عار الفقر.
إلى أبوبكر عمر دفع الله عمر، من ضمن المناجاة المستمرة مؤخرا،
سنة سعيدة مليانة حب ولطف وان شاء الله الخير كله قدامنا.
(ثريد)
إلى أبوبكر عمر دفع الله عمر، من ضمن المناجاة المستمرة مؤخرا،
سنة سعيدة مليانة حب ولطف وان شاء الله الخير كله قدامنا.
(ثريد)
مع بداية العام الأول والثلاثين من عمرنا وسط الظلام الحالك المحيط بينا من كل جانب، حبيت أهديك رسالة، نتذكر بيها نحن منو، ورحلتنا مشت كيف، والمنطلقات الكونت أهدافنا التي عقدنا العزم على تحقيقها.
نحن فقراء. نسكن بيت إيجار في الخرطوم. في هذه اللحظة أسرتنا الهاربة من الحرب في بلدنا، قرى محلية المفازة في ريف ولاية القضارف، تعاني الجوع والمرض وويلات الخريف وتعطل تعليم أخوي علي وتعطل تخصص شيماء اختي وتعليم اطفالها.
الأكل غلا علينا والدواء ما متوفر والموية كعبة وأمي سهام عندها مصران وتعبانة شديد بسببها في هذه اللحظة. التواصل صعب بيناتنا نسبة لسوء الشبكة، فبنخلي لي بعض رسائل، وكل رسالة بفتحها بكون خاتي يدي في قلبي خوفا من سماع أخبار سيئة، وكل رسالة بفتحها بتحمل أخبار سيئة.
عدى قلة قليلة، أهلنا مزارعين، ورعاة، وسواقين خارج إطار القانون في نظر الحكومة التي تطاردهم على الدوام وقت ما اعتلوا زلطها الذي يبعد 110 كلم. نحن واعيين جدا بنظرة الازدراء البينظر بيها أهل الحضر للمزارعين والرعاة والسواقين، النظرة اللي تمكنت منا نحن زاتنا واستبطناها سنوات طويلة!
جفاف السبعينات شرد أهلنا من البلد فابتدأت موجة اغتراب نحو السعودية كان أبوي من أوائل من حملتهم نحوها. أمضى هو وأمي فيها قرابة ال 30 سنة في ظل نظام شبه عبودية الكفالة السعودية بحثا عن الغذاء والصحة والتعليم والسكن لينا ولي أهلهم،
ومحاولة لتأسيس قاعدة صلبة تعينهم على العودة للديار يوما ما. بتذكر وأنا طفل لحظات التهديد بالطرد من السكن كلما عجزنا عن سداد الإيجار والخوف الواضح على وجهي أمي وأبوي وجهودهما لإخفاء ذلك الرعب عنا.
وبتذكر المشي مسافات طويلة بالرجلين أنا ومحمد وشيماء وسوسن مع أمي سهام البهلول الشريف الطريفي اللي ما كانت أبدا بتخلينا وراها، بحثا عن صراف شغال عشان نسحب ال 100 ريال المرسلها أبوي من مدينة تانية أو الله أعلم ممكن يحصل شنو.
كل كم سنة كنا بنجي السودان حسب الظروف بالبحر مرات وبالطيارة مرات. بينتظرنا أحد أعمامي أو خيلاني في المطار باللوري، وبنتحرك على البلد طوالي. بتذكر إستعجال أبوي، العمره ما قدر يأجز معانا، الشديد في إنه يسفرنا مباشرة بعد المدارس تنتهي عشان نصل بلدنا قبل الخريف.
وبتذكر المرات الخريف بدا فيها قبل ما نصل كيف العمال قطعونا خور الفارغة بالبراميل نحن وشنطنا المالينها صابون ودواء عشان البلد بتتقطع طول مدة الخريف. مع وصولنا البلد بتبتدي شهور من الحياة المنسجمة تماما مع البيئة وما توفره من موارد،
الأكل فيها أساسه كسرة ولقمة وعصيدة. الملحات حسب الخدار القايم في الجرف. بنّشف باقيه نلايقه بي موية وقت نتعصر. موليتة وتمليكة وقت المطر يتوّر الواطة، ولما البقر يجي نعيمية وروب وفدّارة.
بنشرّك للطير، كمصدر بروتين أساسي لأطفال الفقراء، وبنفحص الشبكة بحثا عن أم الجنون، حمراء اللون، عشان نفكها اتباعا لوصية أهلنا ناس الثقافة الشفهية الحكماء والواعيين بندرتها ومحفظننا انه البياكلها بخش النار. والباقي تامينه شاي وقهوة بي سكر كتير جدا.
مرت السنوات والقاعدة الصلبة أبت تتكون كله كله! لغاية ما محمد إمتحن الشهادة السودانية وسافر السودان للالتحاق بكلية الهندسة الميكانيكية في 2004. قبضت الكهرباء روح محمد وتوفته إلى ربه في 5-12-2005. حتى اليوم بعد 18 سنة ما قادر أحدد أخوي مات في غربته ولا في وطنه!
