Dr. Hussein Elzeiny
Dr. Hussein Elzeiny

@biohussein

29 تغريدة 56 قراءة Oct 09, 2023
في محاولة لفهم الاسباب؟ اظن ان علينا ان نفتش عن ما المقصود ب "النكبة الثانية" التي يتحدث عنها الاسرائيليون في مسيراتهم؟ هل قررت المقاومة قلب الطاولة عندما تأكدت من ان الحكومة الاسرائيلية الحالية تعد لتنفيذ نكبة ثانية بشكل يشبه تماما الاعدادات التي سبقت النكبة الاولى عام 1948؟
فالبداية لابد ان نقر انه من بين الإنجازات التي يمكن للحكومة الإسرائيلية اليمينية الحالية -الأكثر تطرفا في تاريخ الكيان الصهيوني- إضافتها لرصيدها، هو تمكنها من القضاء نهائيا على حلّ الدولتين كما قال الكاتب الصحفي الإسرائيلي جدعون ليفي في مقال نشرته له صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية.
بل يمكننا القول أن نتنياهو تمكن أيضا خلال السنوات التي قضاها رئيسا للوزراء، من إزالة المناقشات حول حل القضية الفلسطينية برمتها من الأجندة السياسية بل ومن النقاشات العامة في الداخل والخارج.
وهو ما يمثل إنجازا هائلا بالنسبة لتيار اليمين الاشد تطرفًا المتنامي داخل الكيان الصهيوني ، و الذي يروج لفكرة انه يمكن لاسرائيل بناء مستقبل مندمج مع محيطها العربي دون حل القضية الفلسطينية ودون تنفيذ حل الدولتين.
وهو ما يضع الصهاينة -من وجهة نظرهم- أمام خيارات محدوددة على المدى الطويل ، وهي:
- الخيار الاول: بقاء الحال على ماهو عليه و استمرار دولة الفصل العنصري الحالية إلى الأبد بشعبين يقهر احدهما الاخر ، مع استمرار الحديث حول حل الدولتين -والذي لايمكن تنفيذه فعليًا- لكسب مزيد الوقت ومزيد من الارض ريثما يتم الانتهاء من فتح الاسواق العربية امام الصناعات الاسرائيلية.
- الخيار الثاني: حل الدولة الواحدة (اسرائيل) من النهر الى البحر لقومية واحدة (لليهود فقط) مع طرد كل الفلسطينيين -بما في ذلك عرب إسرائيل- تماماً و نهائياً الى الدول المجاورة وهو ما يطلق عليه عملية "تنفيذ النكبة الثانية".
- الخيار الثالث: حل الدولة الواحدة (فلسطين) من النهر الى البحر دولة ديمقراطية تتعايش فيها جميع القوميات وجميع الديانات بمساواة ولها لغتان رسميتان العربية و العبرية.
الغالبية العظمى من الإسرائيليين مع استمرار الفصل العنصري إلى الأبد (الخيار الاول) وان على الفلسطينين ان يرضوا بتلك الحياة البائسة في صمت، لكن يعوق ذلك امران:
الاول: هو قوة اليمين الإسرائيلي المتنامية، و وصوله الى الحكم ، وتحقيقه لعدة نجاحات مقنعة للناخب الاسرائيلي من خلال التطبيع مع الدول العربية الواحدة تلو الاخرى دون اي الحاجة الى تقديم اي تنازلات من الجانب الاسرائيلي.
والثاني: هو ان روح المقاومة لدى الفلسطينيين مازالت مشتعلة لم تخفت رغم الحصار الشديد المفروض عليها لسنوات طويلة ورغم المحاولات المتكررة للقضاء عليها، وان هذه المقاومة لن تسمح باستمرار ذلك الفصل العنصري في هدوء إلى الأبد.
لذا فهناك اقرار ضمني من الجميع بأن الوضع الحالي غير قابل للاستمرار على المدى البعيد ، وهنا لا يتبقى سوى الخيارين الاخيرين.
لكن الخيار الذي تفضله الحكومة الاسرائيلية الحالية وبات مقنعاً لاغلب الإسرائيليين تقريبًا، هو الخيار الثاني اي تنفيذ نكبة ثانية بطرد الفلسطينيين وان يصبحوا لاجئين في دول الجوار ، من أجل الحفاظ على يهودية الدولة.
لكن السؤال الان هل هناك ما يشير الى ان الحكومة الاسرائيلية الحالية تعد لتنفيذ نكبة ثانية بشكل يشبه تماما الاعدادات التي سبقت النكبة الاولى في عام 1948 عندما تم طرد حوالي ثلاثة أرباع السكان الفلسطينيين من بيوتهم وقراهم؟
هناك تشابهات كثيرة تشير الى ذلك منها مثلاً التزايد كبير في عنف المستوطنين بتشجيع من دخول المتطرفين اليمينيين كوزراء في الحكومة الإسرائيلية.
