مشعل بن عبد الله
مشعل بن عبد الله

@mashalgrad

2 تغريدة 88 قراءة Aug 12, 2023
قبر وبئر القدّيس ابن ثامر🔥
استهلال
لن أكتب قصة أصحاب الأخدود بعاطفة دينية كما كُتِبت في الوثائق المسيحية والمرويات الإسلامية. فلا يهمني إن كانت عقيدة شهداء الأخدود هي (المنوفوزية) المُثلّثة، أو كانت عقيدة مسيحية موحّدة. الذي يهمني هو ما ستنطق به الآثار والنقوش غداً. وبما أن الله وفقني لاكتشاف أول نقوش مسيحية في منطقة الأخدود فإني أراه لزاماً علي المُضي في هذا المسار حتى النهاية..
تمهيد
قصص كثيرة تحدثت عن نشأة المسيحية وانتشارها في نجران بعضها ورد في المصادر المسيحية والبعض في المصادر الإسلامية، وبين المصدرين المسيحي والإسلامي توافق في بعض الجوانب واختلاف في بعضها. وبما أن شخصية عبد الله بن ثامر لم ترد في المصادر المسيحية فسأركز على الروايات الإسلامية.
عندما يتحدث البعض عن قصة أصحاب الأخدود يخلطون بين زمنين هما عصر القديس عبد الله بن ثامر وعصر الملك الحميري اليهودي ذو نواس. فنجدهم يدمجون العصرين ويقدمون ابن ثامر كبطل لمحرقة الأخدود التي وقعت في شهر يونيو من عام 523م. أي قبل ألف وخمسمائة عام من اليوم. في حين أن عبد الله بن ثامر عاش قبل محرقة الأخدود بمائة عام تقريباً. وهذا الخلط سببه الروايات التاريخية الضعيفة ومنها رواية نشوان الحميري في كتابه (شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم) وهذا نصها: "أخدود بنجران خَدَّه الملك ذو نُواس الحميري وأحرق فيه نصارى نجران..وقيل إِنه ندم بعد ذلك وقال:
أَلا لَيْتَ أُمِّي لم تَلِدْنِي ولَم أَكُنْ
عَشِيَّةَ حَزَّ السيفُ رأسَ ابنِ ثامِرِ
وابن ثامر هو عبد اللّاه بن الثامر الحارثي كان مؤمناً صالحاً على دين النصارى قتله ذو نواس الملك الحميري صاحب الأخدود بنجران، ثم ندم على قتله وتحريق أصحابه في الأخدود" انتهى الاقتباس.
هناك روايات إسلامية أخرى دمجت عصر ابن ثامر بعصر محرقة الأخدود ولكنني اخترت رواية نشوان الحميري لأنها الرواية الوحيدة -على حد اطلاعي- التي ذكرت نسب عبد الله بن ثامر وهذه معلومة جديدة على الكثيرين وتستحق النشر والتوقف عندها.
نبذة تعريفية
عبد الله بن ثامر هو غلام اعتنق المسيحية على يد راهب نصراني اسمه فيميون. حيث كان الأهالي يُدرّسون أبناءهم السحر والشعوذة عند ساحر نجران؛ بينما كان الغلام عبد الله بن ثامر يتعلم من فيميون دعائم العقيدة المسيحية وعلومها حتى بلغ مرتبة علمية رفيعة وعرف اسم الله الأعظم وامتلك قدرات روحانية خارقة تمثلت في علاج كل الأمراض المستعصية، ونتيجة لذلك تنصر على يديه خلق كثير وصار له شأن عظيم في المجتمع. ولما علم بأمره حاكم نجران اليهودي حاول أن يقتله بكل الطرق ولكنه لم يستطع فقال له ابن ثامر إنك لن تقدر على قتلي حتى تؤمن بما آمنت به. فقال الملك: آمنت برب الغلام ثم ضربه بعصا فمات عبد الله بن ثامر من ساعته. ولكن حدث ماكان يخشاه الملك اليهودي حيث آمن الشعب كلهم عندما شاهدوا ما حدث.
مُلهم الشهداء
عشرة من شهداء الأخدود كان اسمهم (عبد الله)، وأرى أن كثرة اسم عبد الله بين مؤمني نجران في تلك الفترة توحي بأنه كان لهم قدوة يستلهمون منه الصبر ورباطة الجأش والثبات على الحق إلى آخر رمق؛ وهذا الرمز أظنه كان عبد الله بن ثامر والله أعلم.
