ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

18 تغريدة 30 قراءة Aug 16, 2023
في مثل هذا الوقت من عام 2020، استيقظ البلجيكييون، فوجدوا أن كافة تماثيل الملك الأسبق ليوبولد الثاني الموزعة في كثير من الأماكن العامة في البلاد، قد صُبغت باللون الأحمر، وكتبت عليها عبارات مسيئة.
من هو؟
ولماذا كل هذا العداء ضده؟
وما قصة سلال أيادي الأطفال المقطوعة؟
حياكم تحت🌹
بعد خلافته لأبيه على عرش بلجيكا عام 1865 وجه ليوبولد جل اهتمامه للكونغو، حيث أرسل فرقا استشكافية من أجل مسح المنطقة بحثا عن كنوزها، ومع مرور السنوات أصبح تواجده على هذه الأرض واقعًا، وأنشأ الرابطة الأفريقية الدولية هناك وأعلن أنها رابطة خيرية همها نقل الحضارة ومساعدة السكان.
مثّل نهر الكونغو وما حوله منطقة فاصلة بين مناطق الاستعمار البريطاني البرتغالي ومناطق الاستعمار الفرنسي، لذلك قرر مؤتمر برلين الذي انعقد ما بين 1885 أن تكون هذه المنطقة على الحياد، حيث تم الاعتراف برابطة الكونغو الإفريقية، واعتبرت المنطقة ملكية شخصية للملك ليوبولد الثاني.
بلغت مساحة المنطقة التي تم منحها للملك ليوبولد الثاني أكثر من 2 مليون و300 ألف كم مربع، أي 80 مرة ضعف مساحة بلجيكا الحالية تقريبا، ومنذ ذلك الحين بدأت مسيرته الاستعمارية تتخذ صفة الرسمية بل الشخصية، حيث قام بإنشاء فرق مسلحة من المحليين للسيطرة على المنطقة.
أعطى ليوبولد مستعمرته الجديدة اسم "دولة الكونغو الحرة" وركز جهوده في تلك الفترة على إحكام سيطرته وكبح جماح القبائل الرافضة لهذا الاستعمار، لكن بعد خمس سنوات أصيب ليوبولد بخيبة أمل، فصادرات العاج التي كان يعول عليها لم تقدم له كثير، وعانى الأمرين وأصبح متخلفا عن سداد التزماته.
لكن كل هذه الأمور تغيرت بعد العام 1890 حينما كثر الطلب العالمي على المطاط الطبيعي من أجل استخدامه في أشكال صناعية عدة، وهو الأمر الذي استغله ليوبولد أقصى استغلال، حين قام بإجبار الذكور الكونغوليون البالغين على جمع المطاط على سبيل السخرة وذلك من أجل تصديره إلى أوروبا.
تحولت المستعمرة الكونغولية إلى منجم من المطاط يدر على مالكه ليوبولد ومملكته الصغيرة في قلب أوروبا أرباحًا طائلة، وارتفع الإنتاج 4 أضعاف في غضون خمس سنوات. وذلك نتيجة التوسع في تسخير الكونغوليين أكثر وأكثر للقيام بأعمال الجمع.
حقق نظام ليوبولد ودولته الحرة كما دعاها نجاحًا باهرًا ساهم في الخطو بمملكته الأوروبية نحو الرفاه الاقتصادي، لكن لم يكن هذا الرفاه إلا على حساب حياة ملايين البشر من الكونغوليون الذي قتلوا وهم تحت مقصلة السخرة يجمعون المطاط ضمن ظروف قاسية من الجوع والفقر والألم
مع تزايد الطلب على المطاط أنشأ النظام الاستعماري قوى مسلحة محلية عرفت باسم الكابيتا، كان عملها يتلخص في تحويل كامل المجتمع الكونغولي إلى مجتمع رقيق، لا يفعل شيئاً سوى جمع المطاط، حيث تُرك لهذه القوات حرية فعل أي شيء من أجل زيادة الإنتاج.
