ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

30 تغريدة 511 قراءة Aug 07, 2023
يتلون كحرباء، يلف ذاته بالغموض، فلا يعطي إجابات جازمة، فسقف غروره يأبى أن يُصنّف، يظن أنه ممسك بالعصا من المنتصف، لكنه ليس أكثر من ممثل رديء غير مقنع.
النفيسي
أحد أبطال حادثة تنظيف المراحيض
الذي قال للخميني يوماً "أثخن بهم.. بوركت يداك"
ثم ما علاقته بجهيمان !
حياكم تحت
في مدينة الكويت عام 1945 ولد عبد الله النفيسي، وكعادة الأسر الكويتية الموسرة حينذاك، أرسِل عبدالله إلى القاهرة وهو في السادسة لتلقي تعليمه في مدرسة بريطانية داخلية افتتحت فرعها الجديد في القاهرة للتو، إنها "فيكتوريا كولدج" ذات الصبغة العلمانية الأوروبية والانضباط الكبير.
في ظلال هذه المدرسة رفيعة المستوى التي تُدرّس موادها باللغة الإنجليزية ويقتصر روادها على الطلبة الغربيين والطبقة الأرستقراطية المصرية، نشأ النفيسي وقضى مراحله في التعليم ما قبل الجامعي، تحديدا من عام 1951 حتى 1961، لكن رغم هذه الأجواء تسرب إلى النفيسي الفكر الإخواني.
لقد كانت مصر حينذاك تموج بأحداث عظام بداية من ثورة يوليو عام 1952 ثم انقلاب عبدالناصر على الإخوان عام 1954، ومطاردتهم وبزوغ نجم "سيد قطب"، وإصداره مؤلفاته المؤسسة للتيارات المتطرفة لاحقا، كل هذا كان مؤثراً في نفس النفيسي الذي تشبع بهذا الفكر واتصل برواده خلال مراهقته.
وفي ظل مشايعته للإخوان وانتمائه النفسي والتنظيمي إليهم، ومع محاولته بدء مرحلته الجامعية في مصر، تم رفض طلبه بسبب ذلك الانتماء ودُفع لمغادرة مصر-حسب مذكراته-، وهنا اختار بيروت، حيث التحق هناك عام 1963 بقسم العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية، وتخرج فيها عام 1967 حاملاً شهادتها.
مثّلت تلك الفترة الجامعية التي قضاها في بيروت مساحة آمنة لنضوج أفكاره واستوائها على عودها، حيث تجذر فيه انتمائه للإخوان وانخرط بين دوائرهم وعُرف بين الجميع أنه واحداً منهم، حتى أنه دأب على نشر مقالاته الأولى في مجلة المجتمع ومن بعدها الشهاب وهما مجلات تابعة لتنظيم الإخوان.
في ذلك الوقت برز بوضوح تأثره بأفكار سيد قطب والمودودي حول شكل الدولة ومبدأ الحاكمية،وتهميش الدور الايماني والتعبدي في الإسلام لصالح تفسير سياسي ثوري، يرى المجتمع جاهلياً، وللخروج به إلى "النور" يجب الثورة على الحكام والاستئثار بالسلطة وانتزاعها، بكل الطرق الممكنة حتى العنيفة منها
في بيروت وخلال تواجده للدراسة، كان له نشاطاً طلابياً، حيث أصدر نشرة طلابية أسماها البلاغ، وحين ذهب لبريطانيا من أجل الدراسات العليا استمر نشاطه الطلابي لكن بصيغة أخرى، حيث تولى منصب رئيس رابطة الطلبة الكويتين في بريطانيا.
بدأت تناقضاته مبكرا فيروي المفكر محمد الرميحي الذي كان نائباً له حينها، أن النفيسي ألقى خطبة في إحدى المناسبات شدد فيها على الطلاب ترك السياسة وهجرها وعدم التعاطي معها، وهو موقف مستغرب منه! لكن ستدرك لماذا تمثل النفيسي هذا الرأي، حينما تعرف أن المناسبة برعاية الشيخ سالم الصباح.
إنه التلون والتبدل حسب ما تمليه عليه الظروف والمصلحة، تلك الصفة التي ظلت ملازمة للنفيسي في كل فصول حياته، فها هو يعود للكويت عام 1972 حاملاً شهادة الدكتوراة من جامعة كامبريدج، ليعين في جامعة الكويت كأستاذ للعلوم السياسية، لكن ذلك لا يرضي طموحه وغير كافٍ له مطلقاً.
