ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

28 تغريدة 431 قراءة Jul 01, 2023
مملكة إسلامية في البرازيل ظهرت في القرن السابع عشر، وقادت نضالاً بطولياً ضد الاستمعار الأوروبي.
اسسها زومبي .. الذي شوهته هوليوود!
حياكم تحت
في التاسع من مارس 1500م، غادر أسطول برتغالي مكون من 13 سفينة ميناء لشبونة باتجاه الهند، وذلك بغرض التجارة وفتح آفاق استعمارية جديدة أمام أوروبا، لكن قائد الأسطول "بيدرو ألفاريس كابرال" ضل طريقه في عمق المحيط، واستسلم ومعه الأسطول للتيه والضياع.
المسير طويل والأيام تمضي ولا أثر لأي يابسة قريبة، السير وئيد وبحر الظلمات ينشر أصفاده، وفي ذروة اليأس وانغلاق أبواب الأمل، يتلاقى الأسطول مع طير في السماء، ليصرخ أحدهم: إنها اليابسة، وبالفعل كانت يابسة، لكنها مختلفة عن أي أرض وطأتها أقدامهم قبل اليوم!
في 22 أبريل 1500م حط الأسطول على ما أطلقوا عليه لاحقاً "مونتي باسكوال" وهو الساحل الشمالي الشرقي للبرازيل حاليا، ترجل الملاحون من على سفنهم، ليجدوا أمامهم جموعًا من السكان الأصليين، فلم يكن منهم إلا أن تواصلوا معهم بلطف وقدموا الهدايا أملًا في مزيد من الاستكشاف لتلك اليابسة.
بعد الاستكشاف ومزيد من البعثات وسحق وحشي واستعباد مرير للسكان الأصليين، أحكمت البرتغال سطوتها على تلك اليابسة الجديدة، وتعاملت مع هذه الأرض التي سميت لاحقا بالبرازيل كمستعمرة خاصة بها، وراحت تبحث في كيفية الاستفادة منها.
يومًا بعد آخر بدأت تفصح البرازيل عن كنوزها المطمورة، فبالإضافة إلى تصدير أخشاب "باو برازيل" الثمينة والتي أتى منها اسم البرازيل، تكشفت كثير من مناجم الذهب والأحجار الكريمة، وعثر هناك على كثير من النباتات والمحاصيل الزراعية المختلفة التي لم ير بشر الشاطئ الآخر مثيلا لها من قبل.
في منتصف القرن السادس عشر وأمام توسعها في استنزاف كنوز البرازيل، وجدت البرتغال ذاتها أمام نقص في العمالة، حيث لم تعد أعداد السكان الأصليين المستعبدين كافية، لذلك وبدون تفكير وبنظرة فوقية بغيضة، قامت باستيراد العبيد من أفريقيا عبر المحيط الأطلسي.
مع ضخامة الكنوز المفرطة الزاخرة بها أرض البرازيل حينذاك، جلبت البرتغال إلى مستعمرتها الجديدة عبيدًا أكثر من أي دولة أخرى، حيث وصل عدد الرقيق الأفريقي في البرازيل حينذاك وخلال قرنين من الزمان، ما يقرب من 4.9 مليون شخص.
تلك الأعداد المهولة من المستعبدين، كانوا نتاجًا لجهد وحشي من قبل عصابات صيد البشر في أفريقيا، والذين كانوا يباغتون القرى الأفريقية ومواطن القبائل ويختطفون ما يستطيعونه من سكان، كي يكونوا مادة للاستعباد وعقد الصفقات البخسة مع سفن الأوربيين التي تنتظر على السواحل.
مكبلين في قاع السفن، يتم نقل هؤلاء البشر تحت ظروف تكدس مميتة، ومن يمت يُلقى في البحر، ومن يستمر حيًا، تنتظره ميتات أخرى لا تحصى من السخرة والاستعباد والوحشية المفرطة من قبل مستعمر لا يعرف الرحمة، وحشية جعلت متوسط أعمار هؤلاء العبيد لا يتجاوز 23 عاما في المتوسط.
