"باستخدام الذباب.. هكذا يريد شقيقان إحداث ثورة في صناعة الغذاء".
هذا ما قرأتهُ بالجريدة اليومية فهرعت إلى بالي وإشتعلت جذوى ذكرى قديمة لصديقي
دوريان الذي إختفى بعد تحوله إلى ذبابة.
لقد آمن دوريان ومنذ صغره أنه ذبابة، وبأن الذباب كان يتجمع حول سرة أمه ليبوحَ لهُ بالسر الحارق..
هذا ما قرأتهُ بالجريدة اليومية فهرعت إلى بالي وإشتعلت جذوى ذكرى قديمة لصديقي
دوريان الذي إختفى بعد تحوله إلى ذبابة.
لقد آمن دوريان ومنذ صغره أنه ذبابة، وبأن الذباب كان يتجمع حول سرة أمه ليبوحَ لهُ بالسر الحارق..
«تصور يا صديقي جيرمي، تصور سرباً من الذباب يأتيك برسالةٍ مشفرة تفيد لكَ بأصلك ؟، هذا ما حصلَ لي في بطن أمي، لقد كنت منهمكاً بالسباحةِ برشاقةٍ مثل دُلفينٍ في ذلك السائل الأمنيوني؛ فيما تبقى من جنة عدن الضائعة، لقد كنت مثل رائد فضاء أتشقلبُ تارِكاً لجسدي عنفوانه البهلواني المرح..
كان الطموح الذي ملأ قلبي بفرقعاته الحالمة أن أغدو رائد فضاء لأعيد تلك التجربة، لأسحب الجنة ببساطي أنا، لقد حكت لي أمي أدق التفاصيل، لقد كانوا يحومون حول سرتها في الساعةِ الفلانيةِ وكأنما قد تلقوا أوامِراً من قِيادةٍ عليا، كانوا دقيقينَ في مواعيدهم؛ اكثر دقة من موعدِ ولادتي..
المتأخرة، وكانت تقول أن أحد الذباب والذي لقبتهُ بالجنرال لكبر حجمه ولما أوحاهُ منظرُ ظهره المُشعرِ الذي تلون باللونِ التركوازي، كان يرِفُ بأجنحتهِ المتلاطمة مُصدِراً زنةً مزعجة كانت تسبب لها الغثيان، ولقد حاولت مراراً أن تنهي مضايقات ذلك الذباب وتبعده بشتى السبل ولكن بلا فائدة...
لقد كانت حازمة في مسعاها، وربما كانت في حملةٍ مقدسة للكشفِ عن هويتي، وكانت تحط تباعاً كالمروحيات وكانت سرة أمي مدرجها،ولكني لم أتنبه إلى وجود أيِ حقيقة خارج هذه الحفلة التي كنت أقضي فيها شهور العسلِ التسعة، بحبوحة لا مثيل لها، المشيمة فيها كيدِ الله»، هكذا سردَ ليَ دوريان قصته مع
الذباب، وأما وفيما يخص التفاصيل الاخرى، فلقد أشارت عليه جدته أن يزور العجوز الغجرية في القرية المجاورة، والتي كانت تحضر الأرواحَ "بأسعارٍ مخفضة" على حد قولها، ولقد شددت على هذه المعلومة وأعادتها على مسامعه، وكأنما هناك سوقٌ تنافسية محتدمة لتحضير الأرواح، ولكنه قد أسلمَ أمره...
لإقتراحها بالنهاية، ولقد زار هذه العجوز بعد أن شد الرحال إليها برجليه العاريتين لإيمانهِ العميق بتراث الإنسانِ الحافي القدمين كما أسماه، وربما تأثر ببعض الطوائف الهندية الصوفية والذي كان يتحدثُ عنها بإستفاضةٍ وبإعجابٍ كان يلتمع في عينيه، ولدى وصوله القرية وجدها فارغة مهجورة..
إلا من كوخٍ واحدٍ ومُتداعٍ أيقن فيه مسكن العجوز، ولقد أعاد إليهِ منظرُ القريةِ الشاحبِ الضبابي والكوخِ المهترئ صولاته وجولاته مع الأدبِ القوطي في مراهقته، وتوقف قليلاً ليتذكر إدجار آلان بو ثم لتخطر بباله عشيقة مراهقته التي كانت تشاطره هذا الإهتمام، والتي كانت تعيره هذه الكتب..
