لا أحب الفصل الكامل بين العقل والعاطفة، لأن منطق العقل جافُّ وحادّ، والنفس تعتمد في تكوينها على كثير من المشاعر، والخطاب المتزن يراعي هذا التكوين ولا يهمله، بل قد يأخذ من العاطفة قدرًا يكسر به حدة العقل وجفاف أحكامه.
والرأي الحكيم لا يتمحور حول الأحكام العقلية دائمًا، وإنما يجعل الصواب قطب رحاه ويَغُضُّ الطَّرف عمن يتولّى إدارة هذه الرّحى، سواء أكان العقل أم كانت العاطفة، لأنه يدرك أن السّير في جادَّة العقل دائمًا = ضربٌ من ضروب الجهالة، كما أن التسليم للعواطف دائمًا لونٌ من ألوان السَّفاهة.
وإذا كانت العاطفةُ عاصفةً، فإنّ إهدارها وعدم اعتبارها في كل قضيّة يجعل الحكم العقلي المجرّد جائحةً تقصمُ كلَّ شيءٍ وقعت عليه!
والنَّظر الصحيح يقتضي أن لكلِّ موقف ذوقٌ خاص، وتقديرٌ يراعي ما يترتب عليه من آثار، والتي قد تكون أضخم بكثير من الموقف نفسه، والحكيم لا يبني قصرًا ويهدم مصرًا، بل يحسن الموازنة بين معطيات كلّ قضية -ولكن- بعد أن يعرف حجم هذه المعطيات قبل إخضاعها للموازنة.
والتوازن بين العقل والعاطفة قد يقضي بترجيح العاطفة على العقل في بعض الأحيان، وهذا الترجيح -في حقيقته- ليس عاطفيًا عند التأمّل، بل هو عقلٌ مآليّ وإن بدا عاطفيًا في أوّل وهلة!
وأحب أن أختم هذه الخاطرة بالتنبيه على أن العقل والعاطفة ليسا (ضدين) ولا (نقيضين)، بل هما (خلافان) يجوز اجتماعهما في المحل الواحد.
ومن الجائز أن يكون القرار العاطفي قرارًا عقليًا في نفس اللحظة، لأني رأيت من يتحرج من أي قرار تكون العاطفة جزءًا من تركيبه وإن كان صوابًا، وكل ذلك حتى لا يقال عنه أو عن قراره أنه عاطفي وهذا من أبْين الخطأ والخطل =
إذ ليس من شرط العقل انتفاء العاطفة، ولا من شرط العاطفة انتفاء العقل، فقد يكون القرار مركبًا من الأمرين على حد سواء، أو بنسبٍ متفاوتة، ومن رحمة ﷲ بعبده أن يكون مصب عقله يوافق مصب عاطفته حتى لا يتخذ قراره على أشلاء روحٍ مُمزَّقة!
جاري تحميل الاقتراحات...