أكرم الوصابي
أكرم الوصابي

@Akram_Alwasabi

30 تغريدة 188 قراءة Aug 06, 2023
الرؤيا التي أبكت مفتي الديار اليمنية القاضي العمراني رحمه الله
لست ممن يكتب عن الرؤى ويحكيها، لكن لأن هذه الرؤيا أثَّرت في مفتي الديار اليمنية، محمد بن إسماعيل العمراني، وجلس حيالها يبكي بكاء شديد لما كان صاحبها يقصها عليه، وأردت أن أرويها لكم.
تابع السرد بالتفصيل تحت التغريدة
قبل أن أرويَ هذه الرؤيا وأقصها عليكم، أحب أن أقدم لها بقصة مختصرة عن صاحبها وعمله؛ حتى تكتمل لديكم الصورة، وتعرفوا مغزى هذه الرؤيا، ليفسرها كل منكم بنفسه بمجرد معرفة قصة صاحبها؛ فهي لا تحتاج إلى تفسير بقدر معرفة عمل صاحبها..
بداية كان صاحب هذه الرؤيا من أهل صنعاء، وقد سافر إلى المملكة العربية السعودية بداية شبابه بحثًا عن عمل، فلما وصل إلى هناك، فتح الله له بابًا للرزق في قطع (البلك) فكان له مصنع لبيع (البلك)، وما هي إلا شهور حتى وسَّع الله عليه وأصبح مصنعه هو المصنع الأشهر والأكثر حركة وبيعًا..
ومضت الأيام والسنوات وهو في أيسر حال، إلى أن فُتحت المصانع العملاقة لبيع البلك، وحدثت نهضة في تلك المنطقة التي هو فيها؛ فنافسه تجار كثر؛ فقلَّ البيع والشراء لديه، وفي يوم من الأيام - وكما يروي بلسان حاله - يقول: "أتاني صديق عزيز عليَّ، فتناقشت معه في أمور التجارة، وشكوت له قلة..
البيع والشراء؛ بسبب المصانع الكبيرة والمنافسين، فقال: أنت لا تعرف بعمل التجارة، لو كنت مكثت في بلادك، لكان أفضل!
قلت له مستغربًا من كلامه: وكيف يكون العمل في التجارة؟
قال: إذا أتاك من يشتري منك، بِعْ منه ومن ثَمَّ أنقص عليه عدد الكمية المشتراة، فلا أحد سيحصي الكمية التي يشتريها..
وخاصة إن كانت كبيرة، فمن يطلب ثلاثة ألف بلكة، بع منه ألفين على أنها ثلاثة آلاف، ومن يريد ألفين وخمسمائة، بع منه ألفي بلكة دون أن يدري، وهكذا تكون التجارة والحذاقة!
قلت: لكن هذا غش
قال: هكذا تكون أمور التجارة فالذكي من يغتنم الفرص، وقام بتحريضي حول الأمر حتى بدأت أرضخ لِما يقول..
وفعلًا بعد تفكير طويل عملت بتلك النصيحة المشؤومة.
وفي اليوم الثاني عندما أتى المشتري الأول، قبضت منه الثمن، وأرسلت له كمية أقل من المشتراة، وكذلك عملت مع المشتري الثاني، والثالث عملت معه نفس الحيلة، ولكن الثالث عندما وصل إليه طلبه، قام بالعد فوجد الكمية ناقصة؛ فعاد إلينا..
يصرخ ويزبد ويرعد ويصدر الشتائم؛ فاعتذرت إليه، وقلت لها بأنها غلطة، وأن العد نقص من عند العمال، وأصلحت الأمر، وكان هذا الرجل بمثابة الصفعة التي أفاقتني من غفلتي، فجلست مع نفسي أراجعها وأسألها، كيف لو كان ذلك الرجل أبلغ الشرطة، ودخلت السجن، كيف سيكون حالي؟ ..
وبعد تفكير طويل، قررت أن أبيع مصنعي، وأعود إلى بلدي اليمن، وفعلًا بعت كل ما أملك، وعدت إلى اليمن، وبعد فترة من عودتي وقد أخذ العمر مني مأخذه، واحْدَوْدَبَ ظهري، ووهن عظمي، وذهبت قوتي، قُلتُ في نفسي: لماذا لا أذهب إلى الحج؟ فقمت بتقديم طلب السفر، ولله الحمد توفقت في السفر ..
فذهبت وأديت مناسك الحج، وعدت فرحًا منتشيًا، أستقبل من أتى لزيارتي وتهنئتي، وبعد نحو خمسة عشر يومًا من عودتي، وفي ليلة من الليالي، رأيت فيما يرى النائم بأني مت والجميع حولي يبكون، وأنا أسمع صرخاتهم وبكاءهم وعويلهم، وكنت أحاول أن أخبرهم بأني لم أمت، فأنا أسمعهم، ولكني لا أستطيع ..
