بمناسبة سيد درويش ومئويته، عندي كلمتين عن المزيكا الشرقي ودور سيد درويش فيها. معروف إن المزيكا أصوات وكل نغمة ليها ذبذبة. نغمة ( C ) مثلاً تردد موجاتها ٥٢٣ هيرتز وشوية. لو استخدمت أي آلة موسيقية او كومبيوتر أو صوت آدمي وطلع موجة ٥٢٣ هيرتز حايكون نغمة C أو دو / راست في الشرقي.
في ميزة من فكرة إن ذبذبة الدو في الصين هي الدو في السنغال هي الدو في مصر. الموسيقين حايقدروا يكلموا بعض / يلعبوا مع بعض / يعلموا بعض بل ويستخدموا شغل بعض وده اللي يخلي حد زي Jay Z يستخدم أغنية عبد الحليم ومعظم الرابرز في مصر ينحتوا Travis واصواته كلها وهكذا.
زي اللغة، كل الموسيقيين بيتكلموا حاجة شبه الانجليزي بتاع هوليوود دلوقتي. أكيد في لكنات ولهجات وكسرات و P بتتنطق B و Water بتتنطق Warer وده بيعمل طعم محلي لكل نوع موسيقا ده غير ان سرعة الكلام وتقسيمته والفلو بتاعه بيتغير بتغير الايقاعات لكن ما زال بنتكلم انجليزي وبنعد على ٤ غالبا
وزي اللغة ( اللي هي أصلا مزيكا من آلة وترية اسمها الحنجرة ) في اتجاه انساني تطوري ان المزيكا تختلف. تشومسكي عنده نظرية باحبها انك لو سبت دمنهور وقنا مثلاً بدون تليفزيون ولا جرايد ولا كتب ولا لغة مفروضة مركزية غالبا الشعبين حايطوروا لغتين مستقلتين ومش حايفهموا بعض بعد قرنين تلاتة.
عشان كده مثلا شيكسبير كان بيتكلم لغة ناس في انجلترا ما كانتش فاهماها وبنفس المنطق، كان كل من شعوب اوروبا مثلا ليه مزيكته فيها ال C مش ٥٢٣ هيرتز، ممكن تبقى ٣٠٠ ممكن تبقى ٤٠٠ ممكن تبقى ٦٠٠ و ممكن تبقى ٥٢٥ وقريبة جدا من البلد اللي جنبها بس مش هي. وطبعا عالميا الموضوع كان أعقد.
في القرن ال ١٨ قرر الموسيقار باخ يعمل سلم موحد على القياس الالماني ويوحد النغمات والمسافات ويقرر ان هو ده البيانو اللي الناس حاتضبط آلاتها عليه. كان في حاجة ماسة للتطور ده للأسباب اعلاه وعشان العالم بقى اصغر والناس بقت بتشوف ثقافات بعض وعايزين يتكلموا سوا بلغة يفهموها.
في مصر وكجزء من منطقة ليها تراث قديم ولغة عتيقة في كتب وأدب وشعر ودين كان لينا برضه موسيقا عتيقة بسلالم اما يسمعها الغربي ممكن ما يفهمش احنا بنقول ايه ولا يحس بشيء. زي ما احنا بالمناسبة في تخيلي كنا من قرنين ممكن نمتعض لما نسمع مزيكا نمساوي على سلم دو كبير اللي مش فاهمينه.
قصة جانبية، وانا طفل كنت باتعلم كمانجة في الكونسرفاتور وكانت مدرستي ست يونانية عندها ٨٠ سنة اسمها مدام ليزيت. طردتني مرة لأني كنت مصر ألعب ربع تون وهي مصرة ان ده نشاز مع انها كانت غنوة لأم كلثوم عادي. تخيل مصري في القرن ال ١٨ لما يسمع مقطوعة لبيتهوفين اكيد على الاقل مش حايقدرها.
