ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

23 تغريدة 35 قراءة Aug 28, 2023
🔴
كاهن مسيحي عاش في القرن الرابع الميلادي، قاوم التثليث وأراد تنقية المسيحية من الوثنية.
أعلن الألوهية لله الواحد الأحد، فسادت دعوته العالم، وانضم إليه إمبراطور ووشعوب بأكملها، قبل أن يُغيّب ذكره للأبد!
من هو
وماذا قال عنه النبي محمد
وماذا عن أتباعه الآن
حياكم تحت 🔻
في سن مبكرة أمّ فتى أمازيغي يافع يقال له آريوس أنطاكية طلباً للعلم اللاهوتي، حيث انتظم في مدرسة التعليم المسيحي وأخذ علومه عن المعلم لوقيانوس، قبل أن يقفل عائداً إلى الجانب الآخر من البحر حيث الإسكندرية المصرية حاضرة ذاك الزمان وأحد قلاع المسيحية حينها.
منذ بداياته على أرض الإسكندرية ظهرت بوضوح شخصية آريوس الاستثنائية، فهو كاهن زاهد متقشف، يجيد الوعظ والإرشاد، يمس حديثه القلوب فيسكنها دون استئذان، لا يستند في كلماته على التأثير العاطفي فحسب، بل ترتكز مفاهيمه على أرض صلبة من الأفكار والدلائل والحجج المحكمة.
رأى آريوس ما أصاب العقيدة المسيحية من خلط وتأثر بالديانات المصرية الوثنية، خاصة فيما يتعلق بمبدأ التثليث والبعد عن التوحيد، فقرر أن ينقي هذه العقيدة، فعلا صوته متحدياً الاتجاه الرسمي للكنيسة، وعبر في كثير من العظات عن فساد ذلك المبدأ الذي يساوي بين الابن والآب بالتعبير الكنسي.
فـ الله وحده في نظر آريوس هو الإله الواحد الأحد الذي ليس كمثله شيء، أما المسيح فهو شخصية أخلاقية، مخلوقة من العدم بإرادة الله؛ يسري عليه ما يسري على البشر، بيد أنه تميَّزَ عن سائر المخلوقات بأنه كلمة الله وحكمته وموطن رسالته وتعاليمه فكأنه صورة له على الأرض.
من موقع سلطته الكنسية أمر ألكسندروس أسقف الإسكندرية آريوس بالتراجع عن أفكاره التوحيدية التي تنتزع من المسيح ألوهيته وتنسبه للبشر، والقول بولادته قبل كل الدهور، وبمساواته الأب في الجوهر، لكن آريوس رفض رأيهم، فلم يكن من الكنيسة إلا أن قطعته (حرمته) كنسياً مع عديد ممن يناصرونه.
بعد معاقبته بالحرمان الكنسي، لم يفقد الرجل توقده تجاه دعوته التوحيدية، فما كان منه إلا أن استذكر جذوره التعليمية، فعاد بالزمن إلى الوراء، حيث زملائه عند معلمه لوقيانوس الأنطاكي، والذين توزعوا على الأنحاء كأساقفة لكثير من الكنائس الكبرى حول العالم، فذهب إلى بعضهم وراسل البعض الآخر
يستنصرهم ويدعوهم للوقوف معه، ويذكرهم بتعاليم معلمهم لوقيانوس الذي كان معتنقاً على ما يبدو لنفس هذه الآراء التوحيدية، فما كان من هؤلاء الأساقفة وعلى رأسهم يوسابيوس أسقف نيقوميذية إلا أن اجتمعوا في نيقوميذية مع آريوس وناصروه وأقروه على آرائه، ورسموه كاهناً من جديد.
بعد هذا الترسيم وهذه التزكية، عاد الرجل إلى الإسكندرية، وجاب الأنحاء ونظم منهجه في ترانيم شعبية يسيرة الحفظ والترديد، فرددها الناس وتناقلوها وأنشدوها في القصور والحقول والباحات والأسواق، فانتشر مذهبه التوحيدي بشكل لا يصدق، كل هذا ورأس الكنيسة تراقب الموقف بانزعاج شديد.
على إثر هذا الخلاف الذي كاد أن يفتك بوحدة الإمبراطورية، دعا قسطنطين الأول جميع الأساقفة في كل أنحاء إمبراطوريته إلى التشاور، وعقد لذلك مجمع عقد في نيقية عام 325، ذلك المجمع الذي سيعرف لاحقا باسم المجمع المسكوني الأول والذي حضره جمع من أساقفة العالم يوصلهم البعض لنحو 360 أسقفاً.
أرسل ألكسندروس أسقف الإسكندرية شماساً شاباً يدعى أثناسيوس لتمثيل الكنيسة كان في الأصل وثنياً قبل أن يتحول للمسيحية، وفي الجهة المقابلة منه كان آريوس، حيث دار بينهما نقاش شديد حول ألوهية المسيح تفوق فيه آريوس، وهو الأمر الذي أثار أثناسيوس إلى ذلك الحد الذي لطم به وجه آريوس.