ابن ثامر في الحديث
لن أتوسع في سرد الأحاديث الصحيحة التي ذكرت قصة الغلام والساحر والراهب والملك اليهودي. ولكنني سأذكر حديث له علاقة بموضوعنا الجوهري (ضريح ابن ثامر). فقد روى الترمذي في قصة أصحاب الأخدود: "..فأمّا الغلام فإنه دُفِن. ثم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُخرج وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قُتل". كذلك نقل المباركفوري عن ابن إسحاق قوله: وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أنه حدث أن رجلاً من أهل نجران كان زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه حفر خربة من خرب نجران لبعض حاجته فوجد عبد الله بن الثامر فيها قاعداً واضعاً يده على ضربة في رأسه ممسكاً عليها بيده فإذا أُخِذت يده عنها انبعث دماً وإذا أُرسِلت يده ورُدّت عليها أمسكت دمها، وفي يده خاتم مكتوب فيه (ربي الله). فكتب فيه إلى عمر بن الخطاب يخبره بأمره. فكتب عمر إليهم أن أقرّوه على حاله وردّوا عليه الذي كان عليه ففعلوا". تحفة الأحوذي 9/186 .
1️⃣
ابن ثامر في الوجدان النجراني
يرى أهالي نجران أن عبد الله بن ثامر كان تلميذاً نجيباً للراهب المسيحي فيمون الذي يعتقدون أن قبره يوجد في أعلى وادي نجران. ومن القصص الشهيرة لكرامات ابن ثامر التي مازال يتداولها الأهالي حتى اليوم هذه القصة: كان هناك ثلاثة أشخاص أعياهم التعب ونال منهم الجوع فقصدوا حارس ضريح ابن ثامر قبل مغيب الشمس وسألوه طعاماً فلم يجدوا عنده شيئاً. وقد كانت تعيش بجوار مقام ابن ثامر عائلة نجرانية معروفة يقوم أفرادها بخدمة الضريح وحراسته وتنظيف المكان والاعتناء بالزوار والبستان والعلوب السبعة. ارتمى الثلاثة في فناء الضريح منهكين وقال كبيرهم: "يا جماعة حِن ضيوف عبد الله ابن ثامر الليلة ولن نخيب بإذن الله". بعد أن مضى هزيع من الليل استيقظ الثلاثة على صوت بهيمة تجول في المكان وتصدر جلبة وصرير عندما تحك قرنها في خشبات المقام. تهلل وجه كبيرهم وصاح: "ابشروا بالخير.. ربي استجاب دعاكم وذا التيس ضيفتكم من ولي الله عليه السلام". ذبحوه وتعشوا وأطعموا خَدَم الضريح وباتوا ليلتهم في غبطة وسرور وعند الصباح غادروا المقام. وبينما هم في الطريق لقيهم رجل يتتبع أثراً فسألوه عن أمره فقال: أقص أثر تيس فقدناه البارحة. فقالوا: صفه لنا. ولما وصفه قال كبيرهم: ابشر بالعوض تيسك ذبحناه وكليناه.. فالبارحة أمسينا جياع في الخَتم (الأخدود) وقلنا اللهم انحن ضيفانك يا ربي وضيفان سيدنا عبد الله، ثم جانا تيسك وقومنا من النوم وذبحناه، واليوم حقك عندنا. فما كان من الرجل إلا أن وضع يديه على راسه واخذ يكبر ويهلل ثم قال: سبحان الله.. والله يا الربع إني أمس نذرت هذا التيس صدقة لوجه الله الكريم ونويت أذبحه صباح اليوم وأقدمه لخدام وضيوف سيدنا عبد الله ابن ثامر؛ فالحمد لله اللي جعل نيتي تسبق عملي.. أما التيس فيهناكم وبالعافية عليكم.
البحث عن الضريح
بدا لي الموضوع سهلاً في البداية حيث ظننت أن أهالي نجران جميعهم يعرفون مكان ضريح عبد الله بن ثامر ومسجده وبئره خاصة كبار السن. ولكن عندما انطلقت في البحث اصطدمت بالحقيقة المرة!
لم أجد أحداً يعرف أين توجد أماكن هذه المعالم بالضبط .. وكل ما حصلت عليه في بداية الاستقصاء كان مجرد تخمينات وتوقعات لا تسمن ولا تغني من جوع. لم يكن البحث في هذا الموضوع سهلاً لأسباب عدة منها:
أولاً: لم يبقى أحد على قيد الحياة من الذين شاهدوها قبل هدمها.
