ومنهج أهل السنة والجماعة في التكفير منهج واضح، فقد ضبطوا هذا الباب وبينوا ما فيه، فلم يكونوا فيه من الخوارج والوعيدية، ولم يحصروا التكفير بالجحود، بل بينوا الكفر العام والكفر العيني، وشروط التكفير وموانعه.
ومن ضبط أهل السنة لهذا الباب أنهم ينزلون أحكامه على المعين بعلم وعدل، ويجنبون منهج أهل السنة والجماعة كل ما فيه جور أو ظلم أو حكم بما لم يحكم به الله ورسوله، وبما لم يأت مثله عن السلف رضوان الله عليهم، وذلك مثل تكفير طائفة كبيرة من الناس بأعيانهم دون مستند شرعي
ومن جملة ذلك: تكفير يعض المعاصرين للأشاعرة كلهم بأعيانهم، ونسبة ذلك إلى السلف، أو أن هذا التكفير يجري على أصول السلف وإن لم يحكموا به، وقد أجروا حكمهم هذا على الأشاعرة المعاصرين والسابقين، فكفروهم بأعيانهم
وتكفير أعيان المذهب الأشعري يهمنا لأن المراد هو اتباع الحق والعدل مع الناس وإنصافهم، وإنزال الناس منازلهم التي أنزلهم الله، فالمسلم لا يجور ولا يظلم ولا يتعدى في الحكم، كما أن تحرير القول في تكفير أعيان الأشاعرة فيه دفاع عن منهج السلف رضوان الله عليهم بأن ننفي عنهم ما نسب إليهم
أولا مسألة تكفير السلف للجهمية:
استند البعض هداهم الله في تكفيرهم للأشاعرة إلى عدد من الأمور من تأمل فيها يجد أنها ترجع إلى نسبة الأشاعرة إلى الجهمية، فالأشاعرة بزعمهم جهمية أو أشد منهم، والسلف قد كفروا الجهمية، فالأشاعرة كفار، فتكفيرهم إذن قائم على هاتين المقدمتين
استند البعض هداهم الله في تكفيرهم للأشاعرة إلى عدد من الأمور من تأمل فيها يجد أنها ترجع إلى نسبة الأشاعرة إلى الجهمية، فالأشاعرة بزعمهم جهمية أو أشد منهم، والسلف قد كفروا الجهمية، فالأشاعرة كفار، فتكفيرهم إذن قائم على هاتين المقدمتين
وهو المستند الأكبر لهم في تكفير أعيان الأشاعرة، بل حتى حين يتكلمون عن إنكار العلو وكلام الأشاعرة في القرآن يربطونه بالتجهم، فكل مستند لهم في التكفير راجع إلى هذا، وكل كلامهم يدور حول هذا، ويمكن أن نجمل الكلام في هذه القضية في النقاط الآتية:
أولًا: تكفير السلف للجهمية:
مما لا شك فيه أن السلف قد أغلظوا القول في عموم الجهمية، وأطلقوا عليهم ألفاظ التكفير، وهذا مما لا تخالف فيه السلفية غيرهم، وقد ورد هذا عن عدد من العلماء
مما لا شك فيه أن السلف قد أغلظوا القول في عموم الجهمية، وأطلقوا عليهم ألفاظ التكفير، وهذا مما لا تخالف فيه السلفية غيرهم، وقد ورد هذا عن عدد من العلماء
فهذا القدر من كلام بعض الأخوة لا خلاف فيه، وإنما الخلاف كله في أنهم يأخذون هذا الحكم وينزلونه على الأشاعرة بحجة أنهم أيضا جهمية، أو أنهم أخذوا ببعض أقوال الجهمية فصاروا مثلهم، وهذا غير صحيح كما سيأتي بيانه.