وسط هذه الأجواء المشحونة، وبضغط من الإمبراطور قسطنطين الذي كان لا يزال وثنيا وإسكاتا منه لما اعتبره فتنة، صوت الحاضرون لصالح وثيقة تدين آريوس، وتقر لأول مرة بألوهية المسيح، وبأنه "إله حق من إله حق مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر الذي به كان كل شيء مافي السماء وما على الأرض"
فوفقاً لكتاب "الكنيسة: الانشقاق والفساد" لصاحبه أخيم ماسكيو "أصدر قسطنطين بيانا هدد فيه كل من يرفض التصويت لصالح قرار ألوهية المسيح". أما آريوس الذي رفض العدول عن رأيه، فقد أدانه المجمع وفرزه مع من يناصرونه، وحكم عليه بالتحريم الكنسي، واقتيد مكبلا ونفي إلى الليريا بالبرتغال.
لم تقف أحكام الإدانة ضد آريوس عند ذلك الحد، بل حكم المجمع أيضاً بحرق كل كتبه ورسائله، "حتى لا يتم محو شرور تعاليمه فحسب، بل لكيلا يبقى له أي ذكر"، كما تضمن قرار الإدانة الحكم بإعدام أي شخص يخفي كتابة كتبها آريوس.
على سطح الأحداث ظهرت الإمبراطورة هيلانا أم الإمبراطور قسطنطين الأول، وقد اقتنعت بالمسيحية من وجهة النظر الآريوسية، فأثرت على ابنها الإمبراطور الذي قرر أن يعود عما صنعه في مجمع نيقية، لكن بتدريج محكم دون أن يؤثر على المجتمع الكنسي ويثير خلافاته.
قبل كل شيء سمح لآريوس بالعودة من منفاه، ومن جهة أخرى قام بعزل كثير من أساقفة نيقية واحدا تلو الآخر، إلى أن جاء دور أثناسيوس الذي أصبح حينها أسقفا للإسكندرية فعزله تحديدا عام 336، حيث طالته اتهامات بقتل أحد أصدقائه واغتصاب إحدى النساء، ليظل أثناسيوس بعد هذا العزل هاربا طوال حياته.
في نفس عام عزل أثناسيوس، دعا الإمبراطور قسطنطين آريوس إلى القسطنطينية من أجل لقائه والاعتراف به كنسياً في نطاق أوسع من الإسكندرية، التقى آريوس بالإمبراطور قسطنطين، والذي أمر أسقف كنيسية القسطنطينية بإكرام وفادته وضيافته وإطعامه، وبعدها خرج الرجل إلى الشوارع.
يقول سقراط سكولاستيكوس وهو مؤرخ كنسي من القرن الخامس واصفا المشهد "سار آريوس بفخر في وسط المدينة، وجذب انتباه جميع الناس" لكن فجأة وقع مغشياً عليه، بعدما عانى من آلام فتاكة سرت في بطنه، تبعها إسهال حاد ونزيف غزير، ليستسلم الرجل للحظة موت مسمومة غادرة دبرها له أعدائه.
ظن أعداء آريوس أنهم بالقضاء عليه ستنتهي دعوته، لكن بفضل أنصاره وزملائه الموحدين، استمرت دعوة آريوس، فبعدها بعام واحد فقط وعلى يد زميله ورفيق دربه يوسابيوس أسقف نيقوميديا تحول الإمبراطور قسطنطين رسمياً إلى المسيحية الآريوسية وهو على فراش الموت عام 337م.
تبعه في منصبه قسطنطيوس الثاني والذي كان هو الآخر من المتعاطفين مع الأريوسيين، فأتيح المجال لهذه الطائفة أن تنمو وتزدهر وتصل إلى حدود انتشار غير مسبوقة، لكن في عام 379 ومع تولي ثيودوسيوس الإمبراطورية دعا إلى مجمع مسكوني جديد أدان آريوس مجدداً وكان إيذانا بخفوت طائفته.
ولعل هذا التسلسل التاريخي لطائفة الآريوسيين وما يؤمنون به وما جرى لهم، يفسر بعض الشيء ما قاله النبي محمد صلى الله عليه وسلم في رسالته إلى هرقل بعد أن دعاه إلى الإسلام، " أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِك اللَّهُ أَجْرَكَ مَرتَيْن، فَإِنْ تَوَليْتَ فَإِن عَلَيْكَ إِثْمَ الارِيسِيِّينَ"
منذ ذلك الحين، ضُيق على الأريسيين، وانتزعوا من معتقداتهم، لتختفي مع السنين هذه الطائفة إلى الأبد، لكن هذا لم يمنع بعض الفرق المسيحية المعاصرة أن تتبنى أفكارا توحيدية تتقاطع مع الأريسية، مثل طائفة شهود يهوه، وكنيسة "يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة"، وبعض المجموعات السوسينية.
من السيء لتاريخ آريوس أن جل ما وصلنا عنه جاء من مصادر أعدائه، أما كتبه وكتاباته فقد أحرقت كلها ولم يبق منها شيء، فكل ما عاينته من مصادر تتحدث عن ذلك الرجل، كانت مصادر تقريعية تكيل له المساوئ والاتهامات وحتى الشتائم، وفي العادة يكتب المنتصر التاريخ، ولا يكتفي؛ بل يكتب ما يريد!

جاري تحميل الاقتراحات...