الدراسات الدينية R.S
الدراسات الدينية R.S

@ayedh_RS

36 تغريدة 25 قراءة Aug 28, 2023
متى تبدأ الفلسفة؟
يقول الجواب التقليدي الشهير، الذي يُنسب عادة إلى أفلاطون وأرسطو- إن بداية الفلسفة أو التفلسفة يكون من لحظة الدهشة والتعجب، دهشة الإنسان مما حوله وتعجبه الذي يقوده إلى طرح الأسئلة، ومن ثم محاولة البحث عن جواب عنها من خلال إعمال العقل والتفكير.
ويذهب أفلاطون إلى أنه ليس هناك من مبدأ للفلسفة سوى وجود شعور الدهشة أمام الوجود، ولا يبتعد عنه أرسطو الذي يرى أن الناس بدأوا في ممارسة الفلسفة بسبب دهشتهم. ولا يبتعد عن ذلك الجواب من قال إن بداية الفلسفة: التساؤل، إذا السؤال نتيجة الدهشة والتعجيب.
لكن هناك من الفلاسفة لاحقًا من أعاد النظر في هذا السؤال: متى تبدأ الفلسفة؟ ورأى أن الجواب التقليدي لا يعبر عن الحقيقة، وأن الجواب الحقيقي هو أن الفلسفة تبدأ من اليأس! يقول الفيلسوف الروسي ليف إيزاكوفيتش شيستوف: "بداية الفلسفة ليست الدهشة -كما علَّمها أفلاطون وأرسطو- بل اليأس".
ويقترب من هذا الرأي ما قرره الفيلسوف الإنجليزي المعاصر سيمون كريتشلي، الذي يتحدى التقليد الفلسفي القديم الذي يذهب إلى أن الفلسفة تبدأ بالدهشة، والحقيقة في نظره أن الفلسفة تبدأ من خيبة أمل. يقول سيمون كريتشلي: "من أين تبدأ الفلسفة؟ تبدأ، كما أعتقد، من تجربة خيبة الأمل".
ويعتقد الفيلسوف سيمون كريتشلي أن الخيبة التي تُنْتِج الفلسفة تبدأ بمشكلتين: (1) خيبة الأمل المتعلقة بالدين التي تثير مشكلة المعنى، أي ما معنى الحياة في غياب الإيمان الديني. (2) وخيبة الأمل المتعلقة بالسياسة التي تثيرها مشكلة العدالة وكيفية تطبيقها في عالم ظالم إلى حد العنف.
ويطرح سيمون كريتشلي، مفهوم الفلسفة المعتاد الذي يقوم على أن الفلسفة ليست جزءًا من الحل بل هي بالأحرى جزء من المشكلة، ويرى كريتشلي أن خيبة الأمل تولد التساؤل حول معنى الحياة، لينتهي إلى نتيجة الحداثة المتمثلة في رفض الدين وما يقدمه من معنى، ومن ثم الوصول إلى إن الحياة بلا معنى.
ويبين سيمون كريتشلي أن الحداثة حين أعلنت موت الإله في الغرب فإن هذا "لا يعني فقط موت إله التقاليد اليهودية والمسيحية، بل أيضًا وفاة جميع تلك الأفكار والمعايير والمبادئ والقواعد والغايات والقيم التي يتم تعيينها فوق الإنسانية من أجل توفير معنى لحياة البشر".
وهذا البُعد الذي تعنيه الحداثة وما بعدها هو ما يعبر عنه بـ(أفول الأصنام). ويلفت كريتشلي الانتباه إلى تصريح الفيلسوف الملحد مارتين هايدغر في عام 1925م، مستحضرًا نيتشه، حيث يقول: "البحث الفلسفي هو بحثٌ إلحاديٌّ وسيظل كذلك، ولهذا السبب يمكن للفلسفة أن تسمح لنفسها بغطرسة التفكير".
