شاهد الأميبا بينما كانت تنزلق وتتزلج بأقدامها الكاذبة على سطح العينة ذات الغطاء الزجاجي، كانت تسرحُ وتمرح وتغني بترددات غير مسموعة لصديقنا، كان جسدها يتقلص ويتمدد كالمطاط وشكلها الزئبقي الغريب يحدث في نفسه تساؤلاتً كثيرة، وأدرك منذ أمدٍ أن بينه وبين هذه الأميبا صلات قرابة بعيدة..
وضبابية ومخجلة بعض الشيء، ألصق بؤبؤ عينه اليسري فتغلغص في فوهة منظار المجهر الذي عرى عالم هذه الأميبا السري والمنطوي على ذاته، أزال عنه خصوصيته الميكروية، ثم رأى صديقته أميبينا التي وجدها بالصدفة في عينة لمياه مستنقع، ولقد أجرى عليها عدة تجارب أمتنع عن التكلم عنها...
لقد تكونت بينه وبين أميبينا صداقة فريدة من نوعها، صداقة متجاوزة للنوع والمنشأ الأحيائي، علاقة أفلاطونية مربكة بين إنسان وأميبا، ومع أن عمرها لن يتعدى اليومين وأنه سيجدها منقسمةً إلى مئات ومئات من الأبناء والأحفاد والأجيال، وسيرتعب لتفجر نواتها ليرى أشلائها ملقاةً في كل مكان...
مثل نشارة الخشب التي تُنشرُ على أرضيةِ الحاناتِ بعد إنسكاب الخمر عليها، وعندما وجدها صديقنا وجدها بجانب عدة مئات من بني جنسها، ولا حيلة له في أن يفرق بين هذه النسخ المتماثلة ليحزر أيها أميبينا، لذا أخذ صاحبنا يدعو كل أميبا تقع عينيه عليها "أميبينا"، وبهذا خلق صاحبنا..
جنساً كاملاً من الأميبا وأسماهُ أميبينا، ودعم فكرته هذه بإستحالة الوقوع في حب مخلوق ذا خلية واحدة، ولذا ظن أنه وبتسميته حشداً منها بأميبينا ستتعقدُ مُتحدةً لتكون شريكه الروحي الذي سيتقاسم معه الخبز طوال حياته، وأمعن التفكير بالخبز وقال«أميبا تأكل الخبز ؟، إن أردتُ تحقيق ذلك فعلي
إذاً بالزواج من فطر العفن، إن النظام الغذائي المشترك أساسي لنجاحِ أيةِ علاقة»، لقد كانت تلك فكرته في اليوم الأول، وأما الأميبا فلقد كان وعيها كوعي حبة الفستق، لم تشعر بأي شيئ ولم تشعر بأي تغير، لم يفرق معها وجودها في بركة قذرة في جو رطب أو في غرفة مكيفة مع إنارات بيضاء تتوهج..
كانت بجسدها الهلامي تلتصق عن طريق الخطأ برفاقها، وتتسنى لهم ولبضعة ثوانٍ فرصة أن يلتصقوا بأجساد بعضهم صانعين بذلك كعكة هلامية كبيرة محققين بالصدفة نبوءة صديقنا ليكونوا الوحدة الواحدة المنشودة، ولكن سرعان ما تنهار هذه الكعكة مؤذنة نهاية هذا الفلكلور الأميبوي...
ولسببٍ ما لم تكن هذه الأميبا تحبذ إستعراض فلكلورها أمام صاحبنا، لقد كانت منغلقة على ذاتها مثل قبيلة منعزلة بجزيرة على جبين الكوكب، وربما كانت هذه التجسسية ما تثير إرتيابهم، أو كن يخفن سوء الفهم والتحيز الشائع في مثل هذه الدراسات الثقافية، وباليوم الثاني توفيت أغلب الأميبا..
لعدم توفر الأكسجين في الغرفة، والتي كانت مجهزةً بأداةٍ تفرغها من الأكسجين من تلقاء نفسها لتقتل أيَ شكلٍ من أشكال الحياة مانِعةً إنتشار أيِ عدوى محتملة في هواء المكان، وبعيداً عن الدقة العلمية لهذه الطريقة الكوارثية السينيمائية الفانتازية...
جاري تحميل الاقتراحات...