صَــالح
صَــالح

@Saleh_Alfarai

5 تغريدة 122 قراءة Jun 29, 2023
هذا #الثريد هو الجـزء الـثالث :
قصتي مع السرطان بين المتعة والخيـال والألم.
هذه السلسلة هي إهداء لـ
كل محارب سرطان
فضلها وارجع لها بعدين✋
توقفنا في سردنا السابق لحظة نقلي من الجناح الأحمر إلى الأصفر وهو المختص بأمراض الدم، وفي تلك الأثناء أخذت جولة في أروقة الجناح بين الأسرة والمرضى لكي يصبح مألوفا لي وآخذ فيه راحتي بعدها، لاحظت أنه هادئ جدا بخلاف الأنين والصرخات اللي اعتدت التعايش معها في الجناح الأحمر! ولم أكن أعلم حينها ماكان يختبئ خلف الصمت الدامس! فما إن حلَّ الليل حتى تبدأ سلسلة متكررة من الرعب حيث كنت اسمع امرأة كبيرة تنهال بالصراخ على الطاقم الطبي بدون اسباب، وأسمع لهاث المرضى من شدة المعاناة وبعضهم تنفلت من أنفاسهم صرخات مكتومة كنت اشعر بها من شدة آلامهم فأشعر أن المعاناة تسري وتنتقل بين الظلام لتنتشر بيننا فكنا كالجسد الواحد الذي اشتكى منه عضو واستجابت له بقية الأعضاء بالسهر والحمى، لم أستطع النوم عزيزي القارئ في تلك الليلة وفرائسي مرتعدة من المشهد المرعب وفجأة!!
اسمع وكأن أحدهم يقتحم مكاني من الجهة الأخرى فألتفت فإذا بالممرض صالح! سامحني خوفتك شي ابرة حالك، انها الابرة المسيلة للدم كنت آخذها مرتين في اليوم كل ١٢ ساعة وقبل خروجه ومثلما جرت العادة آخذ حصتي من الحديث والتعرف عليهم، من وين انته؟ من المكان الفلاني اكيد قبيلتك كذا ايوا كيف عرفت! ايش يخصك فلان وفلان! وهكذا كنت أنعش شبكة معارفي مثلما يفعل الجميع.
وحينما يحل الصباح يعود الهدوء والصمت كالمعتاد وسرعان ما يقتحم مكاني عدد من الأطباء يمشون وخلفهم الاستشاري الدكتور خليل الفارسي، كيف حالك صالح، الحمد لله دكتور، لقد حصلنا على العينة النهائية لنوعية الخلايا السرطانية والآن بإمكاننا البدء بالعلاج فلا بأس عليك فهذا النوع عادة ماينمو بسرعة فائقة في جسد المريض ولكنه سريع التلاشي لحسن حظك، فعلمت حينها سبب تصنيفي بسرطان المرحلة الرابعة!، فجائني الطبيب الأجنبي بلكنته الانجليزية المميزة وهو حامل لأوراقٍ يطغى عليها اللون الأحمر ذات الخط العريض التي لا تدع مجالا للشك، وأشار باصبعه لأسفل الورقة ليأخذ الإذن بالتوقيع بعدم الممانعة بإعطائي الدواء الأكثر بشاعةً وفتكاً بجسد الإنسان وتذكرت حينها ماقاله لي خالي العزيز حينما زارني: تضحي بشي أصغر عشان تحافظ على الأكبر.
أمسكت بالقلم الأزرق بيدي اليسرى ووقعت عليها لأن يدي اليمنى مليئة بالأنابيب والحفر المتناثرة التي أقتات من خلالها سوائل السقايات، عزيزي القارئ حقاً كنتُ شجاعا بسرعة قراري ولم أنبس ببنتِ شفه وأعلم الآن تماما كيف أن الله ساق لي تلك الامبالاة في وقتها المناسب والفضل لله، رفعت عيني للأعلى وقلت برداً وسلاماً يا الله.
وصلت أمي الغالية كعادتها في وقت الضحى مع والدي وكنت نائما فشعرت بهم ورفعت الستار عني مباشرةً لأكتشف أنهما حولي ممتنعين إيقاظي!! فبادرني والدي عمَّا قال الطبيب فقلت كيماوي ولم أكن مدركا لمشاعر أمي حتى رأيتها وهي تشيح بوجهها للغرفة المجاورة ولا تكاد تخفي دموعها فوقع في قلبي خوف وحسرة لما قلتُه وعادت بعد دقائق وانهالت بالدعاء والذكر مما زادني غصة على مشاعرها فقلت لهم سأبدأ بالعلاج غدا وأرجوا منكم أن تدعوني لوحدي فسألوني لماذا ؟ فقلت لهم لحاجةٍ في نفسي، ولم أخبرهم أنني أخشى عليهم وعلى نفسي من نظرة الشفقة تلك.
وبعد حلول الليل وتحديدا في السابعة مساءا جاء الطبيب ذو اللكنة الانجليزية وخلفه ممرضة تجر أمامها عربة أشبه بتلك التي تقدم للضيافة ولكنها تحتوي على ضيافة من نوع آخر! كانت تحتوي على صندوق أزرق تحفظ داخله أدوية خاصة، فإذا بداخله سقاية كبيرة جدا لونها شفاف، فأمسك الطبيب بذراعي الأيمن و بدأ بتكرار رقم ملفي الملصق على يدي والممرضة تكرر ماقاله لمطابقة الرقم المكتوب في تلك السقاية، سرعان ما أدكت أن الوقت حان بعد قضاء ٢٣ يوما في مستشفى جامعة السلطان قابوس طيب الله ثراه، وأنني بصدد خوض تجربة لا أعلم تاليها من أولها وقبل ذلك!!
أخرجت الممرضة مجموعة من الابر من ذات الصندوق وبدأ الطبيب بتكرار الرقم وهي تعيد خلفه فسألت الطبيب ماهذه الابر؟؟! قال هذي أدوية مضادة للأعراض الجانبية التي تنشأ عادة من الكيماوي يجب أن تأخذها الآن قبل بدئ العلاج، فأخذتها واحدةً تلو الأخرى وسرعان ما أمسك الطبيب بيدي ليزيح سقاية التغذية ويلصق أخرى فرفعت رأسي فإذا بالأخرى مغطاة بكيس يخفي ملامحها مليئ بإشاراتٍ بعدم لمسها أو الاقتراب منها، وماهي الا لحظات حتى شعرت بشيئ بارد يتسلل في عروقي حتى وصل إلى صدري فأصبح قلبي ينبض بطريقة عرجاء غير منتظمة داخل جسمي النحيل فقال لي الطبيب إن أحسست بشيئ اضغط على الزر الأحمر وذهب، فما هي الا لحظاتٍ حتى شعرت بوخز في عيناي أشبه بسكاكين تتدافع متناغمة مع دقات القلب فضغطت على زر الطوارئ فجاءت الممرضة فقالت مابك؟ قلت لها أشعر بحساسية شديدة في عيني! فذهبت فورا لتحضر مضادا لهذا النوع بالتحديد فحقنتني بها وماهي الا لحظات حتى زال عني وقلت الحمد لله انها كانت تعلم ما تعمل!
عزيزي القارئ، هنا بدأ شريط حياتي باللف والدوران حولي وبدأتُ أفكر بطريقة أخرى وأتسائل ياترى أهل لأحد مظلمة عني! فلا أعلم ان كنت سأرى شمس الغد !
مضى من الوقت ما يربو على ساعة من الزمان فجاء طاقم طبي وعلى رأسهم الطبيب ذو اللكنة الانجليزية فقالوا سنوقفها عنك لتأخذ ابرة كيماوية أيضا في أسفل الظهر، وهذه الابرة هي حماية للحبل الشوكي و الدماغ من العلاج الكيماوي نفسه!! فقلت لهم على بركة الله وباشرتُ بالتوقيع مرة أخرى فأخذوني بالسرير إلى غرفة أخرى ذات خصوصية أكبر وبدأ الطبيب بتكرار الرقم والممرضين خلفه والجدية ترتسم على محياهم جميعا الا حينما تلتقي أعينهم في عيني تنبلج منهم ابتسامة جميلة، هكذا هو حال هؤلاء الأبطال في مستشفى الجامعة بين رأفة ورحمة، قال لي الطبيب باللغة الانجليزية صالح سأحقنك ب ابرة أولية صغيرة لتخدير المنطقة وتهيئتها لتأخذ الابرة الثانية فباشره أحد الممرضين بقوله دكتور سأشرح له بالعربية فتعجبت من حرصه على ابلاغي ولكن الطبيب قاطعه وقال له هذا المريض يفهم ويتحدث الانجليزية افضل منكم جميعا! فضحكت وضحكوا جميعا، فلا ألومه على ذلك فلعل ما دفعه لقول ذلك هو شكلي وشعري الكثيف آنذاك😂🙏
فغرس الطبيب ابرة في ظهري وقال انتهيت! قلت له ماشاء الله لم أشعر بشيئ حقاً شكرا لك، لاتتحرك ابدا ياصالح استلقي لمدة ساعة على الأقل.
أعادوني إلى مكاني السابق وأعادوا توصيل سقاية الكيماوي وقالت الممرضة بسم الله فمرت علينا طبيبة لم أرها من قبل فأخذت تتفقد في السقاية لتتأكد أن كل شي يسير على النحو السليم وجلست بجانبي و أعطتني ابرة لمقاومة الأعراض أيضا وأخذت تدعوا لي بدعاء جعل قلبي يخشع ويقشعر جسدي لقوة ايمانها فبدأت أتسائل عن منزلة هؤلاء الناس مع الله وأين نحن منهم!
مرت الساعات بردا وسلاما وانا متسمر في مكاني بانتظار انتهاء السقاية الكبيرة حتى انتهت في الساعة الثالثة والربع فجرا فكان رأسي ثقيلا جدا فأعادوا توصيل السقاية المغذية لنصف ساعة فاعترتني راحة كبيرة وفجأة! جاءت الممرضة بشيئ مختلف هذه المرة، سقاية بلون أحمر داكن وكأنها آيل بريك بحجم متوسط وقالت هذه لاتستمر طويلا نصف ساعة وتنتهي قلت لها تمام، ولم أشعر بأي أعراض غير برودة مادخل في عروقي وسرعان ما انتهت ثم التي بعدها وكانت بيضاء كالأولى ولكن أصغر حجما استمرت نحو ساعتين حتى انتهت فقمت وتوضأت لصلاة الفجر وعدت ولكني لم استطع الصلاة الا على كرسي كعادتي ولكن هذه المرة كان جسمي ثقيلا جدا جدا ولم استطع الانحناء بسبب تأثير الابرة التي أخذتها في أسفل الظهر وبعد معاناة من محاولة الخشوع في الصلاة اعادوا توصيل السقاية المغذية لتستمر ٥ ساعات متواصلة ولا أكاد اقضي نصف ساعة حتى أسارع للذهاب لبيت الخلاء وأنا أجر معي السقاية الاوتوماتيكية ذات الصندوق الأخضر حتى صارت وكأنها جزء مني فكانت تعمل على امتلاء الكلية بالأملاح والماء وذلك لمساعدة الخلايا السرطانية التي حاربها الكيماوي بالنزول والخروج من الجسم وهكذا دواليك لمدة ٣ أيام ونصف متواصلة والسقاية تعمل دون كلل.
فقدتُ شهيتي تماما ففي الصباح الباكر جاءت أمي وكنتُ نائما في تعب شديد جدا فاستيقظت عند الظهيرة لأجدها بجانبي حاملة وجبة الغداء فاعترتني فرحة غامرة وطرأ في ذهني أن أطمئنها وأخفف من حزنها علي، فقلت لها خلصت الجلسة الأولى وشوفيني انا بخير مافيني شي ولا يخوف الكيماوي! فرأيت في وجهها القليل من الراحة والكثير من الدعاء ولو أن الدواء حقيقة قد قطع أوصالي لكنه أهون علي من حزنها، حاولت الأكل لأكتشف أنني لا أستطعم الطعام بل على عكس ذلك ارفضه تماما ومن هنا بدأت سلسلة جديدة من اللوعان التي تأذيت منها كثيرا فكنت أشعر أن معدتي ستخرج بما