صدمة موت محمد أنهت رحلة الاغتراب في لحظتها. رجعنا السودان مباشرة نحو البلد وصيوان العزاء. ثم سافرنا نحو الخرطوم لنسكنها وأراها لأول مرة في بداية عام 2006.
بتأمل في الرحلة دي كتير وبشوف إني بدون وعي كامل سعيت قدرتي إني أعوض أمي وأبوي عن محمد. مشيت على خطاه الحافر على الحافر ودخلت كلية الهندسة الميكانيكية في 2009.
مع رجعتنا المرتبكة للسودان ابوي بدا شغل جديد، رجع لحرفته الأساسية وفتح ورشة واشتغل بيها في مجال التكييف والتبريد والكهرباء وساعده خالي الرشيد الله يديه العافية بعربية بوكس موديل 89.
الحمد لله ربنا وفقه جدا وشغله مشى كويس وأمي استعانت بالشغل معاه على تخطي جراح موت محمد، وانا كنت بهبش معاهم في الإجازات. عمر دفع لله كان حريص يشارك الرزق دا مع كل من يطلب المشاركة.
أي زول جاء طلب منه يشتغل قال ليه حبابك ووصف ليه محل الأبرولات. الحاجة دي كانت سبب صدامات كتيرة بيناتنا. طوالي انا وقتها كولد سخيف ضيق النظرة كنت بغالطه في المسالة دي. وطوالي هو كان بيضحك وبقول لي بتكبر وتعرف يا بكري.
2013 كانت سنة وفاة حبوبة بت بلة. الله يرحمها كانت طوالي بتحكي لي بمجاعة سنة 1306هـ، وأنه الخليفة التعايشي لما جاع في الخرطوم رسل عساكره بلدنا ووصلو لجدي عبد الله، عشان مطمورته بتاعت العيش. حكت لي انهم خيرهي بين مطمورته أو ياكل شوك.
فعذبوه بشوك زريبته ومن يومها بقى اسمه عبدالاي تاكل شوك. حكت لي كيف مات في معركة مع نمر دفاعا عن بهايمه. أصبحت الحلة لقته هو والنمر ميتين جمب بعض والبقر سليم.
2013 برضو، أضفنا للشغل بتاعنا مغسلة عربات وورشة توليت انا ادارتها. الشغل كان ممتاز لغاية ما أبوي اتسرق سرقة بشعة جدا.
وقتها مع التضخم الحاد والشيكات اللي الواحد راكب فوق التاني، بدت تتكون فجوة مالية كبرت بسرعة في شهور بسيطة لغاية ما ابتلعت الورانا والقدامنا، وحتى تدخلات الاهل ما قدرت تنقذ الموقف. فلسنا وبقينا مطالبين ديون هائلة.
في لحظات صعبة جدا على أسرتنا اضطر ابوي يهرب للتعدين في الدهب عسى ولعل. وتلته أمي وأخواني برضو، سافروا للبلد ريثما نتبصر لحل مديونية أمي. بتذكر إني صحيت يوم في بداية 2014 وحيدا في المنزل وعندي 6 جنيه أخر ما أحتكم عليه.
ركبت مواصلات نحو المنطقة الصناعية الصحافة ب 4 جنيه، قاصدا ورشة وصفوها لي اصحابي، ورشة عمنا عبد العظيم لله يطراه بالخير. وصلت الورشة الصباح بدري7:30 وبقيت منتظره يصل. الساعة8 وشوية جاء سلم على الناس وسلم علي ووريته اني طالب الشغل. رد لي بنفس رد ابوي: "حبابك" ووصف لي محل الأبرولات!
افتكر دي اللحظة اللي الحياة واضعتني تماما وقعدتني في الأرض وبعدها انا لست من كنت قبلها. اشتغلت من اللحظة ديك سنة قافلة كصبي يومية في المنطقة الصناعية قريت بيها روحي السنة الأخيرة من الجامعة.
اتخرجت بعد ذلك وتركت الهندسة الميكانيكية وانتقلت لمجال إدارة الأعمال والتنمية. وعكس وصايا ونصائح أهلي، حبة حبة بديت أتلمس طريقي للسياسة متقصما مبادئ وروح سهام البهلول الحنونة والحريصة، وعمر دفع الله الجادة والكريمة والتي لا تعرف اليأس.
حاولت فهم وأغير الواقع الشرد أهلي عقود وصعبت عليهم إيجاد أشغال تكفل الغذاء والصحة والتعليم والسكن. استعنت في الرحلة دي بمبادئ التعاون والمشاركة وبديتها من القطاع الخاص مرورا بالعمل مع المجتمع المدني، والعمل الطوعي في الثورة، وإلى العمل مع الحكومة والمنظمات ومراكز الأبحاث.