ويتفق الفيلسوف سيمون كريتشلي مع هذا التقرير الهيدجري النيتشوي، ويؤكد أنَّ "الفلسفة ليست شيئًا إلا إذا كانت مغرورة متعجرفة، إنها يجب أن تكون مغرورة متعجرفة، إنها انحصار مستمر لصوت الإنسان".
ثم يطرح سيمون كريتشلي سؤالاً مهمًا، وهو: ما مصدر تلك الغطرسة الفلسفيًّة؟
يؤكد أنَّ الجواب يكمن في أن غرور الفلسفة ينبع من خيبة أملها التي تنبع من انحلال المعنى، والهشاشة والضعف الذي يرافق الاعتراف بالطابع البشري للإنسان الذي يُعاني منه الإنسان بشدة، إذا هو الآن لوحده ويعتمد على نفسه، ولا توجد معونة يستند إليها بعد إقصاء الدين ونبذ الإيمان.
ويؤكد سيمون كريتشلي أنَّ جوهر الفلسفة: "من وجهة نظري هو إلحاد، وأن الحصول على تجربة الإيمان سيعني التوقف عن ممارسة الفلسفة، التوقف مباشرة، وفورًا".
ويرى سيمون كريتشلي أنَّ الفلسفة -التي يؤكد أنها الإلحاد بطبيعتها- لو أنتجت الرضا، لكانت الفلسفة قد وصلت إلى نهايتها، ومن وجهة نظره، فإن الإلحاد لا يوفر الرضا، بل القلق، ومن هذا المزاج من عدم الارتياح تبدأ الفلسفة جدلياتها القلقة والمثيرة للجدل، فالفلسفة عملية مستمرة بلا نهاية!
وقد أشار جورج هارت إلى رحلة الفكر الغربي الذي بدأ بتقديس الإنسان وتأليهه ثم تلاها بإعلان موت الإله، ومن التخلى عن الدين إلى التمسك بهشاشة الإنسان وقلقه، متسلحًا باللاأدرية والإلحاد، يقول: "وحين عم الإلحاد في الفلسفة بدأ الفلاسفة بدون وعي في ملء الفراغ بأصنام خلقوها: كالإنسانية".
ولو لاحظ القارئ لوجد أنَّ الفلسفة في حقيقتها لا تفارق لحظتها الأولى وأنها تظل أسيرة لها باقية فيها، لحظتها الأولى: الدهشة، والتساؤل، واليأس، وخيبة الأمل، والقلق، إنها في الواقع نمط من التفكير لا يبتغي تقديم جواب ولا يهتم بالجواب، إنها بالفعل عجرفة وغرور لا يكترث للحقيقة.
فالوصول إلى الحقيقة يعني نهاية الفلسفة وتوقفها، إن الفلسفة مجرد وسيلة إلى وسيلة بلا غاية، أو غاية هي وسيلة، إنها تمجيد الطريق ذاته، بلا غاية أو جواب أو حقيقة. وكما صاغها كارل ياسبرز متفلسفًا: "الفلسفة تعني أن تكون في الطريق، فأسئلتها أهم إجاباتها، وكل إجابة تصبح سؤالًا جديدًا".
والفلسفة التي تحاول بضراوة إن تزيح الدين، وتعلن موت الإله، والقضاء على جميع المبادئ والقواعد المستندة إلى الله، مفتخرة بعجرفتها، وغرورها بقلقها وخيبة أملها ومواصلتها اللانهائية المقصودة بذاتها، تفشل كل مرة في محاولتها انتزاع مكانة لها حيث يعمل الدين بكل فاعلية وحيوية.
والفلسفة –أعلنت أو أضمرت- ستنتهي حتمًا إلى العدميَّة من دون الدين، وستكون عقيمة وإن استمرت بلا نهاية. إن الاحتجاج بعدم توقفها وموتها عند التوقف اعتراف ضمني بعجزها الحقيقي في الماضي والحاضر عن أن تقدم إجابات حقيقية تنقذ الإنسان وتعيد للحياة معناها، إنه تشبث غير واع بمستقل ينقذها!