ثانيا: الجهمية شعب:
الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله الذي نقلت نصه السابق توفي في القرن الثاني، فكلامه عن الجهمية المحضة الذين أنكروا كل الصفات، ولا بد من معرفة هذا الأمر المهم جدا حتى لا يأتي من يتمسك بمثل هذه النصوص وينزلها على غير أهلها
الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله الذي نقلت نصه السابق توفي في القرن الثاني، فكلامه عن الجهمية المحضة الذين أنكروا كل الصفات، ولا بد من معرفة هذا الأمر المهم جدا حتى لا يأتي من يتمسك بمثل هذه النصوص وينزلها على غير أهلها
وابن تيمية رحمه الله حين يذكر تكفير الجهمية يربطه في مواطن بـ"الجهمية المحضة" وسيأتي كلامه في ذلك، وقد دخل في الجهمية بعد: المعتزلة، وبعض كلام الإمام أحمد ومن في طبقته متوجه إلى المعتزلة، فقد كانت محنته مع أساطين المعتزلة كأحمد بن أبي دؤاد وغيره، ثم أدخل العلماء الأشاعرة.
فالسلف حين يطلقون الجهمية فإنهم يريدون بهم تارة الجهمية المحضة، وتارة كل من قصر في الصفات أو شابه قوله قول الجهمية في هذا الباب بالخصوص، وهذا التجهم العام يدخل فيه المعتزلة والأشاعرة والكلابية كما بينت
فالكلام عن الجهمية وتكفيرهم يختلف من زمان لآخر، ولا بد من مراعاة الزمن الذي وقع فيه التكفير على الجهمية، وهذه نقطة مهم التنبيه عليها، فإن عددا من الاخوة يريدون حمل كلام ابن المبارك وغيره على الأشاعرة المعاصرين وإن كان الأشاعرة يخالفون أولئك الجهمية في قضايا كثيرة، وهذا حمل خاطئ
فلا يصح إذن أن نأخذ حكما على جهمية القرن الثاني فننزله على من نسب إلى الجهمية بعموم في القرن الرابع وما بعد، كما لا يصح أن نأخذ حكما على الجهمية المتأخرين من الأشاعرة فننزله على الجهمية الأوائل.
ثالثا: تفريق السلف بين الجهمية في الحكم:
ذكرت في النقطة السابقة أن السلف قد كفروا الجهمية، وقد كتب ابن تيمية رحمه الله عن تكفير الجهمية كلاما محررا سأنقله مع التعليق عليه ليتبين كيف كفر السلف الجهمية، ولنعرف من الجهمية الذين كفرهم السلف، وهو نص في غاية الأهمية
ذكرت في النقطة السابقة أن السلف قد كفروا الجهمية، وقد كتب ابن تيمية رحمه الله عن تكفير الجهمية كلاما محررا سأنقله مع التعليق عليه ليتبين كيف كفر السلف الجهمية، ولنعرف من الجهمية الذين كفرهم السلف، وهو نص في غاية الأهمية
فيؤكد ابن تيمية رحمه الله أن من وقع عليهم التكفير هم الجهمية المحضة، وقد عدد معتقداتهم ومنها ما يخالفهم فيها الأشاعرة قطعا، ثم يقول رحمه الله مبينا كلام الجهمية وحكمه عليهم وعلى من قلدهم وتبعهم، وهذا يصدق على الأشاعرة وإن كانوا لم يأخذوا بكل أقوال الجهمية
أما ما يتعلق بخطأ بعض الجهمية بالمفهوم العام ممن جاء بعد عصر ابن المبارك أو من تبعهم فسيأتي كلام ابن تيمية فيهم في النقطة الخامسة.