معظم العبيد الأفارقة الذين قدموا إلى البرازيل كانوا مسلمين يحفظون من القرآن ما تيسير بل ويجيد كثير منهم العربية، وعلى الرغم من تنصيرهم عنوة على يد البرتغاليين؛ إلا أن قطاعات كبيرة منهم حملت الإسلام سرًا في قلوبها وحافظوا عليه لم يمس، ومارسوا صلواتهم في خفية من "الأسياد الأوربيين"
اضطهاد متواصل وفتك من قبل البرتغاليين بكل مسلم يُظِهر إسلامه، ظلم وسرقة لحياة هؤلاء البشر تحت رايات استعباد وغبن منقطع النظير، دفعت كثير من العبيد إلى الهرب والعيش في كنف الأحراش والغابات فرادى، لكن بعد أمد صار الفرادى جماعات.
وجد المستعبدون الهاربون شعاع ضوء يزف ذاته إليهم حين وطأت أقدامهم منطقة "بالماريس"، والتي كانت محصنة بشكل طبيعي، الأمر الذي جعلها اختيارا مثاليا للإقامة، فكانت النواة الأولى لاتحادهم على هدف واحد، ألا وهو العيش أحرارا وعدم الاضطرار لإخفاء دينهم، والنجاة من الظلم والاضطهاد.
في بالماريس أو أنغولا الصغرى ومع تزايد أعداد الفارين من بأس العبودية، أسس هؤلاء الأحرار دولتهم المستقلة، وللمصادفة كان معظمهم من أصول أنغولية، ولم يمض كثير من الوقت حتى اكتفوا ذاتيًا عبر الزراعة وصيد الأسماك والتجارة وأصبحت دولتهم أشبه بمملكة أفريقية في قلب العالم الجديد!
كانت مملكة شديدة الخصوصية تضم بين دفتيها معظم المستعبدين الهاربين وكذا بعض البيض من الفقراء وبعضًا من بقايا السكان الأصليين، ذلك الخليط كان يحكمه "جانجا زومبا" الذي كان من سلالة ملكية أفريقية، في نظام اجتماعي أفريقي تكافلي متكامل، وكان لهذه المملكة جيشها الخاص.
تصدت مملكة بالماريس بجيشها لأكثر من خمس حملات برتغالية هدفت إلى إبادتها خلال القرن السابع عشر، ليس هذا فحسب بل كان جيش هذه المملكة يغير على المستوطنات القريبة ويكتسب كل يوم أرضًا جديدة، كل هذا في إطار اكتفاء ذاتي واستغناء تام عن الأعداء بفضل الزراعة وغيرها.
في ظلال هذه المملكة وتحديدًا عام 1655 ولد "زومبي دوس بالماريس" وهو ابن أخت "جانجا زومبا" حاكم بالماريس حينذاك، ولد حرًا، لكن في سن السادسة من عمره وقع في أسر البرتغاليين حيث تمت محاولة تنصيره وإخضاعه، لكن حياة العبودية لم تدم كثيرًا حيث استطاع الهرب وهو في سن الـ 15 من عمره.
عاد زومبي إلى مسقط رأسه بالماريس عام 1670، وعلى الرغم من حداثة عمره عُرف عنه قوته الجسدية ومكره في المعارك وكان إستراتيجيًا عسكريًا مخضرمًا، عاش سنوات قليلة في ظل حروب متواصلة مع البرتغاليين قبل أن يغير المستعمر إستراتيجيته مع بالماريس العصية على الاختراق.
حيث جاء أحد مبعوثي البرتغاليين عام 1678 حاملًا غصنًا من الزيتون ودخل بالماريس، وعرض على حاكمها "جانجا زومبا" صفقة تسوية تقضي بإعطاء الحرية لكل مستعبدي مملكته شرط أن تخضع المملكة لحكم البرتغاليين، وهو أمر فضله جانجا زومبا ورأى فيه طيًا لصفحة الصراع، لكن كان لزومبي رأي آخر.