لابد من طريقة يتصدر بها الصحف -مهما كانت قناعته به- ، وليس ثمة طريق أنسب لذلك من تنظيف المراحيض، نعم هذا ما أقدم عليه النفيسي، حينما قام بتنظيف مراحيض الكلية، احتجاجاً على نظام الجامعة الذي لم يعطِ الكويتيين بعد فرصة قيادة الجامعات وتولي مناصب قيادية على حد زعمه.
بهذه الحادثة حقق النفيسي هدفه بهذا التنظيف فوجد طريقه للشهرة ولتصدر عناوين الصحف، واقتنص ظهوراً إعلامياً استمر لسنوات عبر برنامجه التلفزيوني "المائدة المستديرة".
دون مقدمات او مراجعات تملص من إسلاميته، وصار اشتراكيا ماركسيا يدعم اليسار بتعصب، إلى حد الذهاب إلى عمان لدعم ثورة ظفار المدعومة من قوى خارجية، لكن ما لبث أن انقلب على هذه الحركة بعدما تأكد له خروجها من طور الأضواء عام 1975، ووثق هذا عبر ثاني كتبه "تثمين الصراع في ظفار"
التف الرجل نحو بلده الكويت، وسعياً لإثبات الذات والخروج مجدداً إلى دائرة الضوء، أصدر كتاب "الكويت: الرأي الآخر" والذي احتج فيهِ على حل مجلس الأمة وعارض المرسوم الأميري، وناقش شكل الحكم ومفهوم السلطة والمعارضة، ونجح به في لفت الانتباه من جديد لكن بطريقة عكسية.
لقد أغضب هذا الكتاب السلطات الكويتية بشدة، فقامت بفصله من وظيفته في الجامعة، وصادرت جواز سفره مدة خمس سنوات، كان قراراً مدوياً هدد مسيرة الرجل ووضعه لدى اضطراب كبير، فعاد أدراجه إلى حاضنته الأولى وإلى إسلاميته المتطرفة، طمعاً في منفذ ومفر.
بعد عام واحد تحديداً في سبتمبر 1979، وقبل ثلاثة أشهر من حادثة اقتحام الحرم، ألقي القبض على النفيسي في أثناء تسلله إلى الأراضي السعودية بجواز سفر مزور، رفقة مجموعة من الكويتيين وشاب سعودي يحملون منشورات سياسية دينية تبشر بجهيمان العتيبي وجماعته السلفية المحتسبة.
أفرج عن النفيسي بعد فترة وجيزة، وعاد للكويت وباشر نشر مقالاته في مجلة المجتمع الإخوانية، لقد كان الرجل مؤيدا لجهيمان وأحد أدواته الإعلامية، وبحسب بعض المقربين من جهيمان، لم يكن ذهاب النفيسي للسعودية إلا من أجل مراقبة الوضع في مكة تمهيدا لتنفيذ خطة الاستيلاء على الحرم!
ومع انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 واحتلالها الأضواء، دعمها بشدة وبتعصب شديد، حيث رأى في الخميني مثالا يجب أن يحتذى، ليس هذا فحسب بل اختار أقرب الطرق للاشتهار فنشر مقالاً يمجد به الخميني تحت عنوان "أثخن فيهم يا خميني.. بوركت يداك"
كان مقالا ممجوجا بالكراهية والتحريض على القتل، فرأى في الإعدامات التي نُفذت في مئات الإيرانيين من أنصار الشاه حينذاك واجباً دينياً وشجع الخميني على المزيد،لكن اللافت في كل هذا أنه في الأمس القريب كان مؤيداً بشدة للشاه الذي يحرض عليه اليوم وبضراوة ( دائماً .. يقف مع الفكرة وضدها)
خلال السنوات التالية وبعد خفوت وهج الثورة الإيرانية بالحرب العراقية الإيرانية، بدأ الرجل ينقلب على الاسلاميين جملة واحدة، مقترباً هذه المرة من القوميين العرب، طمعاً في مقعد في مجلس النواب، وهو ما استطاع تحقيقه عام 1985، قبل أن ينقلب عليهم بمجرد الفوز ويعلن انتمائه للإخوان مجددا
وفي عام 1997 وعبر أحد مقالاته، دعا النفيسي إلى ضم إيران إلى مجلس التعاون الخليجي، وانتقد دعمهم للعراق في مواجهة إيران، وطالب الخليج بالاعتذار لطهران وهو في كل هذه السنوات لم تنقطع يوما علاقاته بالإيرانيين وتنسيقاته معهم.
