّم بالشمس و القمر و الليل و النهار و السماء و الأرض. و الثالثة كان فرعون بمنطقه الدنيوي المجازي يحسب أنّه يحيى و يميت، و ذلك يتبين بذبحه و قتله الأبناء و استحياء النساء.
٢٤. قد يتوهم الناس أنّ بيديه الإحياء و الإماتة، انتبه أقول (يتوّهم) لغرض أريد أن أصل إليه.
و من ثم فرعون كان يظنّ أنّه ينعم على الناس، اقرأ ما قاله و هو يكلّم موسى:
و من ثم فرعون كان يظنّ أنّه ينعم على الناس، اقرأ ما قاله و هو يكلّم موسى:
٢٥. ((قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ (١٩) )) انتبه لقوله: (و أنت من الكافرين) كأنه يقول أن موسى كفر نعمته،
٢٦. و قد ذكرت في سلسلة الكلام عن ”الآلاء“ أن النعمة يُقابلها الكفر من الكافر.
ثم إن فرعون كان له جنود و الظاهر أن جنوده كُثر و على قوة، بل كان معه هامان و جنوده أيضا اقرأ هذه الآية من سورة القصص: ((ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون))
ثم إن فرعون كان له جنود و الظاهر أن جنوده كُثر و على قوة، بل كان معه هامان و جنوده أيضا اقرأ هذه الآية من سورة القصص: ((ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون))
٢٧. إذن حتى هامان هذا الذي كان له جند بحد ذاته كان تابعا لفرعون و تحت إمرته، اقرأ سورة غافر ((وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب))
٢٨. و كما قلت سابقا فأنا أرجّح أن هامان من الذين لهم علاقة بالمخلوقات الخفية أو الجن أو قد يكون منهم و هذا الذي أرجّحه، اقرأ هذه السلسلة لتفهم ما أقصد:
👇
👇
٢٩. ففرعون إذن عنده جنود و مجموعات من الجند، منهم هامان و جنده. في سورة الذاريات: ((فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم)) ثم إن فرعون كان يظنّ أنه الرب الأعلى و لا يحب أن يشرك معه أحدا، مثل الرحمن تبارك اسمه. اقرأ ما قاله:
٣٠. ((وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين)) انتبه لقوله: (ما علمت لكم من إله غيري) و في سورة الشعراء: ((قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين)) انتبه إلى غيرته،
٣١. يريد أن يكون كالرحمن، ليس معه شريك و سيسجن من اتخذ معه إله! بخلاف الأصنام و التماثيل التي هي في أصلها شرك أصلا. و لهذا فرعون قال عن نفسه كما نجد في سورة النازعات: ((فقال أنا ربكم الأعلى)) لاحظ كيف يريد أن يكون الرب الأحد. غير أن فرعون مولود و الرحمن لم يلد و لم يولد.
٣٢. إذن كما ترى، فرعون بضلاله و ضلال قومه جعلوه كالرحمن ظلما و علوا. هذا الظن منهم لأنه جمع عدة خصائص كما ذكرت، الملك، النعمة على من تحته، الإحياء و الإماتة، و لا يحب أن يشرك معه أحدا، له ملأ يكونون من حوله كالملائكة و هم (آل فرعون) و له جنود، حتى كان من تحته من كان يأتي بالعجائب
٣٣. مثل السحرة. فلأنه توهّم و توهّم الناس أنه جمع كل هذه الخصائص كانت فتنته عظيمة و شديدة على الناس بخلاف بقية الملوك الذين لم يجمعوا تلك الخصائص التي ذكرتها، و لأنه (أي فرعون) جمع ما ذكرت ظنّ في نفسه أنه الرب الأعلى، أي الرحمن سبحانه و تعالى.
٣٤. في المقابل ما الذي بيّن له الرحمن؟ أنه لا يملك من التدبير شيئا، (كما نقول صفر على الشمال)، و بيّن له أن التدبير كان بيديه سبحانه، اقرأ: ((فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين))
٣٥. ففرعون لم يكن له أي تحكّم بالطوفان و لا بحركة الجراد أو القمّل و الضفادع و الدم و لهذا كانوا يسألون موسى أن يرفع عنهم ما وقع عليهم و إلا لو كان التدبير بيد فرعون لغيّر ذلك بيده أو على الأقل بما تحت يديه من جند و ملك و ما إلى ذلك.
