ارتكبه السودانيون بتركيز الخدمات والنشاط التجاري في العاصمة، وأهمية التنمية والبناء في المجتمعات الريفية، فأود مشاركة هذا المقال معكم، وأتمنى أن يحفز هذا المقال خيال الكثيرين منا للعمل على بناء نماذج اقتصادية تنموية في الريف والبلدات، كما استطعنا أن نُبدع فكرة "لجان المقاومة" في
المجال السياسي.
الصورة على اليسار ل"دنغ شياو بينغ" Deng Xiaoping الذي تصاعد نفوذه السياسي في الصين تدريجياً بعد وفاة ماوتسي تونغ في العام 1976 حتى امتلك زمام القيادة السياسية في الصين في العام 1978 واستمرت فترة حكمه حتي العام 1989.
الصورة على اليسار ل"دنغ شياو بينغ" Deng Xiaoping الذي تصاعد نفوذه السياسي في الصين تدريجياً بعد وفاة ماوتسي تونغ في العام 1976 حتى امتلك زمام القيادة السياسية في الصين في العام 1978 واستمرت فترة حكمه حتي العام 1989.
خلال هذه الفترة قام دنغ بقيادة سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية التي تميزت بأنها جمعت بين التوجهات الشيوعية في الاقتصاد مع اقتصاد السوق الحر وانتجت ما أصبح يعرف ب "الاشتراكية ذات الخصائص الصينية" أو "اقتصاد السوق الاشتراكي"، شكلت هذه الاصلاحات قاعدة الأساس للثورة الاقتصادية الصينية
الحديثة ولصعود الصين كقوى عظمي في الاقتصاد العالمي. كانت أهداف دنغ شياو الإصلاحية تختصر ب "التحديثات الأربعة Four Modernizations" ويعنى بها العمل على تحقيق "التحديث والتطوير" في أربع قطاعات رئيسية هي: الزراعة، والصناعة، والعلوم والتكنلوجيا، والقوة العسكرية. وفي العام 1987،
أعلن دنغ شياو عن استراتيجية التنمية الاقتصادية في الصين لسبعين 70 عاماً والتي تقوم على ثلاثة أهداف/محطات رئيسية The Three-Step Development Strategy: مضاعفة الناتج الإجمالي المحلي GNP المسجل في العام 1980 (وقد تحققت هذه المرحلة بنهاية الثمانينات)؛ أما المرحلة الثانية فهي مضاعفة
الناتج الإجمالي المحلي GNP المسجل في العام 1980 أربعة أضعاف بنهاية القرن العشرين (وقد تحققت هذه المرحلة في العام 1995)؛ وأخيراً، زيادة نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي إلى مستوى البلدان المتوسطة المتقدمة بحلول العام 2050.
لأجل كل هذه الإصلاحات الاقتصادية والتنموية استحق دنغ شياو لقب "مهندس دولة الصين الحديثة".
على مستوى المجتمع الصيني، قام دنغ شياو بتدشين حقبة اقتصادية جديدة، فبعد أن قام ماوتسي تونغ بالعديد من مشاريع إصلاح الأراضي وتكوين التعاونيات الريفية في الفترة الممتدة من (1949- 1976)،
على مستوى المجتمع الصيني، قام دنغ شياو بتدشين حقبة اقتصادية جديدة، فبعد أن قام ماوتسي تونغ بالعديد من مشاريع إصلاح الأراضي وتكوين التعاونيات الريفية في الفترة الممتدة من (1949- 1976)،
قام دنغ شياو بالتوسع في سياسات اللامركزية والفيدرالية المالية، كما قام بتقديم التسهيلات والمساعدات لنموذج مميز جداً يُعرف ب"شركات القرى والبلدات township and village enterprises (TVEs)"، وهي شركات تجمع بين الملكية الخاصة والعامة
بالإضافة إلى أشكال الاقتصاد الجماعي collective economy. تعمل هذه الشركات بصفة تجارية-ربحية، لكن ملكيتها تكون في العادة تعود على تجمعات الفلاحين وبعضها مملوك للحكومات المحلية وبعضها مملوك للأهالي. في فترة دنغ شياو قفز عدد شركات القرى من 1.5 مليون شركة ليصل إلى 12 مليون شركة
في العام 1985، وقفز عدد الوظائف التي توفرها هذا النوع من الشركات من 28 مليون وظيفة ليصل إلى 135 مليون وظيفة في العام 1996. ساهم هذا النوع من الشركات بشكل كبير في تخفيف الفقر في الريف الصيني عبر توفير الوظائف، لذلك لا يجب أن يستغرب الانسان تصريحات البنك الدولي في إبريل 2022
والتي أشارت إلى أن الصين استطاعت أن تُخرج 800 مليون شخص من تحت خط الفقر المدقع، وأن هذه المساهمة تمثل 75% من الجهود العالمية مجتمعة في تخفيف وإنهاء معدلات الفقر المدقع!
