كُنتُ في صغري أصنعُ التهويدات للأطفال والقادمين الجدد إلى عالمنا، وأتذكرُ الكثيرَ منها حتى الآن، كُنتُ أُرحِبُ بهم في عالمنا بالموسيقى، ويأتيني بعضهم إذا كبر ليسألني عما إذا أتذكرها«أتتذكرُ تهويدتي تلك ؟، أسمعني إياها مرةً أخرى»، وكُنتُ أرى في محياهم ذلك الحنينَ إلى الطفولة...
لعلهم لم يكبروا كثيراً فهم صغار حتى الآن، بل حتى أطفال أيضاً ولكنهم يشتاقون إلى تلك الفترة الذهبية من الطفولة، التي تنصع بين ذكرياتهم جميعها، كانوا يرونَ فيني تجسيداً لذاكرة تلك الحقبة، مرآة يبصرون بها الماضي، وكُنتُ أنا مخطوطتهم المنسية، النقش الحاضر لإحياء تلك الأزمنة الضاربة..
في القدم، الكثيرُ منهم من أقاربي ولم يحظوا بأباءَ حنونين في كثيرٍ من الأحيان، فكُنتُ أنا ربما من يمدهم بذلك ولو قليلاً، وربما يتصورني أحدكم كعجوز يتوكأ على عصاه يجول الطرقات وحيداً في عز الظهر، ولكن هذا غيرُ صحيح بل على العكس، هل أوحي بأنني عجوز في بعض الأحيان ؟، لا بأس إذاً..
كانوا يرددون منشدين بأسمي في الزيارات العائلية المعتادة بالأعياد«أحمد! أحمد! أحمد!»، كُنتُ أميلُ إلى الصغار دوماً وحاولتُ الإبتعاد عن ملل الكبار منذ ذلك الحين وحتى الآن، فكلامهم يتمحور حول الموت والتملك وكل هذا الهراء الذي لا فائدة منه، أتسللُ إلى الصغار لألعبَ معهم...
ولأخلق من المكان حضانة كبيرة!!، هناك كانت طاقتي تزداد وحيويتي، كانت تأملاتي وأفكاري تتدفق وتنهمر، الإبتسامة ترتسم، التفكير والفضول يبدأ، «أحمد!! إنظر سأقفز!!»، «إنظر إلى لعبتي أليست جميلة ؟»، كانوا متعطشين للإهتمامِ وذلك مما لحظته فيهم، كُنتُ أشعُرُ بغصة عندما أرى تدافعهم..
لم يكن لهم آباءٌ مثاليون، كانت الأفكارُ والحركاتُ تنهمر كسيلٍ من نهر، «أحمد أنتَ قمر!!»، كانوا يتفقون على كلمةِ مديح ثم يأتوني متراصينَ من خجلهم ربما وترددهم مني، هذا العالمُ الرائع الذي لم أخنه ولا أتمنى خيانته، التساؤل والمرح والفضول والحيوية، لا تتلوثوا بعالم الكبار كثيراً..
فالحياة ليست أن تعيش طفولتك مرحاً لتكمل حياتك حتى النهاية مملاً بائساً سلبياً رابِضاً أسفلَ صخرة، لا يجب لهذا المسار أن يغدو حتمياً أبداً، فالمرح والسعادة والحب هم الأساس، وإن كانت هناك غايات بائسة أخرى فهي تصوب للموت بكل تأكيد.
جاري تحميل الاقتراحات...