-١-
"التلفزيون خطرٌ على الديموقراطية"
لم تصدر هذه العبارة عن أحد زعماء الجمهوريات "الديموقراطية" في العالم العربي، بل صدرت عن الفيلسوف "الليبرالي" كارل بوبر، الذي عدَّ الحريةَ مفهومًا رئيسًا في فلسفته.
فلماذا حذّر هذا الفيلسوف من حرية التلفزيون ؟
وما علاقة ذلك بالتربية؟
"التلفزيون خطرٌ على الديموقراطية"
لم تصدر هذه العبارة عن أحد زعماء الجمهوريات "الديموقراطية" في العالم العربي، بل صدرت عن الفيلسوف "الليبرالي" كارل بوبر، الذي عدَّ الحريةَ مفهومًا رئيسًا في فلسفته.
فلماذا حذّر هذا الفيلسوف من حرية التلفزيون ؟
وما علاقة ذلك بالتربية؟
-٢-
يرى بوبر أن مفهوم الديموقراطية بمعنى (حكم الأغلبية أو سيادة الأغلبية) مفهومٌ يؤسس لديكتاتورية الأغلبية، وأن جميع فلسفات السياسة كانت تطرح سؤالًا خاطئًا هو: "لمن يكون الحكم؟"
لذا طرح سؤالًا آخر هو: "كيف ننظم المؤسسات السياسية بما يمنع القادة السيئين من الإضرار بالمجتمع؟"
يرى بوبر أن مفهوم الديموقراطية بمعنى (حكم الأغلبية أو سيادة الأغلبية) مفهومٌ يؤسس لديكتاتورية الأغلبية، وأن جميع فلسفات السياسة كانت تطرح سؤالًا خاطئًا هو: "لمن يكون الحكم؟"
لذا طرح سؤالًا آخر هو: "كيف ننظم المؤسسات السياسية بما يمنع القادة السيئين من الإضرار بالمجتمع؟"
-٣-
ونتيجةً لطَرْحِ هذا السؤال تَبَنّى بوبر نظرية "القيود والموازنات" التي تسعى إلى تقييد حريّة السلطات في ممارسة سياسات سيئة، ووفق هذه النظرية لا يجب إعطاء سلطة مطلقة لأي سلطةٍ أو مؤسسة حتى لا تتغوَّل، لأنَّ تغوُّل أي سلطةٍ يهدد الديموقراطية حسب العقلانية النقدية.
ونتيجةً لطَرْحِ هذا السؤال تَبَنّى بوبر نظرية "القيود والموازنات" التي تسعى إلى تقييد حريّة السلطات في ممارسة سياسات سيئة، ووفق هذه النظرية لا يجب إعطاء سلطة مطلقة لأي سلطةٍ أو مؤسسة حتى لا تتغوَّل، لأنَّ تغوُّل أي سلطةٍ يهدد الديموقراطية حسب العقلانية النقدية.
-٤-
من هنا تحدَّث بوبر عن سلطة التلفزيون في بدايات التسعينات قائلًا:
"لقد اكتسب التلفزيون سلطةً كبيرةً جدًّا في فضاء الديموقراطية، ولا يمكن لأي ديموقراطية أن تحافظ على ذاتها ما لم تضع حدًّا لهيمنته"
ولكن ما علاقة ذلك بالتربية؟
من هنا تحدَّث بوبر عن سلطة التلفزيون في بدايات التسعينات قائلًا:
"لقد اكتسب التلفزيون سلطةً كبيرةً جدًّا في فضاء الديموقراطية، ولا يمكن لأي ديموقراطية أن تحافظ على ذاتها ما لم تضع حدًّا لهيمنته"
ولكن ما علاقة ذلك بالتربية؟
-٥-
يرى بوبر وكثيرٌ من فلاسفة التربية أن الفعل التربوي لا يُمارس على الطفل مباشرةً، بل يُمارَس على البيئة، بمعنى أننا ننظم البيئة حول الطفل لتكون داعمةً لنموِّه النفسي والعقلي والروحي والجسدي.
لذا يصعب أن نربي أبناءنا على أمورٍ لا تدعمها البيئة وخصوصًا البيئة الاجتماعية.
يرى بوبر وكثيرٌ من فلاسفة التربية أن الفعل التربوي لا يُمارس على الطفل مباشرةً، بل يُمارَس على البيئة، بمعنى أننا ننظم البيئة حول الطفل لتكون داعمةً لنموِّه النفسي والعقلي والروحي والجسدي.
لذا يصعب أن نربي أبناءنا على أمورٍ لا تدعمها البيئة وخصوصًا البيئة الاجتماعية.