٣٦. و أيضا ماذا فعل بهم الرحمن تبارك و تعالى؟ اقرأ: ((وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)) انظر ظلّ فرعون عاجزا ليس له من التدبير شيء، لو كان حقا هو المنعم لما شقّ عليه نقص الثمرات من شيء،
٣٧. كان باستطاعته أن يأمر السماء فتمطر و يأمر الأرض فتنبت و يحفظ ما تنبته الأشجار من الثمار، لكن لم يكن بمقدوره شيء من ذلك.
و ليس هذا فحسب كيف كانت نهاية آل فرعون، الغرق في اليم أليس كذلك؟
و ليس هذا فحسب كيف كانت نهاية آل فرعون، الغرق في اليم أليس كذلك؟
٣٨. رأى بعينيه كيف انفلق البحر و هو لا يستطيع أي شيء من هذا التدبير و التحكّم بالبحر و لم يستطع إيقاف غشيان اليم. فرعون توهّم أنه جمع خصائص عدة جعلته يظن أنّه الرب الأعلى، الرحمن، لكن بيّن الله له أنّه ليس كذلك إذ الرب الأعلى ينبغي أن يكون له تدبير الأمر و هو ليس بذلك...
٣٩. و هكذا لاحظ في تاريخ هذا العالم، أي ملك كانت فتنته على الناس أعظم، تجده إما أنه توهم هو بنفسه أنه الرحمن، أو توهّم الناس أنه جمع ما يكون للرحمن سبحانه و تعالى.
المسيح لم يكن كافرا و ليس بدجال أو من الشياطين، و بالرغم من ذلك ضلّت النصارى.
المسيح لم يكن كافرا و ليس بدجال أو من الشياطين، و بالرغم من ذلك ضلّت النصارى.
٤٠. صحيح أن المسيح ليس بكافر أو دجّال ولا من شياطين الإنس و الجن، غير أنّه اجتمع فيه بعض الخصائص التي ينبغي أن تكون للرحمن ما لم يجتمع في غيره من الأنبياء فلهذا ضلّت النصارى به فقالوا هو ابن الله و بعضهم جعلوه هو و الله شيء واحد، تعالى الله عما يقولون علوا عظيما…
٤١. المسيح بن مريم عليه السلام كان يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله. إذن هو يخلق بإذن الله هذه واحدة و الرحمن سبحانه يخلق. و هو ينفخ فيكون طيرا بإذن الله و الرحمن تبارك اسمه نفخ من روحه في آدم فكان آدم و هذه الثانية.
٤٢. و الثالثة المسيح يبرئ الأكمه و الأبرص بإذن الله و الرحمن هو الذي يشفي كما قال إبراهيم عليه السلام: (و إذا مرضت فهو يشفين). و المسيح يحيى الموتى بإذن الله و الرحمن بيده الحياة و الموت.
٤٣. و المسيح كان ينبئ الناس بما يأكلون و يدّخرون في بيوتهم و هذا ينبئ للناس أنّه على علم بالغيب و الرحمن هو الذي يعلم الغيب و يعلم ما في الصدور.
لو كان في المسيح فقط ما ذكرت لعرفت لماذا ضلّت النصارى به و جعلت بينه و بين الرحمن نسبا و العياذ بالله.
لو كان في المسيح فقط ما ذكرت لعرفت لماذا ضلّت النصارى به و جعلت بينه و بين الرحمن نسبا و العياذ بالله.
٤٤. و لكن زد على ما ذكرت أنه كلمة و روح و ليس كبقية البشر، و أهل الكتاب منذ القدم، لهم مصطلح للمخلوقات الروحية، يسمّونهم أبناء الله مجازا لأنّ الله سبحانه و تعالى ليس كالناس، و لا يراه الناس...
٤٥. و لهذا كثير من الشعوب أصلا جعلت بين الرحمن و الملائكة أو الجن نسبا و العياذ بالله لأنّهم يجعلون هذه الأشياء مخلوقات روحية غير فيزيائية.