رابعا: الإطلاق والتعميم غير التقييد والتعيين:
هذه القضية من أكبر القضايا التي يقع فيها الخطأ عند الحكم على الآخرين، وقد فصل أئمة السنة الكلام فيها، وبينوا أن أهل السنة والجماعة يطلقون عبارات في الكفر والتكفير، ويكون هذا حكما عاما لا ينطبق على كل فرد من الأفراد..يتبع
هذه القضية من أكبر القضايا التي يقع فيها الخطأ عند الحكم على الآخرين، وقد فصل أئمة السنة الكلام فيها، وبينوا أن أهل السنة والجماعة يطلقون عبارات في الكفر والتكفير، ويكون هذا حكما عاما لا ينطبق على كل فرد من الأفراد..يتبع
أو يكون حكما على القول أو الفعل، فحكم الفعل لا ينطبق مباشرة على فاعله إلا بوجود الشروط وانتفاء الموانع، وهذا أمر معلومٌ مستفيض عند علماء أهل السنة والجماعة
أما ما يتعلق بالجهمية بالخصوص، فإننا نجد تكفير ابن المبارك للطائفة عامة، ونجد لابن تيمية رحمه الله ونصوصا أخرى ينسب فيها القول إلى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ونجد أنها تدلّ دلالة واضحة وصريحة على أن تكفير الجهمية لا يعني تكفير كل فرد بعينه
مع التنبيه على أن الجهمية في بعض نصوص الإمام أحمد هم المعتزلة، وقد يورد البعض هذه النصوص في بيان عدم تكفير كل الجهمية، وهذا ليس بلازم، فإن النص يجب أن يقرأ مقرونا بزمانه ومعرفة من عناهم صاحب النص بنصّه، فحتى إن قلنا: كفر السلف الجهمية المحضة
فإننا نجد أن من ألحق بهم لاحقًا من المعتزلة والأشاعرة لم يأخذوا حكمهم عند أئمة السلف
فهنا ينسب إلى السلف أنهم يكفرون الجهمية لكنهم يتوقفون في الأعيان، فلا يحكمون على الأعيان بالكفر، ويذكر هذا عن الإمام أحمد في نص ظاهر وبيِّن أنقله مع بعض طولٍ فيه لأهميته
فهل هناك نص أوضح من هذا النص؟! مع الأخذ بعين الاعتبار بأن الجهمية هنا قد يراد بهم المعتزلة، فهم الذين كان بين الإمام أحمد وبينهم السجالات والمحن، وسواء قلنا: إن المراد هم الجهمية المحضة أو المعتزلة فما نروم إثباته ثابت، وهو أن التكفير العام للجهمية..يتبع
والجهمية هنا هم بعض الأشاعرة لا الجهمية المحضة، وهو يدل على مرادنا.
وخلاصة هذا الكلام: أن المراد بنصوص تكفير الجهمية هم الجهمية الأوائل، وهم الجهمية المحضة، ومع ذلك فإن النص العام المطلق لا يتناول المقيد الخاص.
وخلاصة هذا الكلام: أن المراد بنصوص تكفير الجهمية هم الجهمية الأوائل، وهم الجهمية المحضة، ومع ذلك فإن النص العام المطلق لا يتناول المقيد الخاص.
خامسًا: لا حكم باللوازم حتى يلتزموا:
ما سبق ذكره من كون النصوص العامة لا تنزل على الأعيان أمر معلوم من منهج السلف، ولا يخفى على بعض الاخوة، لكنهم يرون أن الأشاعرة المعاصرين قد وافقوا الجهمية الأوائل في معتقدهم فاستحقوا حكمهم، وهذا أيضا غير صحيح،
ما سبق ذكره من كون النصوص العامة لا تنزل على الأعيان أمر معلوم من منهج السلف، ولا يخفى على بعض الاخوة، لكنهم يرون أن الأشاعرة المعاصرين قد وافقوا الجهمية الأوائل في معتقدهم فاستحقوا حكمهم، وهذا أيضا غير صحيح،
فإن بعض الأخوة قد جعلوا الأشاعرة هم الجهمية بالمطابقة، وهذا غير صحيح، فالاسم العام يشملهم بلا شك، فقد أطلق السلف لفظ الجهمية على الجهمية الأوائل والمعتزلة والأشاعرة، لكن هذا لا يعني أنهم في الحكم سواء، وقد بينت ضرورة معرفة تاريخ النص الذي يتكلم عن الجهمية لنعرف الجهمية المرادة
فلا يصح إنزال حكم طائفة على طائفة أخرى، وبعض المسائل التي يرى المعاصرون أن الأشاعرة طابقوا الجهمية فيها ما هي إلا إلزامات لا يلتزمها الأشاعرة
والمشابهة في واحد من الصفات لا تعني المطابقة وإن وجدنا أن الأشاعرة يقولون ببعض أقوال الجهمية فلا زال الحكم عليهم حكما عاما لا يكفر به الأعيان وقد مر بنا قريبا عن الإمام أحمد وغيره من الأئمة تنازعهم في تكفير من قال بخلق القرآن وأن التكفير العام لا ينزل على المعين إلا بشروط وموانع.
