١. في بعض الأحيان أتأمل و أحاول تحليل نفسي والمشاعر المختلفة التي تزورني في يومي وانفعالاتي الناتجة عن تلك الزيارات و عندما أفعل ذلك أجد خاطرة في نفسي أو أفكار بعضها أصطادها فأثبتها بالتدوين و أخرى تختفي جرّاء غفلتي و كسلي عن تدوينها. من إحدى التأملات القديمة، تأملي في الخوف...
٢. أردت أن أكتشف حقيقة الخوف, منبعه و أصله، وكنت قد تأملتها من قبل وتأملت العلم, وقلت في نفسي وكأن من مقاصد خلق الإنسان بعد عبادة الله، أن يَعْلم ومن بعد أن يَعْلَم يعمل بما تحصّل لديه من العلم. فقلت في نفسي لعل سبب ذلك من أصول الخير العلم, و من أصول الشر الجهل.
٣. سأشرع في بيان ذلك… إن تأملت سبب خوفك من أي شيء لوجدت أن أصل هذا الخوف هو الجهل لدرجة أستطيع أن أقول أن الخوف حالة طغيان ظلمات الجهل و انطماس نور العلم...
وتفصيل ما سبق, إن الإنسان قد يخاف من السبع, أو يخاف من الجن وغيرها من مخلوقات الله بسبب أن علمه لم يكمل...
وتفصيل ما سبق, إن الإنسان قد يخاف من السبع, أو يخاف من الجن وغيرها من مخلوقات الله بسبب أن علمه لم يكمل...
٤. فإن الإنسان إن لم يعلم أنه لا شيء يضره إلا بإذن الله تبارك و تعالى, ولا شيء يتحرك في هذا الكون إلا بإذنه سبحانه فربما سيطر عليه الخوف و إن زعم بأنه يعلم هذه الحقيقة. أقصد أن الخائف ربما علم المصطلحات والمفاهيم ولكنه جهل حقيقة معاني هذه الكلمات و لم تُترجم إلى حقيقة يعيشها...
٥. فأما إن علم ذلك يقينا وعلم أن من أسماء الله الحسنى أنه رب العالمين، العزيز الحكيم، العليم الخبير لعلم أن هذا المخلوق الذي أمامه سواء كان عفريت من الجن أو من شياطين الإنس أو وحش كاسر لن يضره, وكيف لمن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا أن يضر غيره إلا بإذن الله!؟
٦. فلذلك في قصة الهجرة المعروفة نجد كلمات عظيمة مثل “لا تحزن إن الله معنا”. فإن تأملت سبب هذه القوة والثبات لوجدته بسبب العلم.
٧. العلم بأن الله لن يضيعه, بأن الله لن يُسلط عليه قبل استيفاء ما يريده سبحانه منه، ولعلمه بأن لن يصيبه إلا ما كتب الله عليه أن يصيبه, فكان صاحب هذه المقولة مطمئن القلب.
٨. مثال آخر من واقع الحياة, لو وضعوك في غرفة مغلقة وهي مظلمة قد تخاف, تقول: "قد يتمثّل أمامي شيطان, أوقد يكون في الغرفة حية سامة أو مخلوق قد يؤذيني و إذا أنا بحالة هذا الإنسان أقول إن وضع أحد يده على ظهره لصرخ مرعوبا.
٩. لكن إن وضعت مولود جديد في نفس الغرفة لن تجده يخاف لأنه يجهل هذه المخاوف يجهل وجود الجني أو معنى العدو أو معنى الإيذاء وغير ذلك، فلا يخاف من هذه الأمور أصلا.
١٠. قد تتساءل وتقول في الحالة التي مثّلتها لنا، فإن الجهل قد نفع الطفل و العلم أضر بالرجل البالغ؟ فكيف تدعي أن أصل الخوف هو الجهل، ألا تجد أن هناك تناقض فيما تقول!؟
أقول ليس هناك تناقض, فالرجل خاف لأن حظّه من العلم قليل جدا مقارنة بمحيط الجهل الذي هو في وسطه...
أقول ليس هناك تناقض, فالرجل خاف لأن حظّه من العلم قليل جدا مقارنة بمحيط الجهل الذي هو في وسطه...
١١. عنده قليل من العلم وهو أن الجني مخلوق قد يؤذيه ولكن جهله أعظم من علمه, وإلا لو كان علمه كاملا, لعلم أنه لن يضره شيء إلا بإذن الله, ولو اجتمعت المخلوقات كلها على إيذائه فلن تستطيع أن تؤذيه ولكن لجهله بهذه الحقيقة علميا و عمليا و نفسيا فإنه يشعر بالخوف.
١٢. المجاهد من المهاجرين و الأنصار كان يجاهد مع رسول الله يتوق إلى الشهادة والمنافق يخاف من الجهاد، فما الفرق؟ الفرق أن المجاهد كان عالما بأنه إن هو استشهد لقي خيرا مما هو فيه الآن, ولكن المنافق كان عنده قليل من العلم...
١٣. كان عنده علم إن قاتل ربما قتل ولكن جهل حقيقة أعظم، ألا وهي: ((قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ)) فلأنه يجهل هذه الحقيقة يمتلئ قلبه خوفا.
١٤. في عملك, تخشى مديرك لأنه قد يطردك من العمل لأنك تعلم شيئا يسيرا أن لديه سلطة في أن يطردك ولكن لو كان علمك كاملا لن تخشاه قط, لأنك تعلم يقينا بأن الأرزاق بيد الله فلا تخاف هذا المخلوق الذي ليس له حول و لا قوة.
