عـبـدالـعـزيـز
عـبـدالـعـزيـز

@AbdulAziz_Mohd

27 تغريدة 16 قراءة Sep 11, 2023
١. السلام عليكم و رحمة الله و بركاته… هذه السلسلة نوعا ما مختصرة و هي عن صيغة الاستثناء ”إلا“ في القرآن و ذلك لأني إن ثبت ما أريد أن أصل إليه في هذه السلسلة سأعرج على سلسلة أخرى و أبني على ما أذكر هنا.
٢. منذ الصغر قرأنا عن حرف الاستثناء ”إلا“ و اطلعنا على بعض صيغ الاستثناء كذلك، و ربما تذكرون بعض أركان أو أدوات الاستثناء و كذلك أحكامه من المثبت و الموجب و ما إلى ذلك...
٣. أنا في الحقيقة في هذه السلسلة لا أريد التركيز على هذه المواضيع إنما التركيز على نقطة مهمة لم أجد أهل التفسير أو اللسان ركزّوا عليها.
و في هذه السلسلة سأقوم بمشاركتكم ملاحظة لاحظتها في آيات القرآن. ورد حرف الاستثناء ”إلا“ في القرآن على الأقل في ٥٠٠ آية من آيات القرآن.
٤. الملاحظ أن بعد حرف الاستثناء قدر (عدد) المستثنى يكون قليلا جدا مقارنة من المستثنى منه. مثال ذلك في سورة البقرة و بالتحديد في قصة سجود الملائكة لآدم، نجد هذه الآية: ((وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)) فإبليس واحد مقارنة بالملائكة...
٥. و مثال ذلك: ((وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون)) و أختها أيضا في سورة آل عمران: ((ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون))
٦. فبعد ”إلا“ تجد أياما معدودة أو معدودات، يعني إن كانت الأيام كثيرة في مس النّار للناس، فلن تمسّهم هم إلا أيام معدودة و هذه الصيغة و التعبير تدل على القلة بلا شك.
٧. و هناك آية مهمة في موضوعنا و هي في سورة البقرة: ((وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون))
٨. انتبه لقوله: (لا تعبدون إلا الله) فالمعبودات التي يعبدها البشر من دون الله كثيرة، و الله تبارك و تعالى واحد، فبعد حرف ”إلا“ جاء اسم الله و هو واحد. ثم لاحظ في نفس الآية يقول سبحانه: (ثم توليتم إلا قليلا) فالقليل يدل على أن الذين تولوا هم أكثر.
٩. في آية سورة البقرة: ((وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)) فمن عموم البشر بشتى أديانهم و ما يؤمنون به قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، و هذا الاستثناء يدل أنّهم أقل من مجموع البشر.
١٠. و أيضا هذه الآية: ((وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين)) فالعدوان قد يكون على الظالمين و قد يكون على المحسنين و غير الظالمين فعندما جعل حرف الاستثناء ”إلا“ تجد بعدها أقل من المجموع.
١١. و كذلك في آية الحكمة، أعني هذه الآية: ((يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولو الألباب)) فالذين لا يذكرون هم الأكثرية و الذين يذكرون هم الأقلية.
١٢. و في سورة آل عمران: ((كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين)) فما كان حلا لبني إسرائيل أكثر بكثير من الذي حرّمه إسرائيل على نفسه.
١٣. و في سورة آل عمران أيضا: ((لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون)) فالضرر أنواع و شدته على النفس تختلف باختلاف نوع الضرر، لكن بعد أن ذكر ”إلا“ فما بعدها كان قليل بالمجموع و هو ”أذى“.
١٤. و في سورة سبأ: ((ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين)) فإبليس صدق ظنّه على الأكثرية إلا فريق من المؤمنين و أما البقية فصدق عليهم ظن إبليس. و في سورة الغاشية: ((ليس لهم طعام إلا من ضريع)) فأنواع و صنوف الأطعمة صعبة الحصر.
١٥. و هكذا في أكثر القرآن، بعد حرف الاستثناء ”إلا“ مقدار (عدد) المستثنى أقل من المستثنى منه. هذا في الغالب و لكن لا يعني أنّه في كل الأحوال، فانتبه، فالتعبير الذي قبله و بعده قد يوحي باستعمال آخر لحرف الاستثناء.
١٦. و في سورة العصر: ((وَٱلۡعَصۡرِ (1) إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ (2) إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ (3) )) فمجموع النوع الإنساني لفي خسر، من الذين ليسوا في خسر؟
١٧. فقط الذين آمنوا و عملوا الصالحات و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر. و هذه في الحقيقة قد لا تعجبها النفس و تجدها مؤلمة، هل الغالبية في خسر؟ بخلاف ما يقوله أهل التنوير و القراءات المعاصرة لكن هذا في الواقع هو الحق في القرآن و لا يمكنني تغيير هذه الحقيقة مجاملة للناس.
١٨. و هذا يقودني إلى موضوع آخر و حقيقة أخرى قد تكون صادمة للبعض، قال سبحانه في سورة هود: ((وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)
١٩. إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)) فالناس لا يزالون مختلفين بين مسلم و مشرك…الخ الذين رحمهم الله فلا يختلفون هم الذين رحمهم الله و هم الأقل...
٢٠. و الغالب أن هذا الاختلاف من ظاهر الآية ليس الاختلاف في المذهب الواحد. إنما الاختلاف في الأصول (كما يقولون). أعرف أنها شديدة على النفس و مؤلمة، و لكن هذه الحقيقة في القرآن كما ذكرت سابقا.
٢١. و ما يؤيد هذا ما نجده في آيات أخرى، منها في قصة طرد إبليس، في سورة ص: ((قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) )) فالغالبية سيغويهم إبليس إلا عباد الله المخلصين.
٢٢. و أيضا مما يؤكد ما قلت، ما هو مذكور في سورة الأنعام: ((وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ۚ إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون)) و أيضا في سورة يوسف: ((وَمَآ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِينَ ))
٢٣. و في نفس السورة أيضا: ((وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ)). هذه الحقيقة متوافقة على طول الخط، من بداية القرآن إلى نهايته. و هذا يخالف الاعتقاد السائد عند الناس و إن كانت حقيقة مؤلمة و مخيفة.
٢٤. بل حتى من أشهر الجمل التي يستعملها المسلمون: (لا إله إلا الله) و (لا حول و لا قوة إلا بالله) كلّها تدل على ما ذكرت، فالناس زمن نزول القرآن كانوا يتعجبون من كون الإله واحد فقط. ألم يقولوا في سورة ص: ((أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ))؟
٢٥. و في سورة يوسف: (( ((وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ)). و أما (لا حول و لا قوة إلا بالله) كذلك الظن الجمعي الغالب أن الناس عندهم حول و قوة...
٢٦. مثلا نجد في سورة فصّلت: ((فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة ۖ أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة ۖ وكانوا بآياتنا يجحدون))
٢٧. ولهذا حتى في قولنا: (لا إله إلا الله) أو (لا حول و لا قوة إلا بالله) فبعد حرف ”إلا“ جاء ما يدل على أنّه سبحانه الواحد مقابل الكثير المُتوّهم عند الناس.
هذا ولله الحمد في الأولى و الآخرة و له الحكم و إليه راجعون.

جاري تحميل الاقتراحات...