و وفقا للأمم المتحدة، ارتفعت حوادث عنف المستوطنين بنسبة 39 في المائة في عام 2023 مقارنة بالعام الماضي.
وقعت واحدة من أسوأ هجمات المستوطنين في فبراير، عندما هاجم حوالي 400 مستوطن بلدة حوارة والقرى المجاورة في شمال الضفة الغربية. أشعلوا النار في بيوت وسيارات الفلسطينيين ونتج عن هذا الجوم قتل شاب فلسطيني و 100 آخرين مصابين، أربعة منهم في حالة حرجة.
تلقت الهجمات على بلدة حوارة دعما مفتوحا من بعض الوزراء في الحكومة الاسرائيلية. غرد وزير المالية الاسرائيلي بيلازيل سموتريش، الذي يحمل أيضا سلطة الشؤون المدنية في الضفة الغربية، بأنه يجب مسح حوارة من على وجه الارض.
وبالمثل، صرح وزير الأمن القومي الاسرائيلي إيتامار بن غفير ان المستوطنين الذين يهاجمون الفلسطينيين "أبطال".
كما ان جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي يسيطر على الضفة الغربية والذي عليه كسلطة احتلال ان يتدخل لحماية المدنيين الفلسطينيين من الاعتداءات -كما يتطلب القانون الدولي- لم يتجاهل فقط حمايتهم لكن جنوده كثيراً ما ينضمون إلى المشاركة مع المستوطنين في تنظيم هجمات مروعة على الفلسطينيين.
هذا العنف الوحشي المتزايد ضد الفلسطينيين، على يد كل من مجتمعات المستوطنين والدولة الإسرائيلية، يشبه تماما ماحدث في الأربعينيات كمقدمات للنكبة الاولى. حيث شهدت السنوات التي سبقت النكبة أيضا هجمات مكثفة من عناصر تابعة للحركة الصهيونية.
ومن ذلك مثلاً ماقمت به ميليشيات IZL و Lehi حينها من تفجير فندق الملك ديفيد الذي أسفر عن مقتل 91 شخصا ، و تنفيذ العديد من المذابح المروعة مثل مذبحة دير ياسين البشعة والتي كانت احد الاسباب في تهجير ونزوح الفلسطينيين كما كان مخططا لها ان تكون.
وما قامت به ميليشيا الهاجاناه (نواة جيش الاحتلال الحالي) من مذابح في الاربعينيات مثل مذبحة قرية بلد الشيخ، وهي المذابح التي كان له هي الاخرى دور كبير في التأثير على السكان الفلسطينيين واقناعهم باستحالة الحياة وان النزوح هو الحل الوحيد المتاح امامهم.
وهذا التمهيد للنكبة الاولى بكل تأكيد يحمل الكثير من أوجه التشابه مع مايحدث اليوم.
وبالرغم من أن اجبار الفلسطينيين على النزوح مستمر منذ الأربعينيات من القرن الماضي، لكنه تكثف في الأشهر الأخيرة بسبب العنف المنظم الذي يمارسه كل من المستوطنين وقوات الاحتلال.
في يوليو، على سبيل المثال، أدى هجوم جيش الاحتلال الإسرائيلي على مخيم جنين للاجئين إلى نزوح ما يصل إلى 4000 فلسطيني.
في نفس الشهر أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية أمر إخلاء ضد عائلة فلسطينية يجبرهم على النزوح من منزلهم في القدس الشرقية بعد ان سكنوه لما يزيد عن 50 سنة من أجل إفساح المجال ليسكنه مستوطنون، كجزء من اتجاه لدعم موسع من سلطة الاحتلال للمستوطنين الذين يستولون على الأحياء الفلسطينية.
كما ان هناك سيل من تصريحات الوزراء واعضاء الكنيست وقيادات الاحزاب اليمينية كلها تصب في نفس الاتجاه. فمنهم من يلوم بن جوريون، -أول رئيس وزراء للكيان- لأنه "لم يكمل مهمته للنهاية " في عام 1948 ، ومن يقول إنه يجب طرد المواطنين الفلسطينيين "غير المخلصين" وترحيلهم، ومن يدعوا إلى هدم منازل الفلسطينيين.
لكن ما شكل النكبة الثانية؟
من المستحيل التنبؤ بالضبط بالشكل الذي يعد له لتنفيذ النكبة الثانية.
سلطات الاحتلال ربما ستعتمد على استراتيجية متنوعة تجمع بين التهجير القسري المباشر والتكتيكات غير المباشرة التي يمكن أن تحجب الهدف النهائي في سلسلة متوالية ومستمرة من عمليات الاخلاء والدفع الى النزوح -بدلا من حدث فردي كبير- تماما كما حدث في النكبة الأولى.

جاري تحميل الاقتراحات...