٤٦. ثم زد على ما ذكرت من كون المسيح كان مؤيدا بروح القدس، جبريل، و الرحمن تبارك اسمه معروف أنه يأتي و الملائكة معه في اليوم الآخر، و اجمع من كون جبريل عليه السلام سيد الملائكة أو من أسيادهم كما في بعض الأخبار فتخيّل كون المسيح مؤيد بجبريل بشاهد القرآن، شيء عظيم لو أنّك تعقل.
٤٧. من أسماء الرحمن أنه السلام و عيسى من أسمائه عند النصارى أمير السلام، و من أسماء الرحمن القدوس و العجيب أن من معاني اسم المسيح عند النصارى أنّه القدّوس أي الذي رأسه يقطر بالزيت،
٤٨. و حتى عند بعض المسلمين بعض الروايات التي يتناقلونها بخصوص هذا رمزا لقدسيته و عندي كلام كثير بخصوص هذا الموضوع لكن لا أريد من المواضيع أن تتشعّب.
٤٩. و الرحمن تبارك و تعالى يُرسل الكتب و يمحو ما يشاء و يثبت و عنده أمّ الكتاب و المسيح أتى بالإنجيل و وضع الأغلال التي كانت على بني إسرائيل من قبله، باختصار نسخ بعض أحكام التوراة و هذا لا يكون إلا لمن لديه سلطان عظيم.
٥٠. بل حتى المُلك، معروف عن المسيح أنه عند النصارى يُعتبر ملك على بني إسرائيل مثل داوود، و بعض الأيدي الخفية غيّرت التاريخ و أخفت لنا أمورا كثيرة في هذا الموضوع بالتحديد، لمزيد من التفاصيل عن هذا الموضوع أدعوك لقراءة ما كتبته في كتابي ”بلوغ مجمع البحرين و أسباب ذي القرنين“.
٥١. و حتى حياته فالمسيح نهايته الأولى لم يكن كبقية الأنبياء الذين ماتوا في الأرض أو قتلوا، بل رفعه الله إليه و جعله من المقربين، أليس كذلك؟ و هذا جعل الناس يقولون عنه أنه من الخالدين و ليس كبقية الناس.
٥٢. إذن هناك أمور ظاهرة تبيّن لنا لماذا رفعت النصارى من مكانة المسيح، هذا الرفع الذي لا ينبغي أن يكون لمخلوق من مخلوقات الله. غير أن المسيح مخلوق (أي خرج من بطن أنثى) لم يكن بيده تدبير الأمر، بمعنى لا يقلّب الليل و النهار، و لا يأتي بالشمس من المشرق أو المغرب،
٥٣. و لا يتحكّم بالبحر، تدبير (الطبيعة تنزّلا) لم يكن بيديه و لم يعطيها الله سبحانه و تعالى له، و هذا التدبير هو من أعظم آيات الرحمن سبحانه و تعالى، و لهذا أكثر ذكر لآيات الله هي آيات تدبيره لأنه لا أحد يستطيع ذلك و يبيّن كذب أي مدّعي يدّعي أنه رب العالمين.
٥٤. حتى الدجال إن قلنا أن الأحاديث المروية بخصوصه صحيحة ١٠٠٪ لا شكّ فيها البتة، و أنه أعظم فتنة، هل تساءلت يوما ما الذي جعله أعظم فتنة و لماذا ليس إبليس مثلا؟
٥٥. أقول أن الذي جعله أعظم فتنة أن توهّم الذين يتّبعونه أنه الرحمن، و توهّم هو بنفسه أنه الرحمن. بل في بعض الروايات أنه يدّعي أنه الرب كما في مسند الإمام أحمد حيث يخبرنا الرسول صلى الله عليه بما يقول (أنا ربّكم و هو أعور و إن ربّكم ليس بأعور).
٥٦. تخيّل ما الذي جعل الناس يفتنون به أن جعل الرسول علامة كيف لا يخلط الناس بينه و بين الرب الأعلى سبحانه؟ للإجابة عن هذا السؤال، لاحظ ماذا يكون مع الدجال؟
٥٧. معه جبال من الخبز و نهران، و يأمر السماء أن تمطر فتمطر و يأمر الأرض أن تنبت فتنبت و كل ذلك يرمز أنه يدبّر الأمر و بيده النعمة و الرزق و هذا ما كان ينقص فرعون من قبله.