ثانياً: تغيرت تضاريس المكان نتيجة الأعمال التي تم تنفيذها فيه (إنشاء طرق للسيارات، وأخرى للمشاة، والرصف…).
ثالثاً: المهتمون بهذا الشأن قليلون جداً.
رابعاً: البعض لديهم حساسية مفرطة تجاه الآثار المسيحية ويقلقهم أي اكتشاف مسيحي ويعملون على إبقاء هذا الإرث الديني في غياهب النسيان.
خامساً: تمدد الغطاء النباتي وزحفه على كثير من آثار الموقع.
سادساً: من يَعرفون -وهم قِلّة- لا يعرفون المكان بشكل جيد. فالذي يعرف موقع البئر لا يعرف موقع الضريح والعكس صحيح. وبعضهم يرى أنه ليس من الحكمة الكشف عن هذه الآثار بدافع الخوف من طمسها مجدداً!.. وكأن هذه الآثار ليست مطموسة منذ تسعين عاماً!..من وجهة نظري أن هذا الخوف ليس مبرراً فهذه الآثار في حكم العدم وأرى بأن عصر الرؤية والانفتاح هو الوقت المناسب لانتشال هذه الكنوز الأثرية ووضعها على طاولة البحث العلمي.
استعنت بكتاب جون فيلبي (مرتفعات الجزيرة العربية/ج1) الذي حققه وعلق عليه الدكتور غيثان الجريس، فقد رسم فيلبي خريطة لمدينة الأخدود الأثرية وحدد عليها بعض المواقع ومنها ضريح ابن ثامر. ولكن واجهني التحدي ذاته، فهي ليست خريطة وإنما مخطط توضيحي تقريبي رسمه فيلبي قبل أكثر من ثمانين سنة ومن الصعب إسقاطه على أرض الواقع بشكل دقيق. خاصةً أن بعض العلامات المساعدة التي ذكرها فيلبي قد تمت إزالتها نهائياً مثل معصرة الزيت (نجر أبو زيد)، وخمسة أشجار سدر. أيضاً يوجد معلومة مُضَلّلة في كتاب فيلبي تقول: (أن أسطوانة معصرة الزيت مُلقاه على بعد 100 ياردة إلى جنوب شرق ضريح ابن ثامر). وهذا غير صحيح فالأسطوانة كانت جنوب غرب الضريح. وبالتالي هناك عدة احتمالات لهذا الخطأ. فإما أن يكون خطأ مطبعي، أو أن الأسطوانة كانت فعلاً جنوب شرق الضريح في زمن فيلبي ثم نُقِلت لاحقاً إلى جنوب غرب. وإما أن يكون الخطأ متعمد بقصد التمويه على موقع الضريح!
لم أيأس وعاودت الغوص في أعماق الذاكرة الشعبية وقابلت عدداً من كبار السن الثقات الأذكياء رجالاً ونساء.ثم قمت بإنعاش ذاكرتهم بالمعلومات الواردة في خريطة فيلبي..وفي المحصلة جمعت منهم قدراً لا بأس به من المعلومات الهامة ثم قمت بالاستنباط والاسقاط والمقاربة والمقارنة بين خريطة الذاكرة الشعبية وخريطة فيلبي وتوصلت بعون الله وتوفيقه إلى هذه النتيجة التي أنشرها اليوم ولا أزعم أنها صحيحة 100٪ولكنها حصيلة جهدي المتواضع الذي أرجو أن يكون مفيداً للباحثين والمهتمين.
2️⃣
النتائج
*ركام ضريح عبد الله بن ثامر يبعد عن شجرة السدر الجنوبية مسافة عشرة أمتار تقريباً جنوب شرق، تُغطّيه شجرة أثل بأغصانها.
*بالنسبة لمسجد ابن ثامر فأعتقد أنه لم يكن هناك مسجد بجوار الضريح من الأساس؛ وإنما بسبب تعاقب الزيارات للضريح خاصة في العصر الإسلامي فقد تحول الفناء إلى…
توصيات
الذاكرة الشعبية هي الخريطة الذهبية التي ترشدنا إلى الكنوز الأثرية وهنا ينتهي دورها.. أما الدراسة والفحص والنفي والإثبات فهو دور العلماء لذا آمل:
-أن يقوم المختصون بعمليات تنقيب دقيقة تخدم الحقيقة وفي الوقت ذاته لا تنتهك حرمة الموتى والقبور.
-إجراء دراسات موسعة تهدف إلى…

جاري تحميل الاقتراحات...