لسيادة المادَّة في عصرنا؛ أضحت الحاجَّة إلى المشاهير ضرورة ملحَّة، فلابد من الترويجِ والإعلان والتسويق لنجاح المشاريع، وضمان الربح، وزيادة الدخل.. لهذا انتفخت هذه الطبقة في المجتمعات بعد إدراكهم الأمر، وزاد انتفاخهم إحساسهم بالتميّز مع كل تبجيل لهم يرونه أو تأثّر بهم يلمسونه.
ولأن المشهور يرى يوميّا ملايين الأتباع، وأعداد المشاهدات، والتقديم والاحتفاء المبالغ به في كل مكانٍ يحط رحله فيه؛ داخله شعور أنه من طينةٍ أسمى ممن يراهم، فبدأ يتصرّف على هذا الأساس مع الناس؛ يشمخ بأنفه، ويستبد برأيه، ويرى وجوب طاعته، وينكر مخالفته.. فيتوهّم السمو وهو أقل من ذلك.
لذلك رأينا جمع غفير منهم خدعتهم أنفسهم، واسترقّهم الوهم المُهلك؛ فجاوزا الحدود التي وقف دونها غيرهم، فلم يفيقوا من سكرتهم إلا بتوبيخ الدولة لهم، وفرض عقوبة عليهم؛ هنا انتبهوا بعد غفوة، واستقاموا بعد ترنّح من شعور العظَمة الزائف الذي لم يخلقه سوى الأرقام التي يتغذّون عليها كل يوم.
وبسبب إدراكهم التام للميزة التي يملكونها، وعلى إثرها أضحى لهم شأن في المجتمعات؛ أعني أعداد المتابعين والمشاهدات، كثّفوا العمل على زيادتها، وحرصوا على عدمِ تناقصها؛ لأنهم بالحفاظ عليها يُحفظ مكانهم، وبدونها تهبط درجاتهم وتنحطّ ذواتهم.
وهنا تبزغ ضرورة «المحتوى»، ما الذي جعل المشهور الفلاني يظهر بهذا الشكل المشين؟ والآخر يقدم على هذا الفعل الدنيء؟ والثالث يجهر بذلك القول المخالف لأعراف مجتمعه؟ إنه البحث اللاهث خلف «المحتوى»، والذي سيحقق له ارتفاعًا في المشاهداتِ التي بها يحفظ وجوده ويضمن تميّزه وخلوده!
فلا تعجب إذا رأيت من واحدهم بين فينةٍ وأخرى ما يقدح في أخلاقِهِ ويشكك في انتمائهِ للجنس البشري؛ فإنه مدرك تمامًا فداحة فعله وقبح مظهره في عين كل من يراه، ولكنها وسيلة عيشه التي يتغذّى عليها، وضحّى لأجلها بكل معنى قيَميٍّ سامٍ يرفع الإنسان ويسمو بذاته.
لذلك إذا فقد المشهور «المحتوى»، وأعياه البحث في وجود ما يقدِّمه لمتابعيه، أحاط به الفراغ، ودخل في دوامةٍ مؤلمةٍ من الاكتئاب؛ ذلك أنه أدرك فقدانه لما كان يرفعه بين الناس ويحقق بوجوده تفرُّد ذاته العليلة. وهذا أيضًا سيكون حاله عندما يُحرم بالإجبار مما يملكه.
أذكر مصطلحًا صاغه عالم النفس الوجودي فرانكل وهو: «عصاب يوم الأحد»، يعرِّفه بأنه: ”ذلك النوع من الاكتئاب الذي يُصيب الأشخاص الذين يدركون الافتقار إلى المحتوى في حياتهم، عندما ينتهي اندفاع الأسبوع المزدحم ويصبح الفراغ داخل أنفسهم واضحًا“. أظن المشهور يصاب بهذا عند فقدانه محتواه.
والمشهور مهدد باضطراباتٍ نفسية كثيرة لمخالفته طبيعة شخصيته، واضطراره لتقمّص الأدوار، والتقلّب الدائم لمواكبة متطلبات شهرته. فهو قبل الظهور لمتابعيه لا يفكّر بذاته بل بذواتهم؛ كيف سأُرى، وأُفهم، ويُحكم علي. وبتكرار هذه الحالة تتضاءل ذاته شيئًا فشيئًا حتى يفقدها، وهنا تنشأ أزمته.
والمشاهير في هذا درجات، وأسوأهم؛ من يدرك قيمته بتقييم المتابع له، فهو متأرجح بين العلو والانخفاض بحسب ما يقرأ ويسمع من المدح والقدح. وهذا المشهور بوجود المتابع يشعر بأهميّته، وبدونه يتحسس الفراغ في ذاته وأنه لا شيء. وفي الغالب لا يهمّه الثناء والهجاء، المهم أن يكون حاضرًا.
هذه فضفضة سريعة حول المشاهير، وأرجو ألا يضطرني القارئ الحصيف للتحرّز في القول والجهر بأنني في تغريداتي هذه عنهم؛ أعني البعض لا الكل! وأذكِّر بكلمة ابن تيمية: ”من فصيحِ الكلام وجيّدهِ الإطلاق والتعميم عند ظهور قصد التخصيص والتقييد“.
ختامًا: لا تجعل حياة المشاهير قدرك المتحقِّق، أو ميزانك الخاص للحكم على الأشياء. حياة المشاهير -إلا من رحم ربي- هي الصورة المشوّهة للحقائق. حياتهم أشبه بكرة طينٍ مطليّة بالذهب، تبهرك وتعجبك من بعيد فإذا أمسكتها تفتّت في يدك! ابحث عن جمال الوجود في حدود واقعك الشخصي، لا واقع غيرك.
جاري تحميل الاقتراحات...