٥٨. و في بعض الروايات عن الدجّال أنه معه شياطين تُكلّم الناس، و هذا يعني أنه يأتي و كأنه أتى مع الملائكة، و له جند و يتبعه كثير من اليهود كجند له، أليس كذلك؟ و أيضا في بعض الروايات أنه يقتل نفسا ثم يحييها، إذن بيده الإحياء و الإماتة!
٥٩. ثم إنّك لن تجد في الروايات من هو أبو الدجال أو أمّه و من زوجه أو من هو ولده؟ لا ذكر لشيء من ذلك، على الأقل فيما اطّلعت عليه من الأخبار، و كأنه أحد، لم يلد و لم يولد! إذن كما ترى قد جمع متوهّما الخصائص التي لا ينبغي أن تجتمع إلا للرحمن تبارك اسمه.
٦٠. بل إنه في إحدى الروايات عنه بعد ذكر شيء من قدراته: ”ويقول أيها الناس هل يفعل مثل هذا إلا الرب“ إذن الناس يعرفون أن هذه الخصائص من خصائص الرب الأعلى و لهذا يفتتون به، و لهذا هو أعظم فتنة، إذ جمع ما لم يجمعه غيره من الناس من هذه الخصائص.
٦١. غير أنّ الدجال لا يخلق و ليس له مُلك و عرش عظيم و ليس بيديه الهداية إذ لو كان بمقدوره ذلك لأجبر الناس كلّهم أن يتبّعوه. و ليس إليه أمر تقليب الليل و النهار...
٦٢. فإن فهمت ما ذكرته بخصوص الرحمن و ما للرحمن، لعرفت لماذا فتنة المسيح الدجال هي أعظم فتنة، و ستفهم لماذا ضلّت النصارى بالمسيح ابن مريم عليه السلام.
و أظنّك تذكر الذي حاج إبراهيم في ربّه، ذلك الملك الذي أعطاه الله الملك ماذا كان من أمره؟
و أظنّك تذكر الذي حاج إبراهيم في ربّه، ذلك الملك الذي أعطاه الله الملك ماذا كان من أمره؟
٦٣. كان يظنّ أنه الرب الأعلى، الرحمن، و لهذا حاج إبراهيم في ربّه، اقرأ الآية: ((أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ ۖ...
٦٤. قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ))
فهذا الملك آتاه الله الملك، و الشيء الثاني زعم أنه يحيى و يميت.
فهذا الملك آتاه الله الملك، و الشيء الثاني زعم أنه يحيى و يميت.
٦٥. و بما أن لديه الملك فهذا يعني أن بيديه تدبير رعيّته و ينعم عليهم و ما إلى ذلك فإبراهيم عليه السلام لأنه أوتي رشده من قبل و هو فتى، لم يُطل معه و أراد أن يبطله فبيّن له أن تدبير الأمر بيد الله سبحانه و تعالى قائلا له إن الله يأتي بالشمس من المشرق،
٦٦. فإن كنت ربا بحق فأتي بها من المغرب فلم يستطع فبهت الذي كفر. و هنا بعض الملاحدة و الذين يحاولون الحصول على شيء يمسكونه على القرآن يقولون إن ردّ إبراهيم ليس في محلّه و هذا خطأ منه، كان عليه أن يقول لو كان إله إبراهيم هو الحق كان إبراهيم عليه أن يقول
٦٧. إن الله قادر أن يأتي بالشمس من المغرب و لماذا اختار شيء يراه الناس دائما يعني شروق الشمس من المشرق. و لكن هؤلاء الناس لم يفقهوا رشد إبراهيم عليه السلام. لماذا؟
أقول لأن هذا الملك الذي أتاه الله الملك لم يكن ملكا من قبل، أليس كذلك؟ على الأقل وُجِد بعد أن لم يكن شيئا مذكورا،
أقول لأن هذا الملك الذي أتاه الله الملك لم يكن ملكا من قبل، أليس كذلك؟ على الأقل وُجِد بعد أن لم يكن شيئا مذكورا،
٦٨. فإن كان كذلك و الناس يرون أن الشمس تأتي من المشرق، إذن إتيان الشمس من المشرق ليس من فعل هذا الملك! هل فهمت علي؟ تمعّن فيما قلته مجددا فإنّك لن تجد مثل هذا الرد في الكتب أو مقاطع اليوتيوب أو تسجيلات الكلوب هاوس أو مساحات تويتر.