وحتى بعد التحول الكبير في الصين نحو خصخصة هذا النوع من الشركات، حينها قامت الحكومات المحلية -الأكثر نجاحًا في
وحتى بعد التحول الكبير في الصين نحو خصخصة هذا النوع من الشركات، حينها قامت الحكومات المحلية -الأكثر نجاحًا في
توظيف هذا النوع من الشركات- بتغيير نموذجها الاقتصادي من TVEs لتبدأ في إنشاء صناعات كاملة من الصفر، وقد دعمت الحكومة المركزية/الوطنية في الصين هذا التوجه، وساعدت هذه الحكومات المحلية في بناء قطاع صناعي متنوع، ويضم مصانع قادرة على المنافسة عالميًّا
في مجالات بناء السفن والإلكترونيات والهندسة؛ هذه التجارب هي ما أطلق عليه لاحقًا "الدولة التنموية المحلية local developmental state". وكما أوضح إريك ثون Eric Thun فقد كان القادة السياسيون في الصين حريصين على بناء صناعة سيارات محلية في الصين، لكن الذي قام بالعمل الحقيقي لظهور هذا
القطاع من الصناعات كانت هي الحكومات المحلية. وكانت مدينة شنغهاي تحديدًا مثالًا على نشاط وجدية الحكومات المحلية.
في السودان، تحكي قصيدة "الجابرية"، رائعة الشاعر السوداني محمد الحسن حِميد، عن طبيعة العلاقة الاستغلالية بين النخبة السياسية الحاكمة في السودان وبين عامة المواطنين
في السودان، تحكي قصيدة "الجابرية"، رائعة الشاعر السوداني محمد الحسن حِميد، عن طبيعة العلاقة الاستغلالية بين النخبة السياسية الحاكمة في السودان وبين عامة المواطنين
خصوصاً في القرى والبلدات مثل قرية "الجابرية"، وكيف أن الواقع الاقتصادي والتنموي في تلك القرية لم يتغير البَتّة على الرغم من تعاقب الأنظمة والقادة السياسيين بمختلف أنواعهم سواءً العسكري منهم أو المدني، لا فرق بينهم جميعاً. وهو ما عَبر عنه حِميد بجملته المشهورة
"يذهب حاكم خلف الحاكم...والجابرية تظل في حالها". الصورة على اليمين، هي غلاف لكتاب صدر عن مركز تأسيس للدارسات والنشر يناقش تجربة قرية ود بلال، وهي قرية شبيه ب "الجابرية" في مطالبها الاجتماعية والتنموية لكنها تختلف عن الجابرية في كونها لم تنتظر العون والمساعدة من السلطة السياسية
الحاكمة ولم ترفع "نفس اليافطة في نفس الحتة" حتى تدعمها هذه السلطة، بل فهموا جيداً الدرس من تجربة الجابرية وعلموا يقيناً أنه " ما بينصفكم إلا ضراعكم ...عّبّوا ضراعكم يا رجّالة ...وخَلّوا بصركم دغري وسالم"!