كانت ولا زالت تجارب ثرية ومتنوعة ولكنها اشتركت في عامل واحد، نادرا ما قدرت أخوض نقاش حقيقي شخصي بلغة بسيطة عن انه اهلي من ضمن ناس كتيرة جدا جعانين الجوع الواحد دا وعيانيين وتعبوا من ذلة أصحاب العقارات وغلاء التعليم البخلينا نوقف قبل ما الواحد يكون عايز يوقف.
وانا شايف آثار الجوع والعوز الماضي والحاضر على قراراتي وقرارات الحواليني اليومية. طوالي النقاش كان بيمشي لانه دي النظام والسلطة والامبريالية والمؤامرة الكبيرة جدا علينا ولازم نتمكن من الكراسي أول ونبشع بالناس الظلمونا تاني،
حتى بعداك نفرض الواقع الجميل من فوق والخير حيترادم والدنيا تمشي دغرية. ما تشتغل مع الناس ديلك ديل كعبين، ليه؟ الله! انت كعب برضو ولا شنو؟! ديلك كيزان حرامية، وديلك جنجويد مجرمين، وديلك شيوعيين كفرة، وديلك تجار مستغليين ووووو.
طيب منو الشريف الرضي دا؟ كل ناس قالوا نحن! انا زاتي مضى فيني التفكيير دا سنوات وشفت الجميع أعداء وشفت روحي الملاك المخلص. ولكن في داخلي كان في صوت يصرخ "كدا غلط".
صليت لكل قبلة وعبدت جميع الالهة، لما فهمت سيدنا إبراهيم كان قاصد شنو لما قال "لئن لم يهديني ربي لأكونن من القوم الضالين". الحمد له وحدة ولا ينبغي لسواه، عيوني فتحت وأفتكر إني تخطيت المرحلة ديك، وبقيت شايف أنه الجميع انا وأنا الجميع. بنظرة صوفية ربما، بحب الناس كلها
وبشوف الخير جواهم الممكن يخاطب وينتصر على نقيضه الشر. أصحابي طوالي بيضحكوا فيني عشان بقول ليهم أنا بحب حميدتي!
بحبه لأني بفتكر روحي فاهمه وقادر اتخيل روحي محله، وقابلت روحه قبل كدا في ناس كتيرة رابطني بيهم دم، ولهجته وطريقة كلامه طوالي بتذكرني بأمي التانية الريقتني ثريا البهلول الشريف الطريفي. وبتمنى ربنا يهديه وينقذه ويهدينا جميعا مما نحن فيه.
سألت روحي كتير، هل كل الناس الاتكلمت واشتغلت معاهم ديل ما عاشوا التجارب دي فبالتالي ما عارفين يعني شنو جوع وفقر وحاجة وعوز، أم ربما العار مخليهم ناكرين المسألة دي.
الإجابتين وخليطهم مقبولين بالنسبة لي، متذكر اللحظات اللي جهلي خلاني اصرف النظر عن قضايا عرفت لاحقا مدى فداحة الوضع فيها، ومتذكر اللحظات اللي العار منعني من مشاركة قصتي كما هي.
10 سنين مرت ونحن بنسدد في الديون، 10 سنين من المضايره والمحاكم والذلة. وأول ما تنفسنا الصعداء وخف حملنا ورجعنا اتلمينا تحت سقف واحد أخيرا، قامت الحرب الحالية وبدت رحلة جديدة من فرقة الشمل والمعاناة.
منذ بدء الحرب دي انا بصحى كل يوم بدري جدا، وبشتغل لغاية ما انوم ويدي على اللابتوب او التلفون بهدف إنقاذ أسرتي وأهلي. وما شايف إني بقدر أنقذهم من غير ما انقذ الجميع معاهم، المعادلة جات كدا، ما عندنا قروش نقدر ننجو بيها برانا.
دي معركتنا الكبرى الخائضها، وما عندي فيها عدو إلا من أراد ان يتخذ من نفسه عدوا، وحنشتغل مع الشيطان الرجيم لإصلاح الوضع دا.
ومؤمنين تماما انه قصتنا دي ما قصة مميزة أو فردية، انه في ملايين من الآخرين أصحاب القصص المشابهة والمتساميين فوق لوعة الحرب أو ذهولها وشغالين نحو تحقيق الواقع الأفضل مستعينين في ذلك بالمشورة والشجاعة.
وموقنين اننا كل يوم بنتلاقى وبنتجمع وبننجح في خلق المنصات والتحالفات وماشين بخطوات حثيثة للتخلص من الاعتماد على الحرامية والمجارمة والنرجسيين ونحو تحقيق السيادة الغذائية والصحية والتعليمية والسكنية.
دي معركتنا الشخصية وفي سبيلها لا البحار لا الجن لا الحجر ممكن يقيف في طريقنا. اللهم إلا نموت أو نقتل، رفعت الأقلام وجفت الصحف.
إن شاء الله السنة الجاية نحن أسياد قرارنا أكتر من هسي، وحرية سلام وعدالة والثورة خيارنا نحن ديل الشخصي.
(انتهى)
(انتهى)
جاري تحميل الاقتراحات...