٦٩. هذا الملك كان بعد أن لم يكن، و الشمس تأتي من المشرق حتى قبله و قبل ولادة إبراهيم لم يتبدّل هذا، فهذا يعني أن على الملك المحدّث هذا البيّنة، و هذا الملك الذي يدّعي أنه الرب فعليه إذن أن يأتي بالبيّنة إذ البيّنة على المدّعي فلهذا بهت،
٧٠. لو كان ربّا بحق لأتى بالشمس من المغرب و في كلام إبراهيم ردّ على إدعائه الربوبية من أوجه عدة، لكنك فقط لو تفقه و تعقل ما أقول لعرفت حسن كلام إبراهيم عليه السلام و زاد إيمانك أنه بالفعل أوتي رشده من قبل.
٧١. سبحان الله، في كثير من آيات الله نجد أن الله ينسب لنفسه تقليب الليل و النهار، و له اختلاف الليل و النهار و أنه هو الذي يولج الليل في النهار مثل آية سورة الحج: ((ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير))
٧٢. لاحظ كيف بيّن أن الله هو الذي يولج الليل في النهار و لم يذكر أن ذلك يحدث عن طريق أحد من مخلوقاته، و كذلك في آية سورة المؤمنون: ((وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون)) انتبه لقوله (و له اختلاف الليل و النهار)
٧٣. و في آية سورة النور: ((يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار)) لاحظ قال (يقلب الله الليل و النهار) و حتى في آية سورة القصص: ((قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون))
٧٤. هذه الآية قوية جدا، تحدٍ قائم إلى يوم القيامة. و في سورة لقمان: ((ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير)) لاحظ أكّد سبحانه أنه يولج الليل في النهار و يولج النهار في الليل.
٧٥. و بما أن سورة فاطر لها علاقة بالرحمن و الملائكة نجد فيها تأكيد أن التحكّم بالليل و النهار بيد الله، اقرأ: ((يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير))
٧٦. لاحظ قوله: (ذلكم الله ربكم له الملك) مما يدل أن تقليب الليل و النهار من أدلة الملك و قل إن شئت من أقوى الأدلة. و لهذا عندما تجد هذه الآيات التي فيها ذكر تقليب الليل و النهار تجد بعدها أو قبلها ما يدل على الرحمن الذي على العرش، الملك في السماء،
٧٧. و ستجد الخصائص التي ذكرتها للرحمن سبحانه و تعالى و شرح هذا يطول جدا و سأحتاج إلى سلسلة أخرى لبيان ذلك من القرآن و لكن فيما ذكرت الكفاية لمن يعقل و الحمدلله.
و العجيب ماذا؟ أنّك تجد حديثا مشهورا جدا عن الرسول صلى الله عليه، الحديث الذي يسمّونه (عند أهل الأثر) بالحديث القدسي:
و العجيب ماذا؟ أنّك تجد حديثا مشهورا جدا عن الرسول صلى الله عليه، الحديث الذي يسمّونه (عند أهل الأثر) بالحديث القدسي:
٧٨. ”قالَ اللَّهُ: يَسُبُّ بَنُو آدَمَ الدَّهْرَ، وأَنا الدَّهْرُ، بيَدِي اللَّيْلُ والنَّهارُ“ و في رواية أخرى: ”قالَ اللَّهُ تَعالى: يُؤْذِينِي ابنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ:، وأنا الدَّهْرُ، بيَدِي الأمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهارَ.“
٧٩. و في رواية مسلم: ” قالَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: يُؤْذِينِي ابنُ آدَمَ؛ يقولُ: يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ! فلا يَقُولَنَّ أحَدُكُمْ: يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ؛ فإنِّي أنا الدَّهْرُ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ ونَهارَهُ، فإذا شِئْتُ قَبَضْتُهُما.“ سبحان الله! لاحظ العلاقة مع الليل و النهار!