من مكتبة أبيها الفخمة والمهيبة والمزركشة وفقاً للطراز المعماري القوطي، مع جدارٍ مُقابلٍ لأحد الأرفف علقت فيه لوحة التنين الأحمر لوليام بليك، وتمثال يتوسط المكتبة لمخلوق شيطاني مجنح ذو مخالب بارزة وقرون لولبية متداخلة فيما بينهما بطريقة متناهية بدقتها وأصالتها....
ولدى دُنوهِ من ذلك الكوخ المتضعضع البنيان الذي أثبتت مخيلته جدارتهُ الفانتازية، سمع أصواتَ قرعٍ للطبولِ أثارت حفيظته دون أن يعي لذلك سبباً، إن قرع الطبول يرمز له كما لإنسانِ الغابِ الدعوة للحرب، ولدى دوريان ذكرى مبهمة غامضة لا تمت له بصلة وكأنها قد أُلصقت عمداّ بذاكرته..
ذكرى يتباطؤُ فيها الزمن وتتموج الأشياءُ فيها من حولهِ مُرتجةً مُهتزة، تنطبق فيها الأبعاد الثلاثة على بعضها وتمتزج، العالم يغدو ثمِلاً مثل بحارٍ إسكتلندي موشوم بأسم حانته المفضلة في دابلن وبعشيقته الصهباء يرتدي تنورة وقبعة كابتن حفرت عليها جمجمة ضابط بريطاني،كان هذا المشهدُ يحضره
أثناء تداعي هذه الذكرى، لتتحول ذاكرته إلى مِسلاطٍ يُسقِطُ ضوءَ طيفها على كُلِ ما يحوطُ به، يغدو العالم مشكاةً يشع منها ضوء هذا المشهدِ بالذات، وهو كالتالي«تنتابني رعشة وأرتعد مثل مجذوم، تتقيحُ ضلوعي وتنضغط مُقلتيَ إلى الداخل، في مساحة شاسعة وصحراوية، عارٍ دون ملابس ربي كما خلقتني
إلا من ورقِ توتٍ كان يغطي عورتي مثلما غطاها أبونا آدم، مُنبطحاً على هذه الارض القفرة الجافة أسيتقط مُصوباً نظري إلى الشمس ليخترقَ شعاعها شبكيتي وتحرقها، كأنما قد إسيتقظت من غيبوية طويلة لم أرى فيها الشمس منذ عدة شهور، حواسي معطلة إلا من حاسة النظر، ثم تعودُ إليَ حواسي بالتدريج..
فما إن أرفعَ رأسي إلا وتهتزُ طبلة إذني من دقِ طبولٍ فجائي، ثم لأجد من أمامي قبيلة كاملة من الزولوس يحملون عصيهم وحرابهم مصوبينها نحوي، وشامانهم يا جيرمي..، شامانهم يأتيني ويهمسُ بأذني"ذبيحة للرب..، طعام لذيذ..، وليمة مقدسة»، ثم يشير ليَ بيده نحو بطني، لينقضَ عليَ ثلاثةٌ منهم..
فيبدؤون بغرزِ أنيابهم في بطني ناهشينهُ نهشاً مُلتهمينَ إياه والدماء تفور مثل نافورة تغطي المكان بأكمله، ويبدأ الشامان بغرز سكينه وإستئصال جميع أعضائي، ثم أستلقي برأسي من اليأس وأنا أزعق وأستنجد بلغة غريبة تشبه نعيق الغراب، لغة بدائية إحفورية غير مفهومة..
لساني ينطق بها ويتقنها ويلوك الكلام فيها بطلاقة وحِرَفية عالية، ثم وبعد هذا الطقس يتوقفُ القرعُ على الطبول، ويركع الجميع لمجيئِ شبحٍ ما مجنح، ملاك أو شيطان أو شيءٌ من هذا القبيل، ثم يدنو مني هذا الشبح ليمسح على وجهي لأجد نفسي وقد عدت إلى حياتي الطبيعية وتتلاشى الذكرى..»
