Mohamed Elmasry
Mohamed Elmasry

@Melmasry04

5 تغريدة 43 قراءة Aug 26, 2023
سنة ٩١، ستانلي كوبريك شاف الـ Dekalog؛ الـ١٠ أفلام التلفزيونية المستلهمة من "الوصايا العشر" في الكتاب المقدس
كوبريك أرسل وقتها جواب لكيسلوفسكي، مخرج المسلسل البولندي، عشان يعبر عن تقديره للحلقات، ووصف عمله بالتحفة الفريدة؛
"the only masterpiece i could ever think of"
(ثريد)
(١)
في آخر ٣ شهور، اللي كانوا أوقات صعبة في حياتي، أعدت فرجة على "الوصايا" لأول مرة من سنين طويلة
كنت بتأمل في اللي عايز كيسلوفسكي (كمخرج) وكريستوف بيازيفتش (شريك الكتابة) يقولوه عن الدنيا؟
وليه كوبريك، اللي أسلوبه وأفلامه مختلفة جداً عن كيسلوفسكي وبيازيفتش، كتبلهم الجواب ده؟
(٢)
كوبريك كان منبهر -في رأيي- بإزاي تاخد وصية "مجردة" زي "لا تقتل" "لا تزنِ" أو "لا تقسم بالله كذباً" -مثلاً-، وتحولها لحكاية.. مش بس معاصرة وجاذبة درامياً وشخصياتها لحم ودم، لكنها كمان بتطرح أسئلة وأفكار عن "المعنى" لكل وصية من الله للبشر
بتتجاوز الوعظ.. للجدل؛ للسؤال
(٣)
للسبب ده، وللطموح ده، فكل حلقات "الوصايا العشر" بتُطرح درامياً كـ"معضلة فلسفية"، أقرب لمُعضلة الترولي الشهيرة، مش حكاية مَقفولة القوس وإجاباتها واضحة
(٤)
مثلاً، في الحلقة التانية، زوجة بتسأل طبيب عن حالة جوزها المريض في غيبوبة وهل هيموت؟
إجابة الطبيب هيترتب عليها إذا كانت الزوجة هتبقي الجنين اللي في بطنها ولا لأ، لإنه ابن من علاقة جنسية مع رجل آخر؛
فلو جوزها هيعيش.. هتُجهض الطفل
لو جوزها هيموت.. هتُبقيه
(٥)
الحلقة بتتجاوز تماماً المفهوم البسيط للأخلاق والصح والغلط؛ هو مش بيسأل عن موقف الزوجة ولا أسباب أفعالها ومشاعرها، كيسلوفسكي مش مهتم أبداً بالحكم على أشياءٍ تحدث في الدنيا كل يوم
هو مهتم بسؤال: إيه اللي مفروض الطبيب يعمله أو يقوله بعد ما فيه "روح" أصبحت مُعلقة بكلمةٍ منه؟
(٦)
إيه معنى "الصدق" أو "الحقيقة" أو "عدم القسم بالله كذباً" في الحالة دي؟
كيف لرجلٍ أن يكون في مقام "إله" ويقول مين يعيش ومين يموت؟
الأولوية للروح أم لحرية الأم في أن تأخذ القرار بنفسها؟
وفي كل الحلقات، بتكون الأطروحة بالشكل ده
(٧)
طبعاً كيسلوفسكي عنده انحيازات، في الحلقة دي أو غيرها، للروح الإنسانية؛
وده بيظهر بوضوح في الحلقة الخمسة (وصية "لا تقتل") اللي تعتبر من أشهر الأعمال الفنية ضد "الإعدام"؛ عن مراهق مضطرب نفسياً بيقوم بجريمة قتل.. والسؤال:
ما الفائدة من أن يُعدم؟ من أن تؤخذ روحاً لن تعيد روح؟
(٨)
فطبعاً فيه انحيازات من كيسلوفسكي، وأي فنان/مُفكر لازم يكون له انحياز
بس الشيء العظيم هنا إن لُغة وأسلوب الحلقات، الهادئ والبطئ والمراقب، مش بيزقك لإجابة أو شعور مُحدد، قد ما بيشاركك المُعضلة ويُطلب منك تفكر فيها وتُسقطها على حياتك
(٩)
وكلما ازدادت المعضلات تعقيداً.. حلقات الوصايا بتكون أفضل؛
في الحلقة الرابعة مثلاً، اللي عن وصية "أكرم أباك وأمك.."، عن بنت بتكتشف إن من عاشت حياتها إنه أبوها.. ليس بأبيها البيولوچي
وبيكون السؤال؛
هل ده بيديلهم الحق في الانجذاب الجنسي ناحية بعض؟
شايف/ة ممكن يناموا مع بعض؟
(١٠)
فيه أفلام مصرية عدت بشكل مربك جداً على المسألة دي بالمناسبة؛
زي "الساحرة الصغيرة" (عن اشتهاء جنسي بين راجل وبنت بيدعي إنه أبوها)
أو "المولد" (اتنين عاشوا طول عمرهم كأخ وأخت ثم لما أدركوا إن مش دي الحقيقية البيولوچية.. بيشتهوا بعض جنسياً في نفس اللحظة)
(١١)
