Ο Αχμάντ | أحمد
Ο Αχμάντ | أحمد

@1Lacrimosa

13 تغريدة 2 قراءة Sep 18, 2023
كُنتُ حينها في الخامسةِ عندما ترائى ليَ شبحُ الموت، وكان رسوله مركبةً سوداء كبيرة إرتطمت بيَ بينما كنت احاول عبور الشارع؛ لألحق بأبي الذي عبرهُ ليرمي بالقمامة، ولكنه قد نسي إغلاق الباب أمام هذا الطفلِ الفضولي الذي اراد إكتشافَ هذا المكان الغامض الذي أسموهُ "الشارع".
صرخت بأعلى صوتي مستنجداً بأبي حتى تشققت شفتاي فبدأت بالنزيف؛ فسمعني رسولُ الموت ذاته وقد ترجل من مركبتهِ ليساعد أبي في إنتشالي، من حسن حظي أن الأصابات لم تكن خطيرة ولم اصب بشئٍ يذكر، ذهبوا بيَ إلى المشفى ثم أجروا عليَ عملية خاطوا بها شفتي، واصبحت أبكماً لا أنطق لفترة وجيزة.
ولم أتذكر إلا المشهدَ الذي كنت فيه ممداً والدماء تلطخني وجمهرةٌ من الناس قد تجمعوا عليَ كالذباب، وأيضاً عندما إصطحبوني إلى المشفى وخدروني للعملية، وأتذكرُ إستيقاظي بجسدٍ ملفوفٍ بالشاشِ وكأنني مومياءٌ فرعونية، حتى أني كنت أترقب تابوتي ليأتوا به، ولأن حركتي قد شُلت، شعرتُ بالعجزِ..
وظننت أني مُحنطٌ تماماً وأحسستُ بأنني قطعة جبس كبيرة مغلفة بإحكام، ومشهدٌ آخرُ أستحضرِهُ بصورةٍ سينمائية هو الجمع الغفير من النساء والأطفال الذين كانوا يحيطون بي من كل جهة كالحراس، نساء تبكي وأخريات يؤانسن أمي الحنونة وزملائي من الأطفال يضحكون وكأنما على عبثيةِ هذا المشهد..
وربما أدركوا ذلك قبلي فأسرعوا ضاحكين، وفي الأيام التي كنت أستعيد بها عافيتي حلمت بسلسلة من الأحلامِ الغريبة والمحملة بالرموز، وأتذكر أني كنت أنام مع جدتي حينها فهي أكثر من يحن علي في ذلك الوقت، لقد كانت أحلاماً متصلة مع بعضها، يوماً بعد يوم ذات المكان وذات الشخص...
في فناء منزلنا مع هيكلٍ عظمي كان يحادثني في أمرٍ ما، كان يقول أشياء كثيرة لم أفهمها، وإلى الآن أتذكر هيئته، لقد كان طويلاً جداً وكان يدخل علي حينما أكون نائما ليصطحبني معه إلى فناء المنزل، ولقد كانت هذه هي حالي لعددٍ من الأيام، ولا أدري حتى الآن من يكون، أهو الموت ذاته ؟..
ذلك ما خطر ببالي بعدها بسنين عندما كنت أتذكر هذا الهيكل العظمي، ولا ليست قصة خيالية، وهناك المزيد أيضاً مما جرى، لقد أثر هذا الحادث في منظور ذلك الطفل للموت، لقد أدرك ان الجميع معرض له، أنه عبثي وقد يحصل في أي وقت وبأي طريقة، أصبح متوجساً خائفاّ حتى أنه كان يقيس نبضه قبل أن ينام.
وكان بعد أن يخلد الجميع للنوم يتحسس أنفاسهم ويقرب إذنه ليسترق السمع إلى زفراتهم ليتأكد من أنهم أحياءٌ يرزقون، لقد كان يحاول أن يجنب عائلته ونفسه الموت، إتخذ لنفسه جميعَ أصناف الدفاعات المختلفة؛ فتارةً يتقربُ إلى الله، وتارةً ينصحهم بالإهتمامِ بصحتهم، كان أكثر من يقدر الحياة..
من بينهم لأنه واجه ضديدها والوجه الآخر لها ألا وهو الموت، هذين المفهومين المتلازمين أدركهما معاً في سنٍ صغيرة، ثم تقدم به العمر إلى أن وصل إلى سن المراهقة وبدأ يقود السيارة مثل ذلك الرسول الذي دهسه، وفي أحدِ محاولاته إرتطمت سيارةٌ بهِ من الأمام، والغريب أنه لم يصرخ، لم يبكي...
تبلد هناك وأحس بحرارة الدخان الذي قد تصاعد وبمزيج الروائح المنبعثة، وبالامبالاةٍ عجيبة ترجل من مركبته ولكن لم يصب بأذىً في هذه المرة، ملأ السكون عالمه وتذكر نفسه عندما كان طفلاً ثم إبتسم، رأى صاحب السيارة التي أوشكت أن تقتله وهو غاضب ويزعق ويشتم ولكنه ظل واقفاً يتأمله بإزدراء..
ثم إتصل على أبيه ومضى بلا إكتراثٍ حتى أن من رآهُ يحث الأرض بخطاه لن يفكر ولو للحظة أن حادثاً قد وقعَ له، كان يفكر حينها بحصة الفيزياء التي كان سيتأخرُ عليها إن لم يصل للمنزل بالوقت المناسب، عاد الى منزله وكأنه قد إستيقظ من حلم، نظر إلى كل شيئٍ بإزدراء وإجتاحته موجةٌ من العبث.
ثم ذهب إلى أمه وقال بها بكل برود"أمي لقد وقع لي حادث، لا تخافي لم أصب بأذىً، واهم شيئ هو انني لن اُلفَ كمومياء مثل المرة السابقة"، وبينما كان يمضى الى المدرسة تذكر الهيكل العظمي وتوصل إلى مغزى ثرثرته الغير مفهومة، ولم يتذكر اياً من كلامه إذ رجح أنه كان يتكلم بلغة تشبهه..
لغة العبثِ التي لم يفهمها احد، ثم تذكر سيزيف وقال"لم تسقط الصخرة، لا لم تسقط ولحسن الحظ لم اسقط انا معها، لقد جعلتني مفتول العضلات هذا ما فعلته، لقد زاد وزنها فقط، فقط الوزن نعم، ربما لم يحن آوانُ موتي، ولعل خطة موتي تتغير بين الحينِ والآخر، وربما أستحق الحياة أكثر من هؤلاء".

جاري تحميل الاقتراحات...