يقول إبيقور: "عقيمة هي كلمة الفيلسوف التي لا تُشفي أي معاناة للإنسان. وبالضبط مثلما ليس ثمة فائدة من الدواء إن لم يطرد أمراض الجسم، لذا لن تكون هنالك فائدة من الفلسفة أيضًا، إن لم تطرد معاناة العقل".
ومن أين للفلسفة أن تطرد معاناة العقل وهي جزء أصيل في إنتاج تلك المعاناة، وجزء جوهري في إنتاج المزيد من المشكلات، وهذا ما حمل الفيلسوف الروسي ليف شيستوف على رؤية الفلسفة كحالة يأس؛ إذ الحياة نفسها –كما يعتقد- لا يُمكن فهمها من خلال التحقيق المنطقي أو التحليل العقلاني.
وحين تلجأ الفلسفة إلى إنقاذ المعنى بالتأمل الميتافيزيقي مهما كان حده، فإنها تعجز حتى بتلك الاستعانة عن حل ألغاز وغموض الحياة بصورة يقينية، إنها تستند إلى الإنسان نفسه ذلك الهش القلق، والفلسفة في نظر ليف شيستوف ليست حلاً للمشكلات، إنها في الحقيقة تُولِد المزويد من المشكلات.
ولهذا، يقول ويل ديورانت: "السؤال الأعظم لزماننا هو حول قدرة الإنسان على تحمل الحياة بلا إيمان، إذ لطالما كان الدين أعمق من الفلسفة، وقد أدى التفكير إلى تقويض الأخلاق من خلال تجريدها من قداستها والعقاب الغيبي عليها، فالأخلاق دون الإيمان بالله ضعيفة".
ويؤكد هذا المعنى جورج هارت، الذي يقول: "عندما ترفض الفلسفة الله والوحي، فإنها تضع نفسها في مأزق: تصبح حياة الإنسان لا معنى لها وموته رعب غير مبرر. ويستحيل على المفكر الملحد حل لغز الإنسان: إذ معنى حياة الإنسان ولغز الموت هما الصخرة التي تتحطم أمامها معظم الفلاسفة العَلمانيين".
ثم يؤكد جورج هارب أنَّ "الدين يعطي الإنسان أكثر الإجابات المُرضية لأسئلته الحيوية".
ولهذا ينبه أستاذ الفلسفة المعروف هنتر ميد قراءَ الفلسفة من اصطحاب الآمال العريضة والتوقعات الكبيرة قبيل الدخول في القراءة الفلسفيَّة، كي لا يصابوا بخيبة الأمل وتبدد الأحلام، إذا عادة الداخل إلى الافلسفة الحماس الكبير والأحلام الواسعة والتوقعات العريضة بالحصول على إجابات شافية!
يقول هنتر ميد: "القراء الذين قاموا بدراسة الفلسفة مع التوقعات العظيمة التي يأتي بها معظم القادمين الجدد للفلسفة، قد أصيبوا بخيبة أمل. المحبطون هؤلاء ربما أصبحوا متشككين أو بالأحرى متشككين جدًا في الاعتقاد بأن يمكن الوصول لاختيار هام من بين الأجوبة التي تقدمها الفلسفة".
والسبب أن الفلسفة عاجزة تمامًا عن تقديم الجواب والمعنى الذي ينشده الإنسان، إن جوهرها وروحها يتنافى مع ذلك، إنها حالة سيولة مستمرة، وهروب دائم من تقديم الجواب، أو إن شئت ركض دائم من دون توقف، إنها تلجأ إلى المستقبل المجهول كمنقذ لشرعيتها، بعد إحباطاتها في الماضي والحاضر.