-٦-
وقد غدت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي الافتراضيّة عنصرًا عظيم التأثير في بيئة الأطفال، بل إن تأثيرها قد يكون أعظم من تأثير الأسرة والمحيط الاجتماعي الحقيقي، وهذا ما يمكن ملاحظته لدى الأطفال الذين يتعلمون كثيرًا من القيم والأفكار غير المطروحة في بيئتهم الاجتماعية.
وقد غدت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي الافتراضيّة عنصرًا عظيم التأثير في بيئة الأطفال، بل إن تأثيرها قد يكون أعظم من تأثير الأسرة والمحيط الاجتماعي الحقيقي، وهذا ما يمكن ملاحظته لدى الأطفال الذين يتعلمون كثيرًا من القيم والأفكار غير المطروحة في بيئتهم الاجتماعية.
-٧-
وباسم حرية الرأي وحرية الإعلام اكتسبت منصات التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية العالمية صفة السلطة غير المقيَّدة، ونتيجةً لذلك بات من الصعب على الأسرة أن تتحكّم في بيئة الطفل من دون ممارسة نوع من التعسف في إبعاد الطفل عن تلك المنصات وهو أمرٌ بالغ الصعوبة.
وباسم حرية الرأي وحرية الإعلام اكتسبت منصات التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية العالمية صفة السلطة غير المقيَّدة، ونتيجةً لذلك بات من الصعب على الأسرة أن تتحكّم في بيئة الطفل من دون ممارسة نوع من التعسف في إبعاد الطفل عن تلك المنصات وهو أمرٌ بالغ الصعوبة.
-٨-
وإمعانًا في تقليص دور الأسرة، نجد في كثيرٍ من دول الغرب تَضَخُّمًا في السياسات الحمائية لحرية الطفل، وقد تبدو هذه السياسات داعمةً للحرية في ظاهرها لكنها في الحقيقة ليست سوى تقليصٍ لسلطة الأسرة لصالح سلطة المجتمع و"الأغلبية" التي تمثلها مؤسسات المجتمع الرسمية والمدنية.
وإمعانًا في تقليص دور الأسرة، نجد في كثيرٍ من دول الغرب تَضَخُّمًا في السياسات الحمائية لحرية الطفل، وقد تبدو هذه السياسات داعمةً للحرية في ظاهرها لكنها في الحقيقة ليست سوى تقليصٍ لسلطة الأسرة لصالح سلطة المجتمع و"الأغلبية" التي تمثلها مؤسسات المجتمع الرسمية والمدنية.
-٩-
فمثلًا: تُظْهِر السياسات المتعلقة بتقبُّل المثلية في الغرب أن الفعل التربوي (بوصفه فعلًا موجَّهًا إلى البيئة لا إلى الطفل) بات فعلًا مستحيلًا نتيجة ممارسة الديموقراطية بوصفها (حُكمَ الأغلبية)، وقد صُودِرَ حقُّ الأسرة في تربية أبنائها لصالح مؤسسات كالمدرسة، والشركات التجارية…
فمثلًا: تُظْهِر السياسات المتعلقة بتقبُّل المثلية في الغرب أن الفعل التربوي (بوصفه فعلًا موجَّهًا إلى البيئة لا إلى الطفل) بات فعلًا مستحيلًا نتيجة ممارسة الديموقراطية بوصفها (حُكمَ الأغلبية)، وقد صُودِرَ حقُّ الأسرة في تربية أبنائها لصالح مؤسسات كالمدرسة، والشركات التجارية…
-١٠-
لذا فإن "تربية الحريّة" أصبحت شبه مستحيلة في مناخ تلك الدول التي تتغنّى بالحرية، لأنها سمحت بتغوُّل سلطةِ خطابٍ ما مقابل جميع الخطابات، بالإضافة إلى تغوّل المؤسسات الإعلامية باسم الحرية، وهذا مثال على ما أسماه بوبر "مفارقة الحرية" التي تعني أنَّ الحرية المطلقة تؤدِّي إلى…
لذا فإن "تربية الحريّة" أصبحت شبه مستحيلة في مناخ تلك الدول التي تتغنّى بالحرية، لأنها سمحت بتغوُّل سلطةِ خطابٍ ما مقابل جميع الخطابات، بالإضافة إلى تغوّل المؤسسات الإعلامية باسم الحرية، وهذا مثال على ما أسماه بوبر "مفارقة الحرية" التي تعني أنَّ الحرية المطلقة تؤدِّي إلى…
جاري تحميل الاقتراحات...