النطق أو الحركة، فأخذوني وغسَّلوني وكفَّنوني على مسمعٍ مني، ثم صلوا عليَّ، وذهبوا بي إلى المقبرة، وأدخلوني القبر، وأهالوا عليَّ التراب، وقفلوا عائدين، فوالله الذي لا إله إلا هو إني لأسمع قرع نعالهم؛ كما في الحديث، وانصرف أولادي وهم يبكون، وأنا أسمعهم، ولكن في قرارة نفسي لم أمت ..
ولكن لا أحد يعرف سواي بذلك، فقعدت بعد انصرافهم عني، فلم أكَدْ أرى شيئًا سوى الظلام الدامس الذي يلُفُّ قبري، وفجأة انفتح أمامي سرداب طويل، فقلت: سأذهب فيه لعلي أجد مخرجًا، فأنا لم أمت، وفعلًا مشيت في هذا السرداب الطويل، وبقيت أمشي حتى نهاية الظلام، فوجدته ينقسم قسمين ..
طريقًا يمضي إلى اليمين، وطريقًا تأخذ بك شمالًا
فقلت: اتبع السنة واذهب يمينًا، فمشيت مسافة طويلة مرة أخرى، وبينما أنا على حالي ماشيًا، انبثق نور أمامي كفتحة الغار المظلم الذي ظهر بابه، فحمدت الله، وتقدمت قليلًا، فدُهشت مما رأيت؛ إذ رأيت أشجارًا جميلة وخضرة، وأنهارًا تجري وقصورًا..
لم أرى مثلها، ونعيمًا، وجنانًا على مد البصر، وشممت رائحةً طيبةً لم أشم مثلها من قبل، فظلت عالقة في أنفي كزجاجة عطر خَلَتْ وبقيَت رائحتها، وبعد رؤية تلك المناظر التي لم تَرَ عيناي لها مثيلًا، وقع في قرارة نفسي بأنها الجنة، فحمدت الله بأني مت، وأن هذه الجنة وسأدخلها، وعندما هممت ..
بوضع قدمي في بداية الطريق إليها، ظهر رجلان؛ أحدهما قبض على يدي اليمنى، والآخر على يدي اليسرى، وسألاني: أين ستذهب؟
فأجبتهما: أنا مت، وهذه الجنة وسأدخلها!
فقالا: لا، ووجها لي سؤالًا آخر: هل تعرفنا؟
قلت: لا
قالا: نحن نعرفك، وعرفا بأنفسيهما
فقلت: لا أعرفكما مطلقًا، وفعلا لا أعرفهما..
قالا: نحن من اشترينا منك البلك، واحْتَلْتَ علينا، وقمت بغشنا
فتذكرت ما حدث قبل عشرات السنين، ومرت السنوات كشريط ذكريات، قمت بإعادة تشغيله مجددًا
فقلت لهما: ماذا تريدان مني؟
قالا: نريد حقنا، فلا تستطيع الدخول إلا بعد أن تدفع لنا
قلت: كيف أدفع لكما وأنا ميت، وقد ذهبت الدنيا..
فجرّاني وذهبا بي إلى الجهة المعاكسة وأنا أصرخ، لكن لا حياة لمن تنادي، حتى أوصلاني إلى فتحة الجهة الأخرى، فوقفنا جميعًا في طرف السرداب الأيسر، فهالني ما رأيت - أعاذني الله وإياكم من عذاب جهنم - ولم تسعفني قدماي فسقطت على الأرض بينهما أسترحمهما، لكن لم تتحرك لهما شعرة، وما أفزعني..
وزعزع كياني رؤيتي مخلوقًا عظيمَ الحجم، ضخمَ البنية، واقفًا يجر نساءً ورجالًا إلى قدور عظيمة، يُحمى الزيت فيها وهم يصطرخون؛ فيُغمس الواحد منهم لحظات، ثم يُخرجه ويضع في رأسه مسمارًا فيضربه ضربةً حتى يخرجه - أعزكم الله - من دبره، ويضع آخرين على أسياخ حديد مُحَمًّى تشتعل النار..
تحت تلك الأسياخ، فيقلبهم في النار كالدجاج المشوي، ورأيت صورًا أخرى من العذاب أفزعتني
وعندما وصلنا إليه توجه إلى الرجلين الممسكين بي سائلًا: من أنتما وما أمركما؟
فأجاباه وأنا في حالة فزع: هذا أكل حقنا، فشخصت ببصري نحوهما قائلا: صحيح، لكن كان هذا في الدنيا، وكان قليلًا وأنا محتاج..