كان "زومبي" حينذاك قد ترقى في المناصب حتى أصبح قائدًا لجيش مملكته، لم يتفق تمامًا مع خاله زومبا في مسألة قبول الصفقة، فهو لا يثق أبدًا في البرتغاليين من جهة، وكذلك يأبى أن ينال شعبه الحرية بينما بقية الأفارقة يظلون على نار الاستعباد، لم يكن من زومبي إلا أن خرج عن طوع خاله الحاكم
عبر أحداث واختلافات وانشقاقات، قُتِل الحاكم "جانجا زومبا" على يد أحد مساعديه وقيل على يد "زومبي" ذاته، وهو أمر على أية حال مهد الطريق للأخير كي يعتلي عرش المملكة ويرفض عبر منصبه الجديد عرض البرتغاليين، ويكمل مختارًا ومعه شعبه طريق المقاومة مطالبًا بالحرية لجميع المستعبدين.
زومبي، انطلق من فلسفته يجمع الناس حوله ويوحدهم على مقاومة المستعمر مطالباً بالحرية، واستجاب له كل أبناء مملكته، وصار في أعينهم وفي اعتبار كل المستعبدين بطلًا وقائدًا، وكما هو متوقع تصاعد التوتر مع البرتغاليين وسطر زومبي مع إخوانه ملاحم حربية خالدة.
استمر زومبي في الحكم وفي تلك المكانة الرمزية والفعلية مدة سبع سنوات، يقاوم ويدحر تحركات البرتغاليين ويحاول جاهدًا تحرير العبيد في كل الأرجاء القريبة، وذلك قبل العام 1694، وهو العام الذي احتشدت فيه القوات البرتغالية بكامل عتادها ومدفعيتها الثقيلة محاصرةً بالماريس.
استمر الحصار والقصف بالأسلحة الثقيلة مدة 42 يومًا قبل أن يستطيع البرتغاليون أخيرًا السيطرة على بالماريس والقبض على زومبي، تحديدًا في 6 فبراير 1694، بعد 67 عامًا من الصراع، ظلت فيه بالماريس رمزًا للحرية والانعتاق من العبودية، وصورة حية للمجتمع الأبي المكتفي بذاته.
في 20 نوفمبر من نفس العام قام البرتغاليون بحشد الناس في ساحة عامة وقاموا بقتل "زومبي" والتمثيل بجثته، ثم قاموا بقطع رأسه ووضعها على رمح، ونقلوها بين الساحات العامة في البرازيل إرهابًا للمستعبدين الباقيين وكسرًا لإرادتهم، وتبديدًا لأي أساطير قد تتحدث عن خلوده.
على الرغم من تدمير بالماريس وسحق مشروع الحرية الذي أزهر فيها على مدى قرن من الزمان، إلا أن نجاحها في الصمود وفي بناء ذلك المجتمع المثالي كان بمثابة المنارة التي ألهبت حركات تحرر العبيد فيما بعد وثوراتهم المتعاقبة التي عمت ربوع البرازيل وأمريكا الجنوبية.
رويدًا رويدا ومع جريان السنين تحت وطأة الاستعباد طُمِست جذور المستعبدين وقُطعت الصلة بينهم وبين الإسلام، عبر حملات تنصير واضطهاد ممنهجة، أجبر فيها المسلمين على ترك دينهم وتغيير أسمائهم، لكن رغم ذلك بقي الإسلام في تلك البلاد وبقي بعض المسلمين الذين يحظون هناك بحرية وترحاب شديد.
كانت البرازيل من أواخر دول العالم التي ألغت استعباد البشر عام 1888، أما "زومبي" فقد خُلِد اسمه في الثقافة البرازيلية المعاصرة كبطل قومي شجاع ورمز للحرية، حيث يحيون ذكراه في 20 نوفمبر من كل عام وهو يوم الذي قتله فيه البرتغاليون ومثلوا بجثته.
بات اسم زومبي في الثقافة البرازيلية مرادفا للخلود والحياة رغم الموت، وهو نفس المعنى تقريبا الذي تحمله الكلمة في أصلها الأفريقي القادمة منه، لكن حين انتزعها الشاعر الإنجليزي روبرت سوثي عام 1819 وضمنها إحدى قصائده، أخذها الغرب وحرفوها إلى ما باتت تعرف به من رعب وأشكال ذميمة قبيحة.

جاري تحميل الاقتراحات...