62 تغريدة 69 قراءة Jun 27, 2023
يوتوبيا المساواة!
ثريد..
يقال!
أنه الافكار والهيكل المجتمعي للبشر كان بنفس الطريقة منذ الخليقة، وأنه حسب التقدميين اليساريين، لم تجرب المجتمعات الإنسانية العيش بطريقة مساواتية، وأننا كبشر ذاهبون إليها فهي علامة تقدم الأمم!
فما صحة هذا الكلام، وهل فعلاً لم نجرب المساواة من قبل !!
نعود 100 عام للوراء !!
في طريق عودتها من العمل كصانعة أقفال، تمر ( ييلينا ) بـ "دار الرعاية العامة " لتأخذ إبنها ذو الثلاث سنوات، وتذهب به لـ"المطعم العام"
لتلتقي بزوجها هناك، العائد من العمل في المناجم، يحمل بيده الملابس التي تم غسلها في " بيت التنظيف العام" وليأكلوا الطعام معاً، ومن ثم يذهبوا للبيت معاً
لا أدوار محصورة بالمرأة فقط،
الأعمال المنزلية ورعاية الأطفال هم مسؤولية المجتمع كاملاً، وليس فقط الأم
هذه ليست رواية تخيلية لكاتب يساري في عصر ما بعد الحداثة، هذا واقع المرأة السوفييتية قبل 100 عام، يوتوبيا حقيقية!
بعد وصوله للسلطة، لينين متحفز جداً لبناء دولته الإشتراكية
لذا كان لا بد من بناء هوية جديدة للفرد السوفييتي
لينين لكي يحقق رؤياه، يحتاج كل رجال الإتحاد السوفييتي،
وكل نسائهم!
في العام 1919، وفي أول مؤتمر للمرأة
يعد لينين بمستقبل يمكن النساء للوصول إلى نفس مواقع الرجال
أصبح الإتحاد السوفييتي أول قوة عظمى تعطي النساء حق التصويت
لكن هذا لا يكفي
لانه حتى تنضم المرأة لصفوف العمال، عليها أن تتحرر من القيود الإجتماعية
لذا
تم لبرلة الطلاق ( أي تحريره )
وتقنين الإجهاض،
إستعان لينين بإمرأتين صنفن لاحقاً كـ ( نسويات روسيّات ثوريّات)
الأولى، أليكساندرا كولنتاي ك (People’s Commissar for Welfare)
أو وزيرة المالية
و إنيسيا أرماند، كخبيرة قانونية
Zhenotdtel "قامت أرماند وكولنتاي معاً بتأسيس "الجينيتل
وهو قسم في الحزب الشيوعي مخصص لـ " تحسين حياة النساء"
ليقوم هذا القسم بإرسال ممثلين لكل مؤسسات الدولة للحرص على تنفيذ هذا !
تقول كولنتاي: " بدلاً من أن تكون خاضعة وفاقدة للشخصية، يمثل أمامنا ليس مجرد زوجة، أو ظل رجل، ما يمثل أمامنا هو فرد مستقل"
تقول أيضاً: " هي لم تعد ملك نفسها، هي الآن تخدم الجموع، تنتج من لحمها ودمها وحدة عمالة أخرى"
قول كولنتاي أيضا:" في الطبيعة لا يوجد ما هو أخلاقي ولا أخلاقي، فالعائلة كمثال، هي كيان مصطنع لذلك هو عرضة للتغير"
كما طالبت بأن يكون الجنس غير مرتبط بالأخلاق، وأن تكون ضوابطه هي النظافة فقط !
ليبدأ بعدها الترويج لـ " المرأة السوفييتية الجديدة "
في مجلة ( رابونيتسا ) أو المرأة العاملة
ومجلة ( كريستيانكا ) أو المرأة المزارعة
كان الكثير من محتوى هذه المجلات عن كيف تحسن المرأة من نفسها كعاملة، وليس كزوجة أو ام أو أنثى
فمثلاً في أحد إصدارات مجلة رابونيتسا
أو حدادة أقفالLock Smith كانت تشرح كيف أنه يمكن للمرأة أن تعمل كـ
وكيف إنه عليها إرتداء مشد لعضلات البطن، وتشرح عن مضار حذاء الكعب!