صناع الأفلام المصرية دي، ولطبيعتها التجارية يمكن، مكنوش بيقفوا أبداً قدام الـ"غرابة"/الـ"معضلة" بتاعة الغريزة ومدى ارتباطها بالنسب البيولوچي
كيسلوفسكي هنا مش بس بيطرح السؤال ده، هو بيروح لسؤال أعمق عن الروابط الاجتماعية والأسرية كلها؛
هل هل شيء بنخلقه ولا بنتولد بيه؟
(١٢)
ما الذي يعنيه أن يكون الأب أباً؟ أو الأم أماً؟
وتأثير ده "الجنسي" علينا إيه؟
في اشتباك واضح طبعاً مع Electra complex أو "عقدة إليكترا" لكارل يانج (المناظرة لعقدة أوديب لفرويد)؛ عن تعلق لا وعي الفتيات بأبيهن وغيرتهن من أمهن
(١٣)
أسئلة "الجنس" موجودة بكثافة في حلقات أخرى، أهمها الحلقة السادسة عن وصية "لا تزنِ"؛
مراهق "يُحب" جارته الثلاثينية.. يُعرف الحب بأنه "لا يريد شيئاً".. فالحب هو الحب!
وهي مش فاهمة!
فبتتحرك بيه ناحية الجنس/الأورجازم. وبيكون السؤال الأول -البسيط-:
هل الجنس والحب نفس الشيء؟
(١٤)
ولما بتكون الإجابة لأ.. بيكون السؤل الأعقد:
ما هو الحب أصلاً؟! إزاي المُراهق "يُجسد" ما "يشعر" به ناحية السيدة في شيء ملموس؟
(١٥)
الحلقة بتفكرني بجملة لميلان كونديرا في رواية Unbearable Lightness of Being، وبعتقد إنها من أكتر الجمل اللي أثرت فيا في حياتي
بيمارس كونديرا أحد ألاعيبه المفضلة في تفكيك اللغة؛ الفرق بين "ممارسة الجنس" و"النوم المشترك"
نفس الأمر عند كيسلوفسكي؛ الحب والجنس ليسا الشيء نفسه
(١٦)
التفريق ده بيستمر/يتكرر في الحلقة التاسعة؛
زوج عاجز جنسياً.. زوجته بتحبه جداً.. بتقرر تفضل معاه.. بس رغبتها الجنسية/الغريزة الإنسانية بتخليها تمارس الجنس مع رجل آخر
إيه تعريف الخيانة هنا؟
خيانة الحب -بأن تتركه-؟
أم الخيانة الجسدية -ممارسة الجنس مع شخص آخر-؟
(١٧)
ومُفترض الزوج، الذي يُحبها أيضاً، يعمل إيه؟
المُتفرج/ة شريك أساسي في السؤال والمُعضلة
(١٨)
وبالمثل، هناك تفكيك لأسئلة العيلة والسلطة وعدم السماح لأي شخص إنه يملكنا -حتى لو باسم الحب-؛ زي الوصية السابعة اللي سؤالها "هل هي سرقة فعلاً لو استعدت شيء يخصّك؟"
أو تفكيك الشهوة الإنسانية ناحية المال (في الوصية العاشرة عن عدم الرغبة في اللي عند غيرك) وسؤال؛ ما هي الثروة؟
(١٩)
وزي أي فن عظيم.. الوصايا بتحاول إعادة تعريف ما نعتقد أنه "معنى الأشياء"
ومبهر ليا إن كيسلوفسكي، في كل أسئلته دي، هو شخص"مؤمن" بـ الله/الكون/الوعي الأسمى
الحس الغيبي ده خلى الحلقات فيها نفس "صوفي" (حيث مقام الإحسان) مش فاكر عمل سينمائي آخر كان بيمتلكه بالقوة و"المعاصرة" دي
(٢٠)
الحس الإيماني ده.. اللي موجود بكل وضوح في أول حلقة من الوصايا.. عن الإيمان بالله.. كـ غيبِ كوني يُحرك الدنيا هو نفس الحس الإيماني عند ستانلي كوبريك نفسه، اللي ظهر كأوضح ما يكون في "أوديسا الفضاء" (ووجود غَيب كوني ما في مسيرة البشرية نحو التطوّر)
(٢١)
عشان كده، ورغم الاختلاف الجذري في لغة وأسلوب وحكايات "الوصايا العشر" عن أعمال "كوبريك"، إلا إن الاتنين فنانين الكِبار بيتشابكوا جداً في كيف يروا الله والدنيا .. بيتشاركوا إيه اللي عايزين يقولوه للعالم
وليس غريباً أبداً إن كوبريك يشوف الوصايا "التحفة الفريدة" لفن السينما
(٢٢)
كيسلوفسكي أنهى الوصايا سنة ٨٩. كانت آخر أعماله في موطنه بولندا. حيث هاجر بعدها، لأسباب سياسية وإنتاجية، إلى فرنسا
وهناك أخرج مشروع شبيه، بيحاول يسائل فيه مبادئ "الحرية، المساواة، والإخاء" المكوّنة للعلم الفرنسي؛ "أزرق.. أبيض.. أحمر"
من خلال "ثلاثية الألوان"
(ربما يُتبَع)
.
.
.

جاري تحميل الاقتراحات...