مع غياب القانون تم اتباع طرق وحشية لزيادة الإنتاج، حيث سنت القوى الاستعمارية أعرافا خاصة تقضي بمعاقبة كل عامل كونغولي لا يفي بجمع حصته اليومية من المطاط بقطع يد طفله !من أجل إرهابه وحضه على العمل، كما قضت تلك الأعراف بإبادة أي قرية تقاوم الاستعمار.
أصبحت سلال الأيدي المقطوعة، الموضوعة عند أقدام القادة الأوروبيين كل يوم، رمزًا لدولة الكونغو الحرة، بل رأى هؤلاء القادة في هذه الأيدي دليلًا على إحكام السيطرة، وصار الجندي الذي يحضر أيادي أكثر مفضلًا ومكافئًا بتقصير أمد خدمته، حتى عرفت الكونغو بأرض الأيدي المقطوعة!
بسبب الزيادة المطردة في توسيع دائرة السُخرة لجمع المطاط، وجد الرجال أنفسهم رقيقًا مسخرين باذلين أوقاتهم في جمع المطاط، أما النساء فلم يستطيعوا أن يقوموا عن الرجال بزراعة الأراضي المهجورة، وهو ما سلم المجتمع إلى مجاعة صادمة عام 1899 أفضت بحياة كثيرين.
حوصر المجتمع الكونغولي حينذاك بالموت من كل اتجاه، فبجانب الفظائع وجرائم الاستعمار البلجيكي انتشر الجوع والمرض، وعمت الأوبئة فاتكةً بمئات الآلاف، ونتيجة لكل هذه الظروف وبحسب بعض التقديرات تناقص عدد السكان من 30 مليون عام 1885 إلى النصف عام 1908.
أما الأطفال فقد انتزعوا نزعاً من أسرهم وأقيمت لهم مستعمرات خاصة ممولة مباشرة من الملك ليوبولد وتحت إشراف مبشرين كاثوليك، وذلك بغرض الاحتفاظ بهم مستقبلًا كجنود، لكن كان الواقع صادما والظروف قاسية، حيث توفي أكثر من 50% منهم بسبب الأمراض.
كانت كل هذه الفظائع والانتهاكات تتم في في غياب تام للمجتمع الدولي، ولم تستقصي الصحافة أمرها إلا بعد عقدين من الزمان، حيث تولدت حركات شعبية وحملات من مثقفين في بريطانيا وأمريكا تطالب بالتدقيق في جرائم ليوبولد، بل وتطالبه بالتنازل عن ملكيته للكونغو.
في عام 1908 وبعد الحملات الدولية الكبيرة المناهضة لجرائم ليوبولد، أعلنت بلجيكا رسميًا الكونغو مستعمرة تابعة لها، وأسمتها الكونغو البلجيكية، وبعد ذلك بعام توفي ليوبولد، تاركًا خلفه ملايين الضحايا، وواصمًا بلاده بعار يلاحقها إلى الأبد.
حتى الآن لم تعتذر بلجيكا عن جرائم ليوبولد، بل قامت بتخليد ذكراه ونثرت تماثيله في كل مكان على أرضها، وذلك باعتباره مؤسس دولتهم الحديثة، حتى جاء مقتل الأمريكي من أصل أفريقي "جورج فلويد" عام 2020، ليحيي ذكر تلك الجرائم، وعلى إثر ذلك حُطِمت تماثيل ليوبولد وخربت من قبل محتجين غاضبين.
أنظر الآن إلى بروكسل عاصمة بلجيكا ومقر الاتحاد الأوروبي ثم أنظر إلى كينشاسا عاصمة الكونغو الديمقراطية التي ربما لم يسمع عنها أحد، ثم أعود حزينا نحو ما سردته من فظائع وتاريخ مليء بالوحشية، لأعرف دون جهد على أي شيء قامت حضارتهم؟!

جاري تحميل الاقتراحات...