المهم فضلت مصر والمنطقة عموما بتتكلم لغتها الموسيقية بدون تغيير يذكر لحد ما خبطنا في حيطة نابليون اللي ما جاش بس بعساكر بل بسفن فيها علماء وموسيقيين ومفكرين. في رأيي سيد درويش هو نتاج تحول مصر لساحة خناقة بين انجلترا وفرنسا ابتدت بالحملة الفرنسية وانتهت بمعركة السويس ٥٦.
اللي عمله سيد درويش هو انه حاول ينقلنا لسلم باخ الكبير. آلاتهم الموسيقية ما كانتش تقدر تلعب مزيكتنا وودانا ما كانتش تقدر تستوعب مزيكتهم. زي الضاد والعين والخاء بالنسبالهم كده. فكان لازم حد يعمل كوبري. ومين كان مرشح لده احسن من حد مولود في اسكندرية اللي كانت متروسة اجانب واقليات.
واوپرات وحفلات ومسرحيات وثقافة رقص وغنا وانصهار امزجة وثقافات وفكرة انك جارك دايما من بلد الناحية التانية من البحر، بل في مرحلة من حياته سافر الشام اللي كانت مليانة فرنساويين وشرب المزيكا ودرسها ورجع معاه اختراع ال ( الأدابتور ) اللي نقلنا للبيانو والميجور والمينور.
لو تحلل لحن مشهور لسيد درويش حاتلاقي سر تميزه مش اصالته، ولا اغراقه في المصرية او الشرقية بل العكس تماما، هو قاعد بيحاول يبني الكوبري اللي فضل يحاول يعمله وعمله بصياعة الصراحة لدرجة انه اخترع مقام مخصوص هو الحجاز كار ( بالتركي يعني: شبه الحجاز ) وظيفته ينقلنا من الشرق للغرب بلمسة
لو بصيت ع البيانو في سلم دو الكبير الغربي، النغمات هي دو ري مي فا صول. بين دو وري مسافة كاملة وبين ري ومي مسافة وبين مي وفا نص مسافة. حجاز كار هو هو دو الكبير لكن بين الدو والري نص مسافة بس. النقلة البسيطة دي ( بدل الصباع الأبيض تنقل الصباع الأسود) نقلت المقام كله من الغرب للشرق.
حاجة كده زي اللغة الفرانكو اللي بتكتب العين 3 والطاء 6 وغيره. طبعا ده مثال صغير للي هو عمله بس هي دي الفكرة العامة. لسيد درويش طبعا اغاني شرقي صميمة بس ما تلاقيهاش بتتسمع قوي ولا تختلف قوي عن جيله وزمنه اللي كان فيه ناس اقوى في الحتة دي ( يوم تركت الحب مثالي المفضل)
حتى ادواره المشهوره اللي تبان طربية سلالمها غربية بدون ربع تون ولا اصوات بره بيانو باخ ومسافاته. طبعا تأثير سيد درويش كان بعد وفاته اقوى بمراحل مش بس عشان اغانيه حلوة وغير مألوفة لكن لأنه فتح الباب لناس زي عبد الوهاب والقصبجي والسنباطي وصولاً لبليغ حمدي يعدوا الكوبري اللي هو عمله
ويعملوا الحان نصها شرقي قديم ونصها غربي بحت ( ملعب عبد الوهاب ). مثال شبه ده برضه اللي عمله جيل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ في الرواية، عندك لغة قديمة كلها محسنات وجناس وتكرار، ناخذها ونحطها في قالب غربي اسمه الرواية والمسرح ونطورها بحيث تكون مفهومة للطرفين وناخذ بيها نوبل.
نقلة سيد درويش خلت المهمة أسهل لموسيقيين كتير ظهروا بعده انهم يستسهلوا اقتباس اغانيه، انفجار استخدام اغاني سيد درويش في التمانينات والتسعينات بل واكتساح اغاني زي الحلوة دي وغيرها جاي من ان الآلات الغربية عرفت تلعبها والديجيهات والبروديسرز عرفوا يطوعوها في شغلهم.
