[سلسلة]
الدول العربية الراهنة، الإمبريالية الذاتية والعدوان على الذات، التخلف العربي.
الدول العربية الراهنة، الإمبريالية الذاتية والعدوان على الذات، التخلف العربي.
كما وضحت في سلسلة سابقة، تقوم الأنظمة العربية بخدمة إستعمار البلدان داخليًا، عن طريق إبقاء أسواقها مفتوحةً للشركات الأجنبية، وعدم منافستها وعدم تمنية المنتج الوطني. تصبح هكذا الدولة العربيّة الحديثة جزء تابع للمركز الغربي الكبير الذي يعاملها كسوق تابع له.
جميع الدول والأنظمة الحاكمة في الوطن العربي هي كيانات فرضت فرضًا من قبل الإستعمار، لم تخلقها حركات وقوى وطنيّة ولا أتت باستفتاءات شعبية أو إنتخابات. هكذا، أتت الأنظمة العربيّة كشيء غريب ومنفصل عن عامة الناس، وخلقت طبقةً حاكمة مصالحها الشخصية مناقضة لمصالح عموم الشعب.
الإنفصال والصراع بين كتلتين أساسيتين، الشعب من طرف والحكام والبيروقراطية الهائلة وأدوات الحكومة من طرف, أوصل الأنظمة إلى الخيانة لأنها أساسًا وبنيويًّا تحفظ مصالح الأجنبي في بلادها على حساب مصالح شعبها، عبر قمع عارم لجميع معالم حياة الشعب، تمّت خلال سياسة داخلية سياسية-اقتصادية:
- التجويف: تتعمد الأنظمة نحر الحريات السياسية في مجتمعها، فلا توجد أحزاب ولا معارضة حقيقية، لا صحافة حرة، لا مؤسسات سياسية تمثل الشعب. أجبرت بعض الأنظمة على صنع برلمانات صوريّة إثر الضغط الشعبي، في الخليج مثلًا، لكن هذه المجالس خاضعة للسلطة تمامًا، ولا إمكانية للتغيير من خلالها.
- التجريف: تقوم الأنظمة بضمان فقر الشعب وتجريف ثروته عبر إقتصاد التساقط أو الإنفاق غير المنتج، مثل المشاريع العقارية في مصر التي تغرقها في ديون طائلة لا تستطيع سداد فوائدها، وعن طريق التبادل اللامتكافئ، وفي الوهلة الأخيرة خلال الحروب ضد الأنظمة العربية الأخرى.
تجلّى نجاح هذه السياسات إبان ثورات الربيع العربي، الذي شهد إنتفاضات عارمة في معظم الدول العربية، لكنها لم تملك قيادة سياسية منظمة لإعدام مقوماتها من قبل الأنظمة مسبقًا. حولت الأنظمة العربية هذه الإنتفاضات لأداة تخريب عبر دعم المنمظمات الإسلاموية والإرهابية، في سوريا ومصر مثلًا.
يلحظ أن الأنظمة العربية تقوم بتطوير اللا-تكافؤ بين بعضها البعض، فالتجارة العربية الداخلة اليوم شبه معدومة، وعادةً تكون أكثر من 70٪ من التجارة الخارجية مع دول الإتحاد الأوروبي ونسبة معتبرة مع أمريكا، الأمر الذي يقوض أي تكامل إقتصادي عربي-عربي.
قطع الإتصال جعل كل معالم الوحدة تختفي باسثناء إجتماعات سنوية لوزارات الداخلية والمخابرات التي تتعاون وتتبادل المعلومات عن المعارضين والمناضلين، في نوع من توحيد آليات القمع.
لهذه الأسباب خسرت البلدان العربيّة قرنًا كاملًا خرجت منه دون أي تطور، دون بناء إقتصاد ناجح متطور.
لهذه الأسباب خسرت البلدان العربيّة قرنًا كاملًا خرجت منه دون أي تطور، دون بناء إقتصاد ناجح متطور.
نشر هذا روحًا إنهزامية في نفوس العرب عمومًا تقول أنهم فاشلون وأقل شأنا وكذلك التنافس الداخلي الذي هدم التآخي العربي.
بعض الأنظمة العربية قام بتنمية الطائفية ودعمها، لغرض إضعاف المجتمع ذاته، مثلما فعل النظام السوري مع الأقليات، مما سبب إنقسام المجتمعات ودمر أي فرصة لعمل جمعي شعبي.