ولهذا، فإن الفلسفة في حقل المحسوسات والتجريبيات، التي كانت تزاحم فيه العلم التطبيقي، قد تم إزاحتها وإبعادها عن هذا الحقل، لأن العلم يسعى إلى الحصول على الحقائق، وهي المهمة التي تعجز الفلسفة عن تقديمها، وتُعزي نفسها اليوم بأن جوهرها يتنافى مع التوقف، وأهميتها في سيولتها.
وقد أشار عالم الفيزياء المعروف ستيفن هوكينج إلى أن الإنسان بطبعه كائن متسائل وأنه في أسئلته لا يقصد السعي وراء أسئلة أخرى، بل الحصول على جواب، فنحن "نتساءل ونسعى للحصول على إجابات، ولطالما طرح الناس العديد من الأسئلة: كيف نفهم العالم الذي نجد فيه أنفسنا؟ كيف يتصرف الكون؟ =
=من أين أتى كل هذا؟". ثم يشير ستيفن هوكينجإلى أن هذه الأسئلة -تقليديًا- خاصة بالفلسفة، "لكن الفلسفة ماتت، فالفلسفة لم تواكب التطورات الحديثة في العلوم، وخاصة الفيزياء".
ويؤكد محمد عبدالرحمن مرحبا عاجزة في جوهرها عن أن تقدم الأجوابة فـ"الفلسفة لا يمكنها أبداً أن تنهض بما ندبت له نفسها، وهو تفسير الكون وأصله ومصيره".
إن هروب الفلسفة من معنى، ليس إلا اعترافًا بعدم صلاحيتها لسد حاجة الإنسان، فالسؤال عن مغزى الحياة، سؤال لا ينفك يطرح نفسه على الإنسان بصورة ملحة، وهو ما يعترف به الفلاسفة والأدباء، كما قال أفلاطون: "الإنسان كائن يبحث عن المعنى"، وألبير كامو: "معنى الحياة أكثر المسائل إلحاحًا
الفلسفة لا تزرع يقينًا ولا تقدم جوابًا شافيًا عن أهم وأكثر أسئلة الإنسان إلحاحًا، بل تولد عشرات الأسئلة من سؤال واحد، وتضيف له مئات الشكوك التي تصنع نفسه أرضًا هشة ومتزعزعة ومتزلزلة، لا يكاد يثبت فوقها شيء يمكن يعتمد عليه، واليأس والشك هو نتاج الفلسفة، ونهاية الفلاسفة.
فأرسطو نفسه يتحدث أن الإنسان إذا تعمق في الفلسفة "تملكته الأحزان ولازمته الأمراض"، أما غنار سكيربك فيؤكد أنَّ "المهمة الأولية للفلسفة هي الشك أو الاستفهام، فليس ثمة جواب نهائي".
أما الفيلسوف الإنجليزي المعروف برتراند رسل، فيقول: "الفلسفة التي أرغب في الدفاع عنها هي بضع كلمات تلخص سيرتي الذاتية. فأنا لم أولد سعيدًا، وكطفل كانت ترنيمتي المفضلة: (تعبت من الأرض واثقلتني الخطايا)، وفي سن المراهقة كرهت الحياة، وكنت في أحيان كثيرة على وشك الانتحار".
وأما عن الذين يدرسون الفلسفة فيقول هنتر ميد: "أصبحوا متشككين أو بالأحرى متشككين جدًا في الاعتقاد بأن يمكن الوصول لاختيار هام من بين الأجوبة التي تقدمها الفلسفة".
وأخيرًا، يقول الفيلسوف أبو بكر الرازي، عند ساعة احتضاره وقد عاش قريبًا من مائة سنة:
لعمري لا أدري وقد أذنَ البلى
بعاجلِ ترحالي إلى أين ترحالي
وأين مكانُ الروح بعد خُرُوجِها
من الهيكل المُنْحَل والجَسَدِ البالي

جاري تحميل الاقتراحات...