طبعا في رأيي ان ده خلى مزيكا مهمة واصوات قديمة تختفي وتتدفن. وده كان رأي اللي كانوا معاصرين سيد درويش على فكرة، زي كده لما حد ياخد اغنية لأم كلثوم ويحولها لتراك drill. بس سيد درويش كان اخطر لانه فعلا فتح باب تحديث دفن تماما اصوات ونغمات وسلالم ماعرفتش تعيش في طوفان التغريب.
هو طبعا ده في رأيي مش ذنب سيد درويش اللي فتح اول خرم في السد اللي كان وراه طوفان، ولا عبد الوهاب وجيله اللي فتحوا السد من الخرم الصغير ده على مصراعيه. لكن يبدو ان دي حركة التاريخ والتطور وطبائع الاشياء لما ثقافة وحضارة بقيمها ولغتها ومفاهيمها تبقى اقوى من ماضي وتراث راحت عليه.
في ١٩٣٢ اقيم أول مؤتمر للموسيقى العربية في القاهرة واللي كان هدفه الاتفاق على إطار عام للتغيير الجديد. وقرروا يعملوا لستة بالمقامات وبقى ال C زيه زي باخ ٥٢٣ هيرتز وماتت اصوات ممكن تسمعها في تسجيلات قديمة لسيد درويش نفسه وهو بيغني بلادي بلادي مثلا بشكل نشاز جدا بالنسبة لدلوقتي.
من سخريات الأقدار ان في تسجيلات كتير من نفس المؤتمر ده لأغاني سيد درويش بصوت ابنه، اللي حاول يلتزم بالسلالم الجديدة وضبط الآلات ويقال ان بطانة سيد والعازفين اللي كانوا متعودين على اغانيه طلعوا من المؤتمر ناقمين وحاسين ان في تشويه حصل لحاجة حلوة وان في تاريخ عتيق وطويل اتدفن ومات.
لكن اللي غاب عنهم هو ان اهمية الشيخ سيد وتأثيره نابعة بالضبط من الحتة دي. وأن اللحظة دي بتاعت مؤتمر الموسيقى العربية كانت تتويج حقيقي لحاجة انا في رأيي كانت مشروع حياته وسبب لثورة موسيقية عربية حصلت خلال قرن كامل هو مات في أوله ولسه ويجز وعفروتو ومروان موسى بيستفيدوا منها.
اخيرا في حاجة شاعرية جداً في الموضوع ده، عند اليونان كان في إلهين للوقت، كرونوس وكايروس. كرونوس( chronos ) كان إله الوقت المنظم اللي يقطعه ويقطعك وبيجري ولازم تلحقه والتيمة الصناعية دي. وكايروس ( زي القاهرة بالانجليزي كده) كان اله الروقان والعيش في اللحظة والهدوء والروقان.
مزيكتنا فضلت فترة طويلة مع كايروس لحد ما اجتاحنا سيل صناعي مبني على الكفاءة والدقة والجري عشان نلحق الشيفت في المصنع. والمد كان عالي فكان لازم نعمل الوصلة. لكن لحد دلوقتي انا باحس ان فينا حتة بتحن للعشوائية القديمة بتاعت المزيكا اللي اقعد تسمعها بتتكرر ساعات ولا تلوي على شيء
مزيكا بتقعد ترتجل وتلعب وتنط من مقام لمقام بتغيير نغمة وتفاجئه اللي بيسمع بنقلة غير متوقعة تخليه يقول الله من قلبه. مزيكا الغرب رغم اني باحبها لكنها اقل عشوائية واكثر تنظيما اي كل حاجة هناك. الايقاع ثابت والمقام ثابت والمفاجآت ثابتة. عشان كده اما السود عملوا الچاز هزوا الدنيا.
مش بأفاضل بينهم بس ملاحظات عن الحياة وتيارين دايما بيتخانقوا مع بعض كرونوس وكايروس. اللي بيزعلني على مصر اليومين دول مش الاقتصاد ولا الفساد ولا الحريات ولا حتى الناس والزبالة والنصب لكن ان كله مصر تبقى كرونوس وهي لما بتقعد في البيت لوحدها بتلبس العباية السمرا وتقلب كايروس
جاري تحميل الاقتراحات...