فالتفت نحوي قائلًا: هاتِ كتابك
قلت: أي كتاب؟ لا أمتلك كتابًا
قال: معك كتاب، فالتفت خلفي فإذا بكتابي خلف ظهري، فأخذته، ومددته إليه، فأخذه وفتحه، ثم التفت إلى أحد الرجلين قائلًا: هاتِ كتابك.
فقرأ كتابه وكتابي، وأخذ من كتابي فوضعه في كتابه، وأعطاه فذهب، ثم التفت نحو الآخر، وقال:
هات كتابك، فقرأه، ووضع من كتابه إلى كتابي، وأمره بالذهاب
قلت: وأنا سأذهب؟!
قال: لا، فأخذني وأجلسني، وأنا مثل الطفل بين يديه، لا أملك حولًا ولا قوة، في غاية الرعب والهول والفزع مما أشاهد من صنوف العذاب، الذي يشيب له الرضيع، فذهب وأحضر مسمارًا أطول مما رأيت من تلك المسامير التي..
يُعذَّب بها، وكان منظره فظيعًا، فأخذه وغمره في أحد قدور الزيت المغلي ورفعه، فإذا بنقطة زيت عالقة في طرفه، وهي تغلي وكأن النار تحتها، فقلت في نفسي: هذا سيُوضَع في رأسي، وفعلًا جاء بالمسمار ووضعه على رأسي، فوالله لقد شعرت أنه سلخ لحمي عن عظمي؛ فصرخت من شدة حرها، ولم أدْرِ بنفسي..
إلا وأنا في طرف الغرفة واقفًا، قد استيقظت من نومي، وفي تلك اللحظة لا تسأل عن حالي؛ فانفجرت باكيًا جامعًا يديَّ إلى صدري، خائفًا فزعًا مما رأيت، فجلست على تلك الحالة ما يقارب الساعة، وعيناي كمصب نهر من الدمع الجاري الذي لا يتوقف، ثم نظرت إلى الساعة بعد أن هدأت قليلًا، فوجدت أنه..
لم يتبقَّ على صلاة الفجر سوى ساعة تقريبًا، فتعوذت بالله من الشيطان الرجيم، واستغفرت الله، ثم توضأت وبقيت أصلي ركعتين ركعتين إلى الفجر، ثم إن قدمي لم تقدرا على حملي، فقعدت باكيًا إلى أن استيقظ أولادي، فهالهم منظري، وسألوني: ما بك؟ لماذا أنت بهذه الهيئة؟ ما الذي جرى لك؟..
قلت لهم: لا أحد يسألني، وأمرت إياهم أن يذهبوا لصلاة الفجر، فذهبوا وذهبت خلفهم، وبعد الصلاة عدت إلى المنزل وجلست حتى شروق الشمس وحالي يُرثى له، ومن ثَم ذهب إلى القاضي العمراني رحمه الله؛ ليفسر له هذه الرؤيا
فكان أول من استفتح به يومه
فقال له: عندي رؤيا أريد أن تتكرم بتفسيرها لي ..
فقال: خيرًا يا بني، ماذا رأيت؟
فقص له الرؤيا ونظره موجه إلى الأرض، حتى انتهى منها، وكان القاضي العمراني في غاية من التأثر تسيل دموعه من هول ما يسمع، وما أكمل رؤياه إلا وكانت لحية القاضي مبتلة من الدموع، يسمع نشيجه
فقال: أسأل الله أن يلطف بك، قل لي ما آخر عمل عملته؟
أجبته: حجيت ..
قال: أشهد أن لا إله إلا الله، لقد رأيت الجنة رأي العين، ورأيت النار رأي العين
ثم إنه سأله عن الرجلين، فأخبره بقصة عمله في السعودية، وبذاك الموقفين.
فقال له القاضي العمراني رحمه الله: عندي نصيحة لك
قال: نعم
قال القاضي: هل تستطيع أن تصل إليهما؟
قال: لا
قال: لا بد من البحث عنهما..
فأجابه الرجل: هذا مستحيل يا قاضي، وقد كان هذا قبل عشرات السنين، وقد تغيرت الدنيا ولا أعرفهما ولا أين هما
فقال القاضي: ما عندي لك حل يا ابني، لكن هل تستطيع أن تقدر قيمة البلك؟
قال: نعم
قال: أخرج القيمة، وتصدق بها على نيتهما، والزم الاستغفار والتوبة، هذا كل ما أستطيع أن أنصحك به..
قد يغفر الله الذنوب التي بينك وبينه، ولكن حقوق العباد أمرها عظيم، وإن كان عودًا من أراك؛ كما ورد في الحديث، وهذه الرؤيا سمعتها ممن حكاها عن صاحبها، وهي قصة حقيقية وقعت أحداثها، وسُئل فيها القاضي العمراني
لطف الله بنا وبكم، ورزقنا السلامة والعافية من ألَّا نتحمل حق أحد من عباده .

جاري تحميل الاقتراحات...