أخذت بوصيّة أستاذي، ومع الفجر اتجهت شمالا أنا وسيارتي الكريسيدا البيضاء كأحلامي، وتأبطتُ ملفّي الأخضر المحشوّ بالأوراق والتزكيات العلمية، وفي الطريق الذي يتوسّد الحرّة توسّدتني الهواجيس والرغبات.. أتشاغل بمذياع السيارة، برنامج (الأرض الطيبّة) الصباحي لعبدالكريم الخطيب يؤنس وحشتي!
سلكت الطريق الجديد الذي لم أسلكه قط، كان جديدا ومريحا للسالكين، رأيت في طريقي لوحات إرشادية كتب فيها: قديد، ثم الظبيّة، ثم وادي ستارة، ثم المواريد، ثم وادي الأكحل، ثم وادي الفرع، ثم اليتمة (أتمة ابن الزبير)، ثم خلص، ثم النقيعة، ثم اللثامة، ثم وادي ريم، ثم العشيرة ثم أبيار الماشي.
تراءى لي من بعيد جبلٌ أشهبُ معترض، لا هو حرّة ولا هو من الجبال التي أعرفها، (عرفت اسمه فيما بعد: جبل عَيْر) انعطف الطريق يمينا حين تجاوزته، فإذا المدينة منبسطة أمام نظري ببنيانها الأبيض والخضرة تحيط بها، وإذا منارات المسجد النبوي تشمخ إلى السماء. في تلك اللحظة أحسست بشيء في صدري،
شيء مبهم لم أعهده، مزيج من الانشراح والفرح والرهبة، سمعت دقات قلبي التي لم أسمعها طول الطريق، أخذ القلق يسري في عروقي مع الدم، كنت لا أبالي قبل رؤية المدينة، كانت الخطة البديلة (وزارة المعارف) تؤنسني، فلم يعد لهذه الخطة البديلة أي قبول بعد أن رأيت المدينة، القلق يسيطر!!
عند بوابة الجامعة قال لي البوّاب: أنت موظف؟ قلت: لا، أبحثُ عن وظيفة! قال: الله يرزقك، تفضل ادخل.. كانت منشآت الجامعة متواضعة ويجللها السكون والطمأنينة، الطرق والممرات عفوية كأنها شقت طريقها بنفسها، لا تكلّف في شيء، حتى الأشجار أقرب إلى الطبيعة، هنا كل شيء على طبيعته الأولى.
كل من أقابله يبادرني بالسلام، الفراشون والطلاب والأساتذة، ذقت السلام وشعرت بأنني في غير عصري، روح إنسانية إسلامية تسري هنا في هذه الجامعة.. لعلها بركة المكان، ولعلها بقايا من إرث الصالحين الذين أداروا هذه الجامعة.. عبدالعزيز بن باز، الألباني، الأمين الشنقيطي، حمّاد الأنصاري..
سألت أحدهم: أين كلية اللغة؟ وفي الكلية سألت آخر: أين مكتب العميد؟ قال العميد (الدكتور الدعجاني) في إجازة وذاك مكتب الوكيل (د.عايض الحارثي) ولكنه في إجازة أيضًا، قلت له: أين مكتب الدكتور علي ناصر فقيهي؟ (وكيل الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي) قال: في إدارة الجامعة.
اتجهت إلى إدارة الجامعة، قابلني شيخٌ خارجا من المبني، ألقى تحية السلام كالعادة، وخلفه رائحة طيب تتمدد، لم أشم مثله من قبل، التفتُّ إليه أنظر، ثم واصلت طريقي، لوحة مكتوب عليها: مكتب وكيل الجامعة للدراسات العليا، وبجوارها باب مفتوح، تردّدت، ثم دخلت، موظف يلبس غترة ولا يضع عقالا.
قلت للموظف: لو سمحت أين مكتب د. علي ناصر فقيهي؟ قال: ماذا تريد منه؟ قلت أريده؟ قال: أنا علي ناصر، تفضل، خجلت وارتبكت، دخل رجل وصبّ لي قهوة، قال الدكتور علي: أرى في يدك ملفا، هل تبحث عن وظيفة؟ قلت نعم، أنا من طرف د.محمد يعقوب تركستاني.. ابتسم وهشّ وبشّ،
قال: إذن تريد وظيفة معيد في اللغة! قلت نعم. تناول الهاتف وأجرى مكالمة، سمعته يقول: (استدعوهم الآن ليقابلوا الطالب فهو قادم من جدة) ثم قال لي: اذهب إلى شعبة الدراسات العليا بجوار كلية الشريعة، وستُجرى لك المقابلة اليوم إن شاء الله، ونتيجة المقابلة غدا، تجدها عندي هنا إن شاء الله.
جلست في أحد المكاتب في شعبة الدراسات العليا بجوار كلية الشريعة أنتظر لجنة المقابلة.. في الممر طالب أفريقي وآخر من آسيا يتحدثان اللغة العربية الفصحى.. استرقتُ السمع: يتدارسان مسألة لغوية من مسائل أصول الفقه، مسألة في حروف الجر، الطالب الأفريقي يسأل الآسيوي:
أجابه الطالب الآسيوي: تجد هذه المسألة مفصّلة في الجنى الداني في حروف المعاني للمرادي.. الجنى الداني، أعرف هذا الكتاب جيدا، وهو في مكتبتي.. وبعد ساعة ونصف رأيت ثلاثة من الأساتذة العرب المتعاقدين، استدعاني أحدهم إلى غرفة مجاورة، لإجراء المقابلة، التوتر والقلق يمتزجان بسكينة المكان!
جاري تحميل الاقتراحات...