إن كلاماً كهذا كان يترك عليه إنطباعَ الجنون، ولقد كان يعلمُ بذلك لذا إحتفظ بهذه الذكرى لنفسه ولم يشاركها أحداً إلا أنا، وأولُ ما خطرَ ببالي حينما سمعت سيناريو آكلي لحوم البشر هذا هو أن هذه الذكرى تعود إلى ما قبل التاريخ، إلى الحرب الأهلية بين الهوموسيبيان والنياندرتال...
حقبة ضاربة بالقدم كان الإنسان فيها أكثرَ حمقاً بقليلٍ عما هو عليهِ الآن، ولكن كيف عايشَ هذه الذكرى ؟، ذلك هو السؤال الذي حام حول رأسي وراودني أثناء هذا السرد الطويل لمآساة رجل أعزل يستنجد بلغة الغربان، فقلت ربما كان هذا الرجُلُ أحدَ أسلافِ دوريان القدامى، وربما إنتقلت ذكرى موته..
والصدمة التراجيدية قُبيلَ موتهِ إلى حفيدهِ رقم مليار، ربما ومن فرط إستثنائيتها نُقشت كرمز يحفظ تراث هذه السلالة الشهيدة، حُفرت في ذاكرة صدمية عابرة للأجيال والحقب، ذاكرة وراثية متعدية للزمان والمكان، لقد سلبت هذه الخاطرة لُبَ أفكاري، ماذا لو كان كذلك ؟، أم هي مجرد هلوسات ؟..
ولكن دوريان لم يتعاطى بحياتهِ أيَ عقارٍ مخدر أو حتى صِنفاً من أصناف الفطر المهلوس، وليس عنده تاريخ عصابي مرضي ولا صرع ولا أي مرض أو متلازمة عقلية، إن عقله مصقول أملس نظيف كالصابونة...
ثم قال لها برجاء«أتستحضرين الأرواح ؟..، أريد إستحضار روح ذبابة قد تحمل مفتاح هويتي الضائعة، تعرفين.. الذات وما إلى ذلك..، لستُ براهمياً أو ناسِكاً تصلبت عضلاته لإفتراشهِ الأرضَ ألفَ سنة في كهفه منتظراً وحياً ما ليتدلى له من حافة السماء كطُعمٍ لذيذٍ من سنارةِ الرب، أنا مجرد...
مُستهلكٍ عادي يبحثُ عن أبرة في كومةٍ من القش»، قالت«روح ذبابة ؟، أمهلني دقيقة..، إجلس هناك على ذلك الكرسي»، قال في نفسه«الكرسي ؟...، الكرسي الذي يحول الآدميَ إلى شمبانزي ؟»، ثم قال لها«لا أحبذ الجلوس في جلسات إستحضار الأرواح..»، ثم ردت وبكل برود«لا بأس؛ إن حرية العميل جوهرية»..
ثم تصلب في مكانهِ وذهبت هيَ لتتفقد صُندوقاً ما في الغرفة، وإستخرجت منه مجسمين كبيرين لذبابة، وإقتربت منه وهي تحملهما بيديها وقالت بعد أن بسطتها أمامه«أيُ الذبابتين كانت ؟»، ثم بدأ يحدق بعينيه بالمجسمين ولقد إحولت عيناهُ من الحيرة ثم قال وبكل ماتحمله العشوائية من معنى«هذه !!»..
ولقد أشارَ إليها بإصبع السبابة الذي تصلبت عظمته مثل مسطرةٍ في إستقامتها من فائضِ ثقتهِ بنفسه، ومن ثم وضعت كل ما أبدعته يد الله من الأعشابِ والنباتاتِ في فُرنِ المبخرة، وأشارت على دوريان أن يتجرعَ مادةً لزجة خضراء وقالت«إشربها ثم تمدد على الأريكة»، فشربها وتمددَ على الأريكةِ..
وكتب في مؤلفهِ "تأملات ذبابة" التالي«..............»، ولذا إضطررت الذهابَ إلى العجوز الغجرية بنفسي لأعرف ما جرى له، وفي طريقي إلى هناك لاحقتني ذبابة كرتاوزيةِ الظهر..
جاري تحميل الاقتراحات...