١. في هذه السلسلة سأذكر منهجية للتعامل مع المخالف... كثيرا ما وجدت نفسي في نقاش مع طلبة العلم، وهذه نعمة لا يعرف قدرها إلا من خاض هذه الأمور ثم استفاد منها في مسيرة حياته العلمية والعملية.
٢. كم مرة وجدتم أنفسكم في نقاش مع غيركم ثم يتفوه الطرف الآخر بمثل هذه الكلمات: "من أنت لتبدي رأيك في هذه المسألة؟ من أنت لترد على الشيخ فلان والعالم فلان؟ ومن أنت لتخالف السلف؟ و من أنت لتخالف آينشتاين و نيوتن و علماء أفنوا أعمارهم في تخصصاتهم؟؟
٣. عن نفسي قبل سنوات كنت أجد مثل هذه الكلمات في معظم نقاشاتي وأنا متأكد أن غالبكم قد سمع أو تفوّه بمثل ما ذكرت. غير أنه لا يُقال لي كثيرا هذه الأيام، ربما لأني صرت عندهم محلّ احترام بعد أن صدق رأيي في كثير من تلك المواضيع التي كنت أناقشهم فيها 😂
٤. حتى اليوم قبل أكثر من ١٣ سنة أو أكثر أذكر أحد المشايخ الفضلاء ذكرت له اشكالية معينة في بعض ما قاله السلف فقال لي من فوره لا خير في مخالفة علماء السلف و راح يوصيني بالبدء بالأصول و حتى الآن أذكر مثله الذي ضربه لي: “ما يصير خباز يرد على العلماء, خلّه يروح يخبز أحسن له".
٥. قد تقول ربما فيما قاله الشيخ بعض الصواب, لكن هل هذا هو الأسلوب تراه حسنا في الرد على المخالف؟ عن نفسي أرى أن هناك بدائل أخرى طيبة بدل من استحقار الطرف الآخر خاصة إن عُرِف أنه لا يُخالف عنادا أو تشفيا.
٦. ألسنا يا إخوة نجد في القرآن: ((قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ))؟ ألم تجدوا هذه الآية في القرآن ((اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ))؟
٧. أو هذه ((قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا)) ؟ ألسنا نجد هذا في كلام رب العالمين, ذو الكبرياء والعظمة؟ أليس القائل هو العزيز الحكيم, العليم اللطيف الخبير!؟ إن الله سبحانه لم يقل من أنتم لكي تخالفونني و لم يأمر رسوله أن يقول ذلك للناس؟
٨. في سورة النمل يقول سبحانه: ((أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)) فالله سبحانه وتعالى يكلّم الذين يدعون مع الله آلهة أخرى,
٩. وبالرغم من أن كون الله هو الواحد الأحد الصمد و هي أعظم الحقائق, وبالرغم من أن ليس هناك في الوجود من هو أعلم من الله عز و جل, وبالرغم من أن المُخاطب بهذا السؤال هم الجهّال من الكفار! غير أن الله سبحانه وتعالى قال: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) سبحان الله
١٠. ألست تجد في هذه الآية تعليما عاليا رفيع المستوى؟ نعم في الآية فيها تعليم لنا نحن البشر عندما نخاطب المخالف, فلا نثير العواطف و نستحقر الطرف الآخر مباشرة ونقول من أنت لتقول كذا وكذا, ولكن نقول له هل عندك من دليل على ما تقوله؟ فإن قال نعم فنقول أعرض أدلتك لندرسها...
١١. فإن لم يكن له أدلة قلنا كما قال الله: (إن تتبعون إلا الظن) وكم نحن بحاجة إلى هذه التربية العظيمة من الله سبحانه وتعالى لنرتقي في حوارنا مع المخالف لنا…
١٢. نعم أحيانا قد تضطر تؤدب المخالف و لكن بطريقة حسنة، لنفترض وجود إنسان يخالف بعض المسلّمات عند أهل الحديث (سأضرب مثالا لأهل الحديث مع العامي لأن كثيرا ما يقع مثل هذا في تويتر) فمثلا تجد رجل حديث أفنى عمره في الحديث وتبحّر فيه مثل البخاري أو مسلم...
١٣. فيستطيع من خلال ما تعلّم أن يقول هذا حديث صحيح أم ضعيف حسب المنهجية التي وضعها ثم اصطلح عليها أهل الصنعة, فإن أتانا إنسان لم يشم رائحة هذه العلوم، وقال هذا الحديث صحيح وهذا ضعيف من غير أدلة ظاهرة فماذا نقول؟ لعل أكثرهم سيقولون: "من أنت لتحكم عليها؟" هذا إن لم يشتموه أصلا!