لم يرى لينين ورفقاؤه أن هذه السياسات هي أخلاقية،
لكنها " إعادة تشكيل المجتمع حسب وجهة النظر الإشتراكية، لتحديث المجتمع"
Collectivization هنا ظهرت فكرة التجميع
أي، أنه تبديل المهام الفردية، بمهام جمعية
تقول " الرفيقة " أليكساندرا كولنتاي :" حتى نعطي المرأة فرصة إشراكها في العمل الإنتاجي، بدون كسر إرتباطها مع طبيعتها بالأمومة، على الجمع أن يقوم بالمهام المرتبطة بالأمومة، والتي تعتمد بشكل كبير على المرأة، والإعتراف بان مهمة تربية الأطفال لم تعد مهمة المرأة، بل الدولة"
كولنتاي
وبما أن كولنتاي هي رئيسة المالية، وقسم الـ " جينيتل "
قام الجينيتل بتطبيق هذه الأفكار على الواقع
فقام بتأسيس اماكن غسل ملابس عامة
ومطاعم عامّة
وإنشاء حضانات أطفال
هذا في كل مكان في الإتحاد السوفييتي
وفي المدن، تم الإعتماد على هذه المراكز بشكل كبير، وسريع
ففي مدينة بيتروغراد، والتي سميت لاحقاً بـ لينينغراد
كان 90% من السكان يأكلون من المطعم العام،
ونسبة 60% في مدينة موسكو !
في العام 1927، يصل ( جوزيف ستالين) للسلطة، وفي العام 1931 يعلن خط الـ " خمس سنوات " والتي هدفها نهضة متسارعة
يقول (ستالين):
" نحن خلف القوى الغربية بـخمسين أو مئة سنة، علينا أن ندركهم خلال 10 سنوات"
في العام 1927 ، يتم إقرار قانون حماية المرأة
حيث تم تسهيل الطلاق
وتم تأمين المطلقات بالمنفقة
بين العامين 1927 -1937
عملت 6.6 مليون إمرأة في أعمال صناعية كانت حكراً على الرجال
عملن في البناء، وفي المناجم، وصناعة الآلات
في العام 1930 كانت النساء يمثلن 28% من القوى العاملة الصناعية
لتصبح النسبة 42% في العام 1937
العام 1936
كان عاماً مفصلياً في التجربة الإشتراكية ويوتوبيا المساواة
فقد كان العالم يعيش تجاذبات كبيرة، وسباق تسلح كبير، وصراع على الموارد
أي أن الوضع الجيوسياسي في العالم لا يحتمل أي تجارب أيديولوجية
بل على كل القوى العظمى ( ومنها الإتحاد السوفييتي ) إعادة توجيه المجتمع نحو الحلول الواقعية والعملية
لذلك كان قيادة الإتحاد السوفييتي مضطرة أن تعيد النظر في تجاربها الإقتصادية والإجتماعية
على المستوى الإقتصادي، كانت تجربة إجتثاث "الكولاك" كارثية
فقد كان هدفها معاقبة من أصحاب المزارع الذين لديهم موظفين
ففي الإتحاد السوفييتي، الكل عمّال، ولا يوجد ملاّك
لكن محاربة أصحاب المزارع تعني محاربة المزارعين المهرة
مما سبب بمجاعة قتلت 6 مليون شخص!
أما إجتماعياً،
فيصف الكتاب The resurrection of the family ( إحياء العائلة ) الوضع الإجتماعي في الإتحاد السوفييتي نتيجة مطاردة هذه اليوتوبيا
أولا : تأثير السياسات على إستمرارية مؤسسة الزواج والعائلة
تم تعديل قوانين الطلاق في العام 1927، حيث تم تسهيله بحجة " لكي يعكس متغيرات الحياة المعاصرة"
لكن، ما حدث إنه الحياة عكست القانون
يصف عالم الإجتماع S. la. Vol'fson الوضع بأنه ( أناركية الجنس) أي فوضى بالجنس
من عواقب تحرير الطلاق هو أنه الكثير من الرجال إستفاد من الوضع وبدأ يتزوج لفترة بسيطة ويطلق، مما اضطر المحكمة لأن تعاقب الرجل الذي يتزوج بنية العلاقة الجنسية فقط
حتى أنه اصبح هناك نكتة متداولة تصف هذا الوضع :
" طلب من رجل أن يدفع النفقة، وهي ثلث دخله فقال
- أنا لا أستطيع، أنا بالفعل أدفع الثلث لطليقة أخرى
- إذا ستدفع ثلث آخر لطليقته الأخرى...
- لا أستطيع، فأنا أدفع الثلث الآخر لطليقة أخرى
- إذا ستدفع ثلث ثالث لطليقتك هذه
- لا أستطيع، فأنا أدفع الثلث الثالث لطليقة أخرى
- تدفع ثلاث أثلاث راتبك نفقات ؟! إذا كيف تنفق على نفسك ؟!
- زوجتي الحالية تحصل على نفقات من 5 رجال تزوجتهم سابقاً !"
