فهد.
فهد.

@I0ll

11 تغريدة 41 قراءة Aug 22, 2023
قال ابن المرزبان في مقدمةِ كتابه «تفضيل الكلاب على كثيرٍ ممن لبس الثياب»: ”ذكرت أعزّك الله زماننا هذا وفساد مودة أهله، وخسّة أخلاقهم، ولؤم طباعهم، وأن أبعد الناس سفرًا من كان سفره في طلبِ أخ صالح“.
وفي ثنايا الكتاب يذكر أبياتًا تُنسب للشافعي:
ليتَ الكلاب لنا كانت مجاورةً
وليتنا لا نرى مما نرى أحدا
إن الكلاب لتهدا في مرابضِها
والناس ليس بهادٍ شرّهم أبدا
فابدأ بنفسك واستأنس بوحشتها
إن السعيد الذي قد عاشَ منفردا
وروى عن بعضهم قوله: ”ليس في هذا الزمان سوى خنازير، فإن وجدتم كلبًا فتمسّكوا به، فإنه خير من ناس هذا الزمان“. قال الشاعر:
اشدُد يديك بكلبٍ إن ظفِرت به
فأكثر الناسِ قد صاروا خنازيرا !
في مجلّة الرِّسالة نجد العقاد يفرد مقالاً كاملاً للحديثِ عن «بيجو = كلبه»، بل ويعترف بالاستفادة منه. يقول: ”والخلاصة أنه مخلوق مفيد وأنيس... استفدتُ على يديه فوائد جليلة وأنا أقرأ بعض الكتب الحديثة في علم النفسِ وعلم الاجتماع“.
وعندما مات رثاه بقصيدة طويلة منها:
حُزنًا على بيجو تفيض الدموع
حُزنًا على بيجو تثور الضلوع
حُزنًا عليه جهدَ ما أستطيع!
وأنا لا أستطيع نقل المزيد من هذه الأبيات، ولا ألوم مارون عبود على قوله: ”الشُّعراء في كل وادٍ يهيمون، ولكنّ العقاد يهيم وهو غير شاعر!“.
وفي مقالٍ آخر يكتب عن «بيجو»: ”صور كثيرة بقيت في خلدي من الاسكندرية كأنها صفحات مقسمة في معارض الفن والحياة والتاريخ، وستبقى ما قُدِّر لها البقاء، وسيكون من أبقاها وأولاها بالبقاء صورة واحدة لمخلوقٍ ضعيف أليف، يعرف الوفاء، ويحق له الوفاء.
ذلك هو صديقي «بيجو» الذي فقدناه هناك. وإني لأدعوه «صديقي» ولا أذكره باسم فصيلته التي ألصق بها الناس ما ألصقوا من مسبةٍ وهوان، فإن الناس قد أثبتوا في تاريخهم أنهم أجهل المخلوقات بصناعة التبجيل، وأجهلها كذلك بصناعة التحقير!“.
ونقرأ في آخر كتاب دانيال كلاين «كلما وجدتُ معنى الحياة يغيرونه» قوله بأن معلّمه الأكثر إقناعًا بفن العيش هو كلبه «سنوكرز». قال عنه: ”كان صديقي العزيز ورفيقي، وأنا ممتن له امتنانًا عميقًا على السنوات التي قضيناها معًا“. وقال بأنه لما مات حزن عليه حزنًا عميقًا.
وإذا تصفحنا كتاب «الحيوان» للجاحظ وجدنا أخبارًا كثيرة عن الكلب؛ لؤمه، جُبنه، شجاعته، أنفته، وفاؤه، كرمه، الأشعار المقرونة به، وغير ذلك. ومما قيل عن كرمه: ”والكلب يحرس ربّه، ويحمي حريمه شاهدًا وغائبا، وذاكرا وغافلاً، ونائما ويقظان، ولا يقصّر عن ذلك وإن جفوه، ولا يخذلهم وإن خذلوه“.
ولما أراد الدميري في «حياة الحيوان» بدء الحديث عنه قال: ”حيوان شديد الرياضة كثير الوفاء“. وذكر من عجيب طباعه أنه ”يكرم الجلّة من الناس وأهل الوجاهة ولا ينبح أحدا منهم، وربما حاد عن طريقه وينبح دنس الثياب والضعيف الحال!“.
وأنا أُجل النابه الكريم عن الفهم القاصر السقيم؛ وهو اعتقاده بأنني في تغريداتي هذه أحاول تطهير نجاسة الكلاب أو أدعو إلى اقتنائها وتربيتها، وإنما هي لطائف سريعة حَضَرت دون تخطيط أو هدف فغرّدتُ بها، وإلا فمقام الكلب والأحكام المتعلّقة به معلومة في شريعتنا السمحة.

جاري تحميل الاقتراحات...