١٥. مثال من واقع حياتي و تجربة عشتها, عندما توفي أخي الذي كان يكبرني ببضع سنوات, ظللت بعد موته أياما لا أكاد أن أخطو خطوة إلى الأمام إلا وأنا خائف, مرعوب، و كأني أشعر بأن ملك الموت خلفي سيقبض روحي في أية لحظة! خائف أن أموت فجأة كما مات أخي بلا سابق انذار وهو في كامل صحته وشبابه.
١٦. أنا خفت لأني كنت غافلا عن حقيقة الموت وكأنه غير موجود أو عندي عهد عند الله أني سأبقى خالدا في هذه الدنيا وإن لم أكن أصرح بذلك! فعلمت جزءا من الحقيقة وهي أنه لابد لي من الموت...
١٧. بعدها بفترة اجتزت هذه المرحلة الصعبة بفضل الله فقد منحني الله علما بأن هذه الدنيا قصيرة وأن الموت لا يعني العدم, لا يعني نهاية كل شيء, بل هي مفارقة متاع اعتادت عليه نفسي, وفراق عالم صغير إلى عالم أعظم هي "الحيوان" في الحقيقة...
١٨. مثل الجنين في بطن أمه, وكأن بطن أمه هو العالم بالنسبة له و لكن عندما يخرج إلى هذا العالم يستحقر عالمه السابق في بطن أمه بل هل هناك أحد من البشر يريد أن يعود اليوم إلى بطن أمه!؟
١٩. هكذا شيئا فشيئا هذا التعلق بهذه الأمور من حولي ضعف, وما إن ضعف هذا التعلق هان علي الأمر وذهب عني الخوف العظيم الذي كنت أجده في قلبي من الموت وبدأ قلبي يتعلق بالله أكثر, أريد أن أسمع عن الله واليوم الآخر والملائكة و نعيم الجنة...الخ
٢٠. لا أزعم إني لا أخاف الموت أو لا أحب الدنيا الآن، فإن قلت ذلك فأنا كاذب و أحاول أن أخدعكم, بل الواقع أني أحبها وأخاف الموت لكن الحب بنسبة والخوف بنسبة أقل بكثير من السابق ولله الحمد والمنة. كل ذلك بفضل العلم الذي أنعم الله علي.
٢١. فتأمل في تجربتي أيها القارئ, عندما علمت جزءا يسيرا و كان جهلي عظيما كنت أخاف الموت بل الرعب سيطر على نفسي, ولكن عندما ثقل جانب العلم وخفّ جانب الجهل في موضوع الموت سهل علي وتحررت من قبضة الخوف إلى مشاعر أصفها بالراحة والسكينة و الطمأنينة.
٢٢. فإن قلت: “إن كان الأمر كذلك فلماذا المؤمن يخاف الله!؟ أليس سبب خوفه هو العلم؟” أجيبك فأقول لأن المؤمن مهما عظم إيمانه, ومهما كان عنده من العلم فإن ما يجهله عن الله تبارك و تعالى أعظم بكثير من ما يعلمه.
٢٣. فإن الإنسان كلما ازداد معرفة بالله ازداد علمه بأن ما يجهله عن الله أعظم بكثير, فسبحانه ((لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)) و ((وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء))
٢٤. لذلك تجد أشد الناس خوفا من الله هم الرسل والأنبياء عليهم السلام, لأنهم علموا أن عظمة الله و ما خفي منه سبحانه عنهم أكثر بكثير مما خبروه.
ألا تجد في القرآن أن الله يأمر نبيه بأن يقول: ((وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ))
ألا تجد في القرآن أن الله يأمر نبيه بأن يقول: ((وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ))
٢٥. وفي الحديث عن أم العلاء وكانت بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : "طار لهم في السكنى حين اقترعت الأنصار على سكنى المهاجرين عثمان بن مظعون . فاشتكى عثمان عندنا فمرضناه ، حتى إذا توفي أدرجناه في أثوابه ، فدخل علينا رسول الله فقلت : رحمة الله عليك أبا السائب ، شهادتي عليك،
٢٦. لقد أكرمك الله . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " وما يدريك أن الله أكرمه ؟ " فقلت : لا أدري بأبي أنت وأمي ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما هو فقد جاءه اليقين من ربه ، وإني لأرجو له الخير ، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي"
٢٧. ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل حتى تتورم قدماه وهو قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ولكن ليكون عبدا شكورا, عبدا علم أنه لا يحصي نعم الله عليه وإن كان رسولا نبيا… عبد يعلم الغرض هو عبادة الله تبارك و تعالى...
٢٨. ولهذا تجد ضعاف الإيمان لا يخافون الله كالأنبياء, عندهم علم بأن الله موجود ولكن ليس عندهم علم بأن الله شديد العقاب, ولا يفقهون اليسير من معاني أسمائه العزيز الجبار المتكبر!
٢٩. وكأنهم يجهلون هذه الحقيقة: ((إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ)) وكأنها غير موجودة, كما يجهل المولود الحديث وجود الجني أو المخلوق الذي قد يؤذيه فلا يخاف. و لهذا الملحد أصلا لا يخشى الله…
٣٠. ابليس عندما عصى الله سبحانه في موضوع السجود لآدم كان أصل تكبره عن أمر الله هو الجهل, وأصل توبة آدم عليه السلام كان هو العلم, العلم بأن الله يغفر الذنوب, وأن الله عظيم يستحق أن لا يعصى ويعلم خطورة عصيانه فلذلك تاب وأناب إلى ربه فاجتباه ربه وهداه.
٣١. فلهذا و بناء على ما سبق، أقول العلم أصل كل خير و الجهل أصل كل شر. هذا والله أعلم وأسأله أن يعلمنا ما جهلنا وينفعنا بما علمنا... و الحمدلله رب العالمين...
جاري تحميل الاقتراحات...