استطاع أهالي قرية ود بلال أن ينتظموا جميعاً في جمعية تعاونية،
استطاع أهالي قرية ود بلال أن ينتظموا جميعاً في جمعية تعاونية،
كما قاموا بتأسيس شركة مساهمة عامة مملوكة لكل أهالي القرية وذلك حتى يغيروا من الحال الاقتصادي والتنموي في قريتهم. وبالفعل استطاعت هذه القرية السودانية أن تُدخل جميع أفرادها في مظلة التأمين الصحي بنسبة تغطية بلغت (100%) كأول منطقة تحقق تغطية شاملة في التأمين الصحي في السودان،
ونجحوا في توفير المرتبات الشهرية لأيتام القرية، وتوفر فرص عمل اقتصادية لنساء القرية، كما استطاع هؤلاء الأهالي عبر شركتهم أن يأسسوا محطة وقود بالقرب من القرية وبناء مجزر آلي لذبح الدواجن، بالإضافة إلى عدة مشاريع زراعية وحيوانية ناجحة ساهمت في زيادة متوسط الدخل "السنوي" للأسر
المساهمة في تلك القرية بما يعادل 1000 دولار. لاحقاً، ونسبة للاقتصاد السياسي المهيمن في عهد الإنقاذ، تأثر هذا النموذج الاقتصادي بمجموعات المصالح التي ضيقت عليه، كما تأثر هذا النموذج بالقطاع البنكي الساعي للأرباح السريعة والخالية من المخاطر. هذه العوامل، بالإضافة إلى تردي الأوضاع
الاقتصادية بعد العام 2018، أضعفت هذه التجربة جداً، لكن هذه العوامل لا ينبغي أن تجعلنا ننسى إبداع هذا النموذج وكيف أنه يجب أن يكون أحد النماذج وخطوات الحل الرئيسية لتحقيق التنمية في المجتمعات الريفية في السودان وغيره.
أخيراً، لعل من أبرز أوجه القصور التي كنا ولا زلنا نراها التركيز على قضايا التدين والهوية والثقافة لمجابهة التبعية الثقافية والتحديات الفكرية التي تفرضها العولمة على واقع المسلمين، لكن في ذات الوقت عدم الاهتمام أو ضعف الاهتمام بالبحث والمناقشة الجادة في القضايا المتعلقة بالتحرر
والاستقلال الاقتصادي والتنمية في المجتمعات المسلمة، واعتبار أن هذا القضايا مجرد قضايا تقنية وليس من الضروري فيها تكوين رؤية خاصة بنا أو الحديث عنها بعموميات غير مفيدة. أيضاً من الأخطاء الشائعة التركيز على قضايا الإصلاح السياسي والديمقراطي واعتبار أن هذه القضايا هي وحدها السبيل
إلى التنمية الاقتصادية، مع أن التاريخ يخبرنا أن التنمية الاقتصادية (وخصوصاً في الريف) يمكن أن تكون من أهم أسباب التحول السياسي والديمقراطي (أنظر كوريا الجنوبية على سبيل المثال).
لذلك أعتقد بأنه لا يمكن تحقيق نهضة وإصلاح سياسي واقتصادي في مجتمعاتنا بمجرد الاهتمام بالقضايا الفكرية
لذلك أعتقد بأنه لا يمكن تحقيق نهضة وإصلاح سياسي واقتصادي في مجتمعاتنا بمجرد الاهتمام بالقضايا الفكرية
والعقدية والثقافية أو باقتصار الجهود في الحراك السياسي مع اهمال النماذج الاقتصادية القابلة للتطبيق، بل لا بد لنا من تكوين رؤيتنا الخاصة حول النهوض الاقتصادي والسياسي، وأن ننطلق من أسئلة الخاصة للحصول على الإجابات الأنسب لواقعنا وتحدياتنا، وأن نعمل على كلا المسارين:
الإصلاح السياسي، والإصلاح الاقتصادي/التنموي. وفي سبيل ذلك، فإننا نحتاج إلى الاطلاع على تجارب الدول والمجتمعات الأخرى التي أحرزت نجاحًا أو تقدمًا في تكوين رؤى اقتصادية ونماذج تنموية تختلف عن تلك النماذج الغربية (مثل تجربة شركات القرى في الصين)،
والاحتفاء بالنماذج المحلية الوطنية الرائدة مثل تجربة قرية ود بلال.
خالد عثمان الفيل
27 يوليو 2023
خالد عثمان الفيل
27 يوليو 2023
جاري تحميل الاقتراحات...