سادسا: قيام الحجة:
مع ما سبق ذكره من أن الأشاعرة المعاصرين لا يمكن حملهم على الجهمية المحضة يرى بعض الأخوة أن أقوال الأشاعرة أقوال كفرية ولا يكفرون إلا بقيام الحجة وقد قامت عليهم لانتشار العلم في هذا الزمان، فهم يرون أن كل الأشاعرة فردا فردا قد قامت عليه الحجة التي يكفر بها
مع ما سبق ذكره من أن الأشاعرة المعاصرين لا يمكن حملهم على الجهمية المحضة يرى بعض الأخوة أن أقوال الأشاعرة أقوال كفرية ولا يكفرون إلا بقيام الحجة وقد قامت عليهم لانتشار العلم في هذا الزمان، فهم يرون أن كل الأشاعرة فردا فردا قد قامت عليه الحجة التي يكفر بها
فنكفرهم من أجل قيام الحجة عليهم، وهذا لا يمكن الاعتماد عليه في تكفير كل أعيان الأشاعرة؛ ذلك أن قول هؤلاء المعاصرين مبني على أننا في زمن انتشار الكتب وينبني عليه قيام الحجة، وليس بالضرورة أن يكون هذا صحيحا، فإن قيام الحجة يختلف من زمان لآخر ومن مكان لآخر
ومع ذلك فكلما ابتعدنا عن نور النبوة وزمن الوحي صارت البدع أكثر، وانتزاعها وبيان بطلانها أصعب، ولا يرجع هذا إلى مجرد وضوح الحجة الرسالية، ولكن لما يقوم بالمكلف من أمور تصرفه عن الحق من التأويل والشبهة والجهل الذي لا يكون عن إعراض، وكذا عن أحوال وطريقة طلبه للعلم تؤثر في فهمه للنص
والكلام في قيام الحجة يطول لكن لا بد قبل التكفير من توفر أمور:
أولها: أن تكون المسألة كفرية ظاهرة في الكفر.
ثانيها: أن يعلم المكلف كفر قوله -أو حرمته عند البعض- بدليل بين واضح، ويفهمه فهمًا صحيحًا.
ثالثها: أن يخلو من موانع التكفير ومن أهمها التأويل والجهل.
أولها: أن تكون المسألة كفرية ظاهرة في الكفر.
ثانيها: أن يعلم المكلف كفر قوله -أو حرمته عند البعض- بدليل بين واضح، ويفهمه فهمًا صحيحًا.
ثالثها: أن يخلو من موانع التكفير ومن أهمها التأويل والجهل.
فقد سمى الأشاعرة جهمية ونسبهم إلى التجهم، ومع ذلك بين أنه لا يكفرهم لجهلهم، فمجرد نسبة الأشاعرة إلى الجهمية لا يقتضي التكفير كما يذهب إليه بعض الأخوة هداهم الله.
وأخيرا: هذه نقاطٌ مررت فيها على قضية تجهم الأشاعرة وتكفيرهم بناء على ذلك، والتكفير وما يتعلق به يفتح باب شر عظيم إن لم يتقيَّد فيه بالشرع المحكم، وما جاء عن علمائنا من السلف الصالح، فإننا نفهمه كما فهمه علماؤنا الآخرون، فنفهم كلام ابن المبارك وغيره كما بينه ووضحه ابن تيمية..يتبع
وغيره من العلماء من أنهم أرادوا الجهمية المحضة، وهذا هو الواقع إذ إن كلامهم في القرن الثاني، فلا يصح إذن أن ننزل ما قيل في الجهمية المحضة على الأشاعرة لمجرد تشابههم في بعض المعتقدات، بل لكل طائفة حكمها الخاص مما حكم به علماء السلف..يتبع
ومع ذلك فالأعيان لهم حكمهم الخاص ليس فقط بالنظر إلى معتقدهم بل حتى بالنظر إلى استنداهم إلى الكتاب والسنة وانتصارهم لهما، ومنهجهم في الاستدلال، وغير ذلك من المعاني المبثوثة في كتب أهل السنة والجماعة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين
جاري تحميل الاقتراحات...