بعض الأنظمة العربية قام بتنمية الطائفية ودعمها، لغرض إضعاف المجتمع ذاته، مثلما فعل النظام السوري مع الأقليات، مما سبب إنقسام المجتمعات ودمر أي فرصة لعمل جمعي شعبي.
على المستوى السياسي، اختلقت عدة نزاعات عربية-عربية، لعبت فيها الأنظمة دور "شبه-إمبريالي"، الصراع الكويتي-العراقي مثلًا، الحرب التي وضعت سلسلة من العدوان العربي على العرب، مما أدى لدمار دولة عربيّة بالكامل وغزوها، وتخريب آمال التكامل العربي.
تم تكريس النزاعات العربية-العربية في أحداث كتدخل سوريا في الحرب اللبنانية بطلب من إسرائيل، وغزو ليبيا عام 2011 بمشاركة جيوش أنظمة الأردن وقطر والإمارات، والغزو السعودي لليمن عام 2015. بدأت الأنظمة العربية في مجابهة نفسها أيضًا من خلال ضرب بعضها البعض خارج حدود الوطن العربي.
مثلًا، الدعم الإماراتي والسعودي لأثيوبيا في حربها بالوكالة مع مصر. عام 2022 عندما أوشكت قوات تيجراي المدعومة من مصر على السيطرة على عاصمة أثيوبيا، أرسلت الإمارات عشرات الطائرات دون طيار لدعم حكومة أثيوبيا مما أدى لإنهزام قوات تيجراي.
بالطبع لا مصلحة للإمارات أو السعودية في هذا الموقف ولا حتى أي بلد عربي في مجابهة ومناكفة بلد عربي آخر، لكن هذه الأنظمة في دورها العميل أصبحت دمى في يد القوى العظمى تتصرف عنها وتحقق مصالحها دون أن تفقد القوى العظمى جندي واحد.
كذلك في لعب دور إمبريالية الذات، تقوم دول الخليج في شراء أراضي زراعية في دولة السودان العربية وتقوم باستغلال اليد العاملة الرخيصة هناك. تخبرنا هذه الصور جميعًا أن الأنظمة العربية تقوم بتكريس التخلف وعرقلة التنمية وتكريس التبعية والخيانة.
بينما قامت الدول النامية الناجحة حول العالم بتبني سياسات التحكم بالفائض الرأسمالي في داخلها وبناء تراكم رأس المال فيها، وإعادة إستثماره في حدودها، كدول النمور الآسيوية والصين وتركيا، حافظت الأنظمة العربية على سياسات الباب المفتوح والإخراج الكامل، ووجهت فائضها إلى الخارج وخسرته.
وقامت كذلك بإيداع الدخل المتراكم بعد أسعار النفط الصادمة في البنوك التجارية للدول الغربية، إما للفائدة أو في أيدي النظام الأمريكي لبناء وتوسيع البنى التحتية لأنظمة الريع، وليس المواقع الإنتاجية، وهو ما رأيناه في قطر والسعودية في مشاريع السياحة ومحافل الرياضة.
تنفرد الأنظمة العربية ذات الفائض، كدول الخليج، في استخدامه وإتلافه في سبيل تخريب الأنظمة العربية الأخرى، وهذا ما رأيناه في حملتها ضد العراق سنة 90 وتسليحها لفصائل موالية لها لتخريب الثورات السورية والليبية والتونسية، وهذه بالطبع مخططات صنعتها الدول الغربية وليست لمصلحة الأنظمة.
لا تحاول الأنظمة العربية استخدام لحظات الضعف الإمبريالي لصالحها كالصراع الغربي مع الصين-روسيا، أو الأزمة المالية الحالية رغم أن لدى الأنظمة سيولة مالية تنقص الكثير من الدول. ما يحصل هو العكس، تقوم قطر مثلًا بمساندة أوروبا عبر تصدير الغاز والنفط كبديل عن روسيا دون مقابل.
يتوقع البعض أن تتخلى السعودية وأنظمة عربية أخرى عن أمريكا، لكن التاريخ يعارض هذا التوقع، وإن حصل فسيكون بمثابة إستبدال راعي إمبريالي براعٍ آخر. وحتى لو كانت الأنظمة العربية الراهنة قومية ووطنية، لن يتغير شيء ما دامت متجزئة على 22 جزءًا لا وزن لأي منها فرادى.
جاري تحميل الاقتراحات...