أما مناصرته لإيران التي ارتد عنها كما تشي أحاديثه اليوم، فقد قابله استنقاص وازدراء وهجوم متكرر على السعودية وبقية دول الخليج، فتارة يصفها بأنها محكومة بنظام صحراوي، وتارة يصفها بالمستعمرات الأمريكية، بل إنه أسس وشرعن غير مرة لحق إيران في احتلال الجزر الإماراتية الثلاث!
لم يتوقف النفيسي عند هذا، بل دأب على توجيه سهامه المسمومة نحو حكام الخليج منذ بداياته ففي كتابه "عندما يحكم الإسلام" الصادر عام 1982، قال: "إن حكم العائلة السعودية وحكم العائلات الأخرى في الخليج.. هو انحراف وقع في التاريخ الإسلامي، وهو مستنقع لكل الأحلام غير الشرعية"
في إطار بحثه المريض عن التصدر وإثارة الجدل، لم يفوت الرجل ذروة صعود تنظيم القاعدة وطالبان في أفغانستان، فناصرهم ودعمهم بالقول والفعل، ففي إحدى محاضراته وصفهم بأنهم "أشرف ناس في العالم" وتباهى بمقابلة الملا عمر زعيم طالبان قائلاً: "قابلته شخصيا وكان لي الشرف بالجلوس معه".
وبداية من عام 2011 أنضج ما عرف بالربيع العربي كل العداءات النيئة أو المتخفية، فتصدر النفيسي كالعادة الواجهة، مؤازرا ومحرضا على العنف، ففي حديث له عن الأنظمة العربية لقناة روسيا اليوم عام 2014، قال بأن النظم العربية فقدت شرعيتها، وأنها لا تفعل شيئا سوى الاتفاق الجنائي على شعوبها.
لا يتورع الرجل إلى اليوم وفي كل مرة يخرج فيها عن التلوي والتبدل حسب ما تمليه عليه الحالة، فهو الآن يتمثل السلفية بعد أن كان يقول عن الخميني بأنه إنسان إلهي مرتبط بالله، لكن الثابت في فكره هو تلك الكراهية العمياء للأنظمة الخليجية، حتى أنه يتمنى ويبشر بزوال بعضها!
من الطبيعي أن تتغير أفكار الإنسان وتتطور على مدى رحلته العمرية، فذلك دليل على المرونة والفاعلية الفكرية، لكن أن تكون الأفكار عرضة للتغيير كل يوم ومن النقيض للنقيض، دون مسوغات أو تفسيرات مقنعة، فذلك يدخل في إطار الهوس والفصام والمرض النفسي.
تلك التقلبات المرضية مرتبطة بجملة من الأسباب التي تختزنها شخصيته المعقدة، فهو قطعا محب للظهور والأضواء، وهو ما يدفعه دفعا للتشابك مع الأحداث الرائجة، وتمثل الآراء التي تجلب له الشهرة، عبر مسايرة الجماهير والتملق لها، من خلال نهج عاطفي شعبوي ثائر ظاهر بشدة في كل أحاديثه.
جزء آخر من تقلباته الفكرية عائد إلى نرجسيته وغروره المتجاوز، فحين سأله محاور خلال أحد اللقاءات أين تصنف نفسك؟ رد بغضب شديد أنا أكبر من هذه التصنيفات، وأرفض مثل هذه الأسئلة، مثل هذه الإجابة تبين كيف يرى الرجل ذاته، وتوضح لماذا لم يستقر يوما على فكر أو تيار بعينه.
تلك التقلبات في حياة هذا الرجل وتلونه مرة بعد أخرى، خطورتها تكمن فيما مضى في تأثر الناس به على اعتباره مثقفا وأستاذا للعلوم السياسية، لكن الناس اليوم باتوا أكثر وعيا وكشفا للمتآمرين وأرباب المصالح ومن يدسون السم في العسل!

جاري تحميل الاقتراحات...