٨٠. لم يقل مثلا: (أحيي و أميت) أو (أرزق و أنعم). و العجيب ماذا؟ في بعض روايات هذا الحديث الذي في أسانيده إشكال: ”لا تسبُّوا الدهرَ فإنَّ اللهَ قال: أنا الدهرُ، الأيامُ والليالي لي أُجدِّدُها وأُبْلِيها، وآتي بملوكٍ بعد ملوكٍ“ انتبه لقوله: (آتي بملوك بعد ملوك) عجيب أليس كذلك؟
٨١. و بناء على ما سبق، ستعرف أنه ليس هناك غير الله من يتحكّم بالليل و النهار! و لهذا كانت حجة إبراهيم عليه السلام ضد ذلك الملك حجة تقصم الظهر لو أنّك تفقه!
٨٢. و لهذا أصلا التحكّم بالليل و النهار لا يستطيعه المسيح بن مريم و لا محمد صلى الله عليه و لا موسى و لا إبراهيم عليهم السلام جميعا، و لا يستطيع ذلك إبليس و لا فرعون و لا الدجال الذي يعتبر أعظم فتنة و لا أحد من شرار الخلق. لا أحد يستطيع هذا...
٨٣. بل حتى سليمان الذي أوتي ملكا لا ينبغي لأحد من بعده لم يؤتى هذا.
النبي سليمان عليه السلام، ما الذي اجتمع فيه؟ الملك العظيم، أليس كذلك؟ ملك لا ينبغي لأحد من بعده. و كان له جنود من الإنس و الجن و الطير. و كان تحت إمرته الريح، و يفهم كلام النملة و الطير و ما إلى ذلك
النبي سليمان عليه السلام، ما الذي اجتمع فيه؟ الملك العظيم، أليس كذلك؟ ملك لا ينبغي لأحد من بعده. و كان له جنود من الإنس و الجن و الطير. و كان تحت إمرته الريح، و يفهم كلام النملة و الطير و ما إلى ذلك
٨٤. و الناس لا يستطيعون ذلك، و له علم عظيم غير أن ما كان ينقص سليمان عليه السلام ماذا؟ إضافة أنه لا يدبّر أمر الليل أو النهار كان ينقصه علم الغيب، أليس كذلك؟ ماذا قال الهدهد: ((فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ))
٨٥. فسبحان الله، من عظيم شأن الرحمن، أن الكفرة من الملوك يريدون أن يكونوا هم الرحمن، و أما المؤمنين من الذين جمعوا من هذه الخصائص يُفتتن بهم الناس فيجعلونهم للرحمن ندا أو ولدا. فالشأن كلّه في الرحمن...
٨٦. إن فهمت ماذا يعني اسم ”الرحمن“ لفهمت جيدا ما أقوله هنا و استطعت أن تربط الأمور بعضها ببعض. و لأن الناس لا يعرفون جيدا لوازم معرفة اسم ”الرحمن“ فإنهم يخلطون بين كثير من المذكورين في القرآن فيجعلون هذا ذاك و ذاك هذا
٨٧. و لكن لم يقعوا على السبب الرئيس الذي من أجله يجدون هذا التناسب بين المذكورين في القرآن. مرة أخرى أقول، افهم الاسم ذو الجلال و الإكرام ستفهم جيدا من غير لبس و تلبيس و الحمدلله. فالذي تعلّم و عرف من هو الرحمن، الذي على العرش استوى، يدبّر الأمر...
٨٨. الملك القدوس السلام المؤمن، المهيمن العزيز الجبار المتكبّر، العزيز الحكيم، رب العالمين، لا إله إلا هو، لوجد كيف أن آيات الله سبحانه متماسكة و متينة، و تصدّق أخبار نبيه الكريم و تصدّق ما بين يديه من الكتاب و ما خلفه و تزيد من إيمان المؤمنين إيمانا و الحمدلله رب العالمين...
جاري تحميل الاقتراحات...