ثانيا : ظهور الأطفال المُهملين Besprizornost
أدى تفكك العائلات إلى ظهور ظاهرة الأطفال المشردين، حيث كان يقدر عددهم ب190 ألف تقريباً
مصدر هؤلاء المشردين، كما يقول الكتاب، هم اليتامى، وأبناء الفلاحين الفقراء، وراعي المواشي، والعلائلات المفككة، والأمهات العازبات، وابناء مهملين، وأبناء هربوا من دور الرعاية ( التي انتشرت كتعويض عن العائلة)
أعداد الأطفال فاقت أي دور رعاية أنشأتها الدولة، لذلك تم التفكير بتحفيز المزارعين على تبني هؤلاء المشردين، بإعطائهم عوائدم مالية
نجح الأمر إلى تقليص عدد الأطفال المشردين بالشوارع بشكل كبير جداً
لكن، سجل سوء معاملة وإستغلال لهؤلاء الأطفال،
أي أنه تم إخفاء المشكلة عن الشارع، لكن حياة هؤلاء المهملين زادت تعاسة
ثالثا : التأثير على معدلات الإنجاب
تسببت سياسات الإتحاد السوفييتي بخصوص العائلة بخفض معدل المواليد بشكل كبير
حيث انخفض من 4.26 إلى 3.8 خلال سبع سنوات فقط
رابعاً: إنخفاض الأجور
نتيجة لسياسات تميكن المرأة، فقد إستطاع الإتحاد السوفييتي رفع نسبة المرأة بالقوى العاملة من 28% إلى 42% ما بين العامين
1930-1937، وفي التجمعات الصناعية الكبيرة، وصلت النسبة إلى 49%،
زيادة العرض في القوى العاملة أدت إلى إنخفاض الرواتب بنسبة 49%
لذلك لم يكن هناك خيار لقيادة الإتحاد السوفييتي إلا محاولة تصحيح الأخطاء الناتجة عن محاولة الوصول إلى اليوتوبيا
فصدر قانون يعرف تاريخياً بقانون عام 1936
فبعد أن كان الإتحاد السوفييتي أول دولة بالتاريخ تبيح الإجهاض، قام ستالين بالمصادقة على قانون يمنع الإجهاض، ويعاقب من يقوم به من أطباء بالحبس لسنتين
ترافق هذا مع تحول سياسي في الإتحاد السوفييتي من الماركسية الراديكالية، لشيء عرف بالـ " ستالينية"
لم يكن لأحد أن يعيد ما يسمى القوانين التقدمية إلى الوراء إلا شخص مثل ستالين، فما قام به هو " كفر " بالماركسية، هو لم يتخلى عنها، لكن أفكاره لم تكن تخضع للفلسفة البحتة، بل للمصالح والقوة والواقعية، لذلك حتى الجينيتل تم إلغاؤها
والأهم من ذلك، وبعيدا عن رغبات ستالين، فالفكرة من المساواة لم تحقق هدفها، فالأعباء زادت على المرأة، فبعد أن كانت مطالبة بعمل البيت، أصبحت مطالبة بعمل داخل وخارج البيت
في المطابخ والمغاسل ودور الرعاية والحضانة العامة! كان أغلب العاملين فيها نساء
بعد أن كانت المرأة تطبخ لبيتها، أصبحت تطبخ للحي كاملاً..
العام 1939
تبدأ الحرب في أوروبا، تتوسع ألمانيا شرقاً، يتماهى السوفييت مع القانون 1936 بصورة أكبر بسبب التطورات الجيوسياسية!
وفي العام 1941، يدخل الإتحاد السوفييتي الحرب الأكثر دموية بالتاريخ
حسب الكثير من المصادر، فإن الإتحاد السوفييتي أكثر دولة تعرضت لخسائر بشرية بالحرب، وأكثر دولة تعرضت لخسائر بالتاريخ تقدر بـ27 مليون شخص، أي 13% من عدد السكان قتلوا خلال 4 سنوات!
