المهم أنتي التقيت بأحد الموظفين عن طريق الصدفة السيئة، وكعادة أي اثنان يلتقيان لأول مرة في ظروف كهذه، دار الحديث في البداية عن أشياء غبية… "هل هذه تجربتك الأولى مع المناطق النائية؟"، "ما مدى ارتفاع سقف توقعاتك عن الأكل المقدم هنا؟"، "ألا يوجد شبكة موليّاً؟"…الخ.
ثم تطرقنا إلى مسألة المؤونة، للوجبات توقيت خاص، وأحياناً لا يكون الموظف في حالة نفسية تسمح له بالذهاب الى المقصف والاختلاط ببقية الموظفين..
وهذا يدفعني إلى تقديم معروض أطالب فيه بتوفير خدمة تقديم الطعام في الغُرَف، حتى يتسنى للموظف الأكل بمفرده والانفصال عن جو العمل والأحاديث المتعلقة به… ولكن هذا موضوع آخر.
الفائدة الوحيدة من لقائي بهذا الموظف هو أنه ذكرني بضرورة وجود مؤونة، وأخبرته أنها فكرة سديدة لا أدري كيف لم تخطر لي على بال وأنا الضليع بحياة المناطق النائية وكل ما يتخللها من ظروف!!… ثم ألمحت له أنني سأضع ذلك في قائمة أولوياتي، وأنني على الأرجح سأنجز المهمة اليوم.
وانبسطت أساريره، ولكنه حاول ألا يعبر عن ذلك بملامحه، قال لي أنه هو أيضاً يريد استيراد المؤن من أقرب مكان تتوفر فيه المؤن، ولكن سيارته ليست بحالة جيدة… أراد أن يسترسل في الحديث وأن يشرح لي تفاصيل الأعطال التي تعاني منها سيارته ولكنني قاطعته بحكم عدم اختصاصي في ميكانيكا السيارات.
كما أنني لا اكترث لماهيّة الأعطال، لأن سيارته ليست أول سيارة تسوء حالتها في العالم. فهمت مقصده وقلت له "هيا بنا إذن إلى الهفوف…" وأجاب باستغراب:
-الهفوف؟ الهفوف تبعد ساعة ونصف من هنا، هناك محطة وقود على بعد…
-الهفوف؟ الهفوف تبعد ساعة ونصف من هنا، هناك محطة وقود على بعد…
-اسمع، يا صديقي، يا ماجلان، يا ابن بطوطة، أنا أعرف أن هناك محطة تبعد نصف ساعة من هنا، كل من وصل إلى هذا المكان كان قد شاهدها لأنها المحطة الوحيدة في المنطقة، وهي محاطة بصحراء قاحلة على مدى مائة كيلومتر في كل اتجاهات البوصلة..
-حسناً، هدئ من روعك، كنت فقط أقول أننا سنجد ضالتنا هناك، فلماذا نتكبد العناء ونقطع قرابة خمسون كيلومتر إضافية؟ كلما نحتاجه هو اللوزين والبرينجلز….
-وأنا أريد لوزيني وبرينجلزي من الهفوف، ولا أعتقد أننا سنمتطي صهوة حمار حتى نصل إلى وجهتنا أياً كانت… ما المشكلة تحديداً في الذهاب إلى الهفوف؟ هل ترعرعت هناك؟ هل سبق لك زيارتها للدرجة التي لم تعد تريد فيها رؤيتها واستنشاق هوائها؟
-لا، إنما أقصد…. لا يهم، ما دمت مستعداً للقيادة طيلة هذه المسافة…
-نعم، أنا مستعد، ولكن بربك هلّا ذهبنا الآن حتى نتمكن من العودة قبل حلول الظلام؟
-طبعاً، طبعاً، ولكن أرجو تكليفي بمهام منصب الدي جي، سأختار لك أغاني…
-نعم، أنا مستعد، ولكن بربك هلّا ذهبنا الآن حتى نتمكن من العودة قبل حلول الظلام؟
-طبعاً، طبعاً، ولكن أرجو تكليفي بمهام منصب الدي جي، سأختار لك أغاني…
-لن نسمع أغاني، ألا تشبع من تكديس الذنوب؟ وعلى ماذا؟ على ترهات وحماقات…
-على رسلك، حسناً، لم أكن أعلم أنني سأذهب في رحلة مع علي الطنطاوي…
-على رسلك، حسناً، لم أكن أعلم أنني سأذهب في رحلة مع علي الطنطاوي…
اسمع، أولاً، علي الطنطاوي عمك، ثانياً، لا، أنا لست علي الطنطاوي، للأسف، ولست أرفع شعار "أحب الصالحين ولست منهم" في نفس الوقت الذي ارتكب فيه المعاصي، أنا لست في مزاج موسيقي الآن وهذا كلما في الأمر…
-البودكاست إذن، أنت من أولئك الذين…
-البودكاست إذن، أنت من أولئك الذين…
-يا عزيزي لا بودكاست ولا غيره… ربما نستمع إلى بودكاست، وربما لا، المهم أننا لن نستمع إلى شيء لا يدور الحديث فيه عن عنترة..
