فهد.
فهد.

@I0ll

14 تغريدة 24 قراءة Sep 10, 2023
يكتب العقاد في مقالٍ له عن اعترافاته: ”وحسبي اعترافًا في هذا الصدد أن أحدًا من الناسِ لم يسلم من عيوبي وخطاياي؛ فهل في وسعهم جميعًا أن يدَّعوا مساواتي في جميعِ فضائلي ومزاياي؟“. سأنقل بعض الاعترافات التي جهر بها بعد مجاوزته الـ٦٠ من عمره؛ لما فيها من الفائدة والدلالة على الشخصية.
أول ما أعترفُ به أنني مطبوع على الانطواء، وأنني -مع هذا- خالٍ بحمد الله من العقدِ النفسية الشائعة بين الأكثرين من أندادي في السِّن، ونظرائي في العمل، وشركائي في العصر الذي نعيش فيه. ولقد ورثتُ طبيعة الانطواء من أبي وأمي، فلا أملّ الوحدة -وإن طالت- بغير قراءةٍ ولا تسلية.
(ثم قال بعد ذلك مصحِّحًا بعض الأوهام عن معنى الانطواء، ومعنى العقد النفسية): فليس كل انطواء كبتًا للنفس، أو كتمانًا لسرٍّ من الأسرارِ الخفية، وهناك فارق كبير بين السكوت خشية الكلام، والسكوت لأنك لا ترى حاجة للكلام.
فإذا سكت الإنسان خاشيًا فهناك عقدة نفسية، وإذا سكت الإنسان لأنه لا يشعر بالحاجة إلى الإفضاءِ والتصريح فلا عقدة هناك، ولا كتمان. وقد تعودتُ أن أقول ما أريد حين أريد، فلا أعكف على العزلةِ كبتًا ولا حذرًا، ولا أحس التناقض بين الانطواءِ والاستراحة من آفاتِ الكبت والعقد النفسية.
ويغلب على المنطوين أنهم لا يألفون الناس بسهولة، وأعترف بأنني واحد من المنطوين في هذه الخصلة. ولكنني أعترف كذلك بأن الألفة التي تصح بيني وبين أحد من الإخوان لا تنقطع ولا تتعرَّض للقطيعةِ باختياري، وقد يتعدَّى الأمر ألفة الإخوان إلى ألفةِ غيرهم من الأحياء والأشياء.
فالحلاق الذي عرفته منذ ثلاثين سنة هو الحلاق الذي أعرفه اليوم، والطاهي الذي عمل عندي في سنة ١٩٢٥ أو نحوها هو الطاهي الذي يعمل عندي في سنة ١٩٥٠ أو ١٩٥١. بل أدع الأحياء من الآدميين، وأذكر المنزل الذي أقيم فيه، فهو مسكني منذ أربع وعشرين سنة، ولا أحسبني أسكن غيره ما دمت تسعني سكناه.
وأعترف إلى جانبِ هذا بأنني لا أعرف التوسط بين الحبِّ والكراهية، ولا أريد أن أعرفه، وشعاري في ذلك هو شعار أبي إسحاق الصولي الذي قال:
خلِّ النِّفـاقَ لأهلِـهِ
وعليك فالتمِس الطريقا
واربأ بنفسِك أن تُرى
إلا عدوًّا أو صديقا
فأنا أفهم أن يُقبل الإنسان نصف صداقة إذا كان مضطرًّا إليها، وأفهم أن يقبل الإنسان نصف عداوة إذا كان خائفًا منها، ولكنه إذا وجد الصداقة كاملة، فلماذا يجمع بينها وبين نصف الصداقة؟ وإذا استوجب العداوة كاملة فلماذا يتّقيها ويداريها!
إن طائفة من الخَلق يستبقون العلاقة بينهم مع انقطاعِ المودة طلبًا لدوام المنفعة، فهؤلاء يُمثِّلون ويتاجرون، ولا ضير من التمثيل فنًّا، ولا من التجارة عملًا، «ولكن الضير كل الضير من التمثيل في الضمير والاتِّجار بالعاطفة، ففي هذا من المعابةِ ما يُعاب على المتاجرةِ بالأجسام والشهوات».
أعترفُ بأنني من الزاهدين في البذخِ والحطام، ولكنني أعترف بأنه زهد لا فضل لي فيه؛ لأنه لم يكلفني مشقة المغالبة والمقاومة، فليس في النفسِ هوًى أغالبه وأقاومه، وإنما ألوذ في هذه العصمة بسندٍ واحد، وهو سهولة احتقاري للباذخين ومن يُنظر إليهم نظرة الإكبار والإعجاب =
فهؤلاء وهؤلاء أهون عندي من الهباء. أما اعترافاتي في ميدانِ الأدب فمنها ما يخصني ومنها ما يعم القراء معي، وأول هذه الاعترافات أنني «أقرأ لنفسي، وأقرأ أحيانًا في موضوعاتٍ لم أكتب فيها للقراءِ حرفًا واحدًا حتى الساعة».
ولا أطالب أحدًا بجميل؛ لأن جميلي لنفسي سابق لكل جميل، ولكنني أعترف كذلك بأنني لا أطيق التواضع الكاذب، الذي هو رياء في المتكلمِ، وغفلة في السامعِ، فإذا بخسني الباخسون حقًّا فدعواي إذن أمام ضميري لا يزعزعها إجماع الخافقيْن.
أعترفُ بأنني أحب الشهرة والخلود، ولكنني أعترف كذلك بأنني لا أطلبهما بثمنٍ يهيض من كرامتي، وأنني إذا أحسست أن إنسانًا يمتنُّ عليَّ بشهادة يبذلها أو شهادة يمنعها فلا نصيب له عندي غير التحدي الذي يذهب به إلى الحائط، ولتذهب الشهرة، وليذهب الخلود معها إلى الشيطان.
يختم اعترافاته بقوله:
ولقد تعبت كثيرًا في تحصيل الأدب والثقافة، ولكنني أعترف بعد هذا التعب كله بقصوري عن الغايةِ التي رسمتها أمامي في مقتبلِ صباي، فلم أبلغ بعدُ غاية الطريق، ولا قريبًا من غايته، وإذا قدَّرتُ ما صبوت إليه بمائة في المائة، فالذي بلغته لا يتجاوز العشرين أو الثلاثين.

جاري تحميل الاقتراحات...