١٤. أنا أقول هناك طريقة أفضل. إذ تخيّل هذا المغني له أثارة من معرفة في هذا المجال! أقصد بذلك ربما عنده كتاب لرجل حديث متخصص تكلم في حديث معين, أو استمع لمحاضر متمكّن في علم الحديث و بناء على قول العالم الذي استمع إليه قال كذا وكذا, فما البديل؟
١٥. البديل أيها الإخوة أن نسأله: "نقول له هل درست فن الحديث, هل استمعت إلى أحد رجال الحديث, هل عندك معرفة في المسألة الفلانية, هل لك دراسة شخصية لهذا الحديث...الخ
لماذا؟
لماذا؟
١٦. لأن الله سبحانه وتعالى قال: ((اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)) فإن قال: لا! حينها لا أرى بأسا أن يُقال له: "من أنت لتحكم على الحديث بالصحة والخطأ" ونذكّره بأمر الله تبارك و تعالى:
١٧. ((وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)) أما إن تركناه من غير تذكير فهذا يعني لا نبالي به و لا نبالي بمن يتأثرون بقوله و هذا في الحقيقة من إحدى أسباب دوامات الفوضى التي نجدها هنا في تويتر.
١٨. أما خطورة السب و استحقار الطرف المخالف من غير إعطائه فرصة فأقول في بيان ذلك: إن المشرك أو الهندوسي أو النصراني أو من عنده ضلالات واضحة بخصوص الله تبارك و تعالى، تخيّل هؤلاء إن شك واحد منهم في مسلمات مذهبه وطلب الحق،
١٩. فما هو بظنّك نتيجة قول الناس له: "لا تخالف العلماء الذين تبحّروا في فنون و علوم مذهبك؟
النتيجة برأيي أنه سيبقى في ظلمات الشرك وصرف العبودية لغير الله العظيم, ومن برأيك يتحمل جزءا من المسؤولية؟ إنه الإنسان الذي منعه منعا باتا من مخالفة علماء دينه أو قومه...
النتيجة برأيي أنه سيبقى في ظلمات الشرك وصرف العبودية لغير الله العظيم, ومن برأيك يتحمل جزءا من المسؤولية؟ إنه الإنسان الذي منعه منعا باتا من مخالفة علماء دينه أو قومه...
٢٠. نقرأ في الأخبار ما فعله أبو جهل و صناديد قريش بعمّ الرسول صلى الله عليه وسلم فقالوا: "أتخالف ملة عبدالمطلب؟" الحقيقة لا أجد كثير اختلاف بين الموقفين.
٢١. قد تقول لكن نحن مسلمون وهؤلاء كفار!؟ أقول قولك هذا يثبت أن هذه المنهجية غير عالمية و محلية إلى أبعد الحدود… إنما المنهجية العالمية الصحيحة تنطبق على المسلم وغير المسلم, على الإسلام وعلى الهندوس وإلا لما صحت أية مناظرة أو أية مناقشة بين الناس.
٢٢. فأنت عندما تجد المسلم يشكك في بعض المسلمات عندك (أنت) أو عند طائفتك لا تستحقره أو تطلب منه عدم المخالفة, ولكن إن شئت اعتبره مسلم جاءك بشبهة وأنت عليك الرد إن كانت شبهة معتبرة, فتقديس العلماء مرفوض و جعلهم أربابا من دون الله مآلاته سيئة قد نبأنا الله منها في كتابه العزيز.
٢٣. فيا أخي لا تتعجل في اصدار الأحكام على الناس, فربما هذا الذي تنكر عليه مقارنة بك, كالبحر مقارنة بقطرة ماء في المسألة التي تتكلمون فيها. و ربما قرأت أنت مئة صفحة فيها و هو قرأ ألف صفحة. و ربما تكون قرأت كتابا في المسألة وهو قرأ خمسون كتابا فيها...
٢٤. فقبل اتهامه قل له هل لك من برهان؟ فإن قال نعم برهاني كذا وكذا, ناقش البراهين ولا ترمي الشخص نفسه بقبيح الصفات.
فإن لم يكن له براهين قل له: "هل عندك أثارة من علم أو كتاب تقرأ منه؟" فإن قال نعم في الكتاب كذا و كذا, و في الحديث كذا و كذا و في كتاب الخبير فلان كذا وكذا…
فإن لم يكن له براهين قل له: "هل عندك أثارة من علم أو كتاب تقرأ منه؟" فإن قال نعم في الكتاب كذا و كذا, و في الحديث كذا و كذا و في كتاب الخبير فلان كذا وكذا…
٢٥. فأنت عليك أن تقرأ ما عند القوم ثم زن بميزان الحق ثم رجح بقاضي العقل و هو اختيار متاح لك اختياره. ميزان الحق هو كلام الله تبارك و تعالى، فزن أقوال العلماء أو المخالف بآيات الله سبحانه وتعالى فإن وافق فأهلا وسهلا, وإن لم يوافق فقل لا تلزمني بفهمك.
٢٦. في بعض الحالات تجد أقوالا مختلفة للعلماء في مسألة معينة موافقة للحق (أقصد موافق لظاهر الكتاب بنظرة أولى و موافق ما كان عليه الرسول صلى الله عليه) فهنا يأتي دور قاضي العقل, فرجّح بين القولين بالتعقّل ربط الآيات بعضها ببعض و من قبل ذلك اطلب الهداية من ربّك و بإذن الله ستصّل.
جاري تحميل الاقتراحات...