-عنترة؟… ابن شداد!!؟
-نعم، عنترة ابن شداد، أنا في مزاج عنتري…
-هل استلهمت الأمر بحكم وجودنا في منطقة صحراوية التضاريس…
-قد يكون الأمر كذلك، وقد لا يكون، لا يهمني معرفة السبب الذي دفعني للتعنتر، المهم أنني أريد أن أتعنتر…
-نعم، عنترة ابن شداد، أنا في مزاج عنتري…
-هل استلهمت الأمر بحكم وجودنا في منطقة صحراوية التضاريس…
-قد يكون الأمر كذلك، وقد لا يكون، لا يهمني معرفة السبب الذي دفعني للتعنتر، المهم أنني أريد أن أتعنتر…
-ولكن هذا شيء غريب، أنت تعرف…. مضى على الجاهلية وقت طويل… ونحن هنا لبناء مصانع تكرير الغاز… ولست أفهم، أقصد أنني عاجز عن ربط الأمرين…
-وهل يجب أن ترتبط كل الأمور عندك ببعضها حتى تفهم؟ هل يجب أن يكتبوا لك في عقد العمل كل المحتويات السمعية والبصرية المسموح لك الاطلاع عليها؟ اعذرني، ولكن هل أنت بقرة أم تستبقر؟…
-حسناً، حسناً، لماذا أنت عدائي هكذا؟… فلنرفع على درجة التكييف قليلاً، ربما تهدأ، معذرةً…
-حسناً، حسناً، لماذا أنت عدائي هكذا؟… فلنرفع على درجة التكييف قليلاً، ربما تهدأ، معذرةً…
هذا الأحمق أفسد مزاجي منذ بداية الرحلة، وأنا أقرّ بدكتاتوريتي أيها السادة، ولكنني أريد أن أمارس الدكتاتورية بالتراضي، أي أنني لا أحب أن أفرضها دون أن أعبأ بتأثير ممارستها على الموجودين في محيطي، أريد منهم أن يسمحوا لي بممارسة الدكتاتورية وهم مسرورين، ما وجه الصعوبة في ذلك!!!؟
أجّلت تشغيل البودكاست لبرهة من الزمن، أردت أن أشرح له دوافعي قدر المستطاع، بالرغم من أن صبري كان قليلاً حينها، أقل من صبر شيرين عبدالوهاب!… قلت وأنا أكتم تناهيدي؛
-حسناً، ربما كان للتضاريس الصحراوية تأثير على مزاجي، ولكن، هذا عنترة يا عزيزي، ومن الواجب على كل فرد يتحدث العربية أن يعرفه، وإلا سيكون قد فوّت على نفسه الكثير، ولا تطلب مني تفسير تصريحي هذا لأني والله لن أطيق ذلك منك، ولا من غيرك….
-لا داعي للتبرير، أنت القائد وصاحب السيارة، ومن الطبيعي أن يكون لديك اهتمامات كالشعر وما إلى ذلك، إذا كنت تريد الاستماع…
-اسمعني، أنا أريد منك أن تسمعني الآن، حتى تتقبل دكتاتوريتي بكل سرور… ربما كان الشعر من اهتماماتي ولكن هذا ليس بيت القصيد… أنا أريد عنترة، في هذه اللحظة أستطيع أن أقول "فليذهب الشعر كله إلى الجحيم" وسأندم على ذلك في الغد، ولكنني الآن أعيش لحظات عنترية، لأنني هاوٍ لروح المغامرة…
-عذراً على المقاطعة، ولكن أنت تذهب بنا إلى الهفوف من أجل لوزين….
-ليس من أجل لوزين يا معتوه، ولا من أجل كل المؤن، أنا أزور الهفوف لأنها مسقط رأس الدكتور المرموق جدّاً غازي القصيبي، وفي نظري أن لوزين من الهفوف أفضل من أي مندي تجده في غيرها…
-ليس من أجل لوزين يا معتوه، ولا من أجل كل المؤن، أنا أزور الهفوف لأنها مسقط رأس الدكتور المرموق جدّاً غازي القصيبي، وفي نظري أن لوزين من الهفوف أفضل من أي مندي تجده في غيرها…
-القصيبي؟ ولكنك في زمن الجاهلية، وأنا لست مثقف أو خبير في الشعر والأدب، ولكن يبدو أن لديك خلل في التسلسل الزمني، القصيبي لم يولد بعد، فهلمّ بنا أرجوك إلى المحطة….
-إذا جئت على ذكر هذه المحطة المشؤومة مرة أخرى فستضطر للركوب مع قائد شاحنة، واستمتع حينها بالموسيقى الهندية… أو…
-إذا جئت على ذكر هذه المحطة المشؤومة مرة أخرى فستضطر للركوب مع قائد شاحنة، واستمتع حينها بالموسيقى الهندية… أو…
-هناك المزيد؟ نحن نكاد نصل الى الهفوف!!!… أرجوك، اعتقني… اعتبرني نابليون، واضرب مثلاً في سماحة الخلق…
-لا أستطيع ببساطة أن أتوقف بدون محتوى تمهيدي، دعني أدير دفة الحديث الى الدكتور القصيبي إذن…
-هناك قصيبي دكتور؟؟ اعذرني ولكني والله لست ملمّ بهؤلاء، أنا لا أعرف إلا القصيبي…
-لا أستطيع ببساطة أن أتوقف بدون محتوى تمهيدي، دعني أدير دفة الحديث الى الدكتور القصيبي إذن…
-هناك قصيبي دكتور؟؟ اعذرني ولكني والله لست ملمّ بهؤلاء، أنا لا أعرف إلا القصيبي…
جاري تحميل الاقتراحات...