فكان قانون العائلة لعام 1944 استمرار طبيعي للتغير بعيداً عن " ماركسية العائلة"
فكان هنك مزيد من التضييق على الطلاق، والإجهاض، وبالعكس تجاه قيم العائلة .. وليست أي عائلة بل العائلة الكبرى
فكان هناك وسام " Mother Heroine " لتكريم الأم التي تنجب وتربي أكثر من 10 أطفال
العام 1955 ( بعاد وفاقة ستالين بعام)
في مرحلة " إجتثاث الستالينية" أي إعادة رؤية الإتحاد السوفييتي للفلسفة وليست للأشخاص
تم إطلاق قوانين ليبرالية من جديد، لكن ولأنه لبرلة الإجهاض أو منعه لم يكن لأسباب أخلاقية بل لما رأوه مناسباً للإتحاد السوفييتي
فكان هذه المرة سبب تحرير الإجهاض هو منع الإجهاض الغير قانوني
لكن قابل هذا زيادة في الدعاية التي تشجع على العائلة، فالإتحاد السوفييتي لا زال في مرحلة صراع
لكن هذه المرة مع الرأسمالية الأمريكية فيما عرف بالحرب الباردة
فهنا ملصق معبر جداً، ومؤثر جدا، ينذر من تقوم بالإجهاض بالإكتئاب
" الإجهاض يجردك من سعادتك"
ملصق آخر:
" للإجهاض عقاقب وخيمة، لا تحكمي على نفسك بالوحدة"
ملصق آخر:
" العقم والوحدة البائسة، عواقب شائعة للإجهاض"!
كل ما حدث بخصوص العائلة في الإتحاد السوفييتي بعد العام 1936 كان لإصلاح محاولة رفاق لينين بالوصول إلى " يوتوبيا المساواة" سواءاً بالقوة أو " بالتقدمية"
لكن الإتحاد السوفييتي لم يعش طويلاً بعدها!!
فكان العام 1991، شاهداً على نهاية الإمبراطورية الشيوعية كمؤسسات وكفكر!
نهاية حلم لينين بـ " يوتوبيا مساواة" حقيقية،
لم يكن للإتحاد السوفييتي أن يستمر وجزء منه يريد المغادرة حتى لو كان الثمن حياته!
أحد الشاهدين على هذا التفكك، هو ضابط الـ KGB في ميونخ، فلاديمير بوتين!
شاهد كيف أنه عندما وجد الألمان في المانيا الشرقية أنه هناك من بني جنسهم من يعيش حياة تعتبر جنة بالنسبة لهم! كان سبب مهم لتفكك الإتحاد السوفييتي
العام 2014
تحدث ثورة " ميدان " في أوكرانيا،
تنجرف أحد الدول السوفييتية السابقة وأكثر دول العالم إرتباطاً بروسيا نحو المعسكر الغربي
وهي التي تضم ملايين الروس،
أوكرانيا تضم ملايين الروس
أي أنه هناك من هو في روسيا سيجد أنه هناك من بني عرقه وجنسه يعيش حياة بنمط غربي!
كابوس التفكك هذه المرة يضرب عقر دار الضابط الشاب الذي أصبح رئيس روسيا!
قامت روسيا في فترة ما بعد الإتحاد السوفييتي بالتشجيع على العائلة، ومحاربة القيم الليبرالية الغربية التي تساهم بالتفكك
لكن بقايا الإتحاد السوفييتي والخلل الذي اصاب مفهوم العائلة لا يتصلح بالسرعة الكافية، هذا اذا كان ممكن تصليحه!
العام 2022
حسب بعض المحللين الجيوسياسيين، الحرب الأوكرانية لم تكن فقط حتمية، بل لم يكن لأن تتأجل!
المشاكل الديموغرافية في روسيا قد يجعل من إنحلال جزء كبير من الشعب الروسي بسبب " أوكرانيا غربية" هو تهديد وجودي!
أعراض هكذا تهديد هو العمل العسكري للناتو
وهنا نفهم الفرق بين توسع الناتو في أوكرنيا، وتوسعه في فنلندا والسويد!
لطالما كان اليسارييون الحداثييون يصنفون أفكارهم كأفكار تقدمية قادمة من المستقبل،
لكن هذا الثريد يثبت أنه كل ما يسمى فكر تقدمي هو فكر متخلف، بل هو قمامة أفكار الأمم الأخرى التي جربتها وجعلها تعيش أزمات وجودية!
يتحدث الدكتور جلال أمين عن موضوع التقدم والتخلف!
وعن خرافة أنه الخط الزمني للبشر يسير في إتجاه التطور في كل النواحي، ويشكك في معايير التقدم والتخلف التي يستند إليها التقدميين اليساريين والذين يريدوا صنع طريقة جديدة لحياة البشر، تناسب العصر على حد زعمهم
التأثير الكارثي للفكر الطوباوي المساواتي على المجتمعات حاصل الآن، مع انه يطبق جزئياً، والإتحاد السوفييتي شاهد على نتيجة تطبيقه بالكلية ولو لفترة محدودة
في هذا الثريد نعرض انه هذه المخاطر الوجودية هي سبب اهم نزاعات العالم حالياً، وانه العالم لا يحتاج "للتنوير" المزعوم
(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)
المائدة 50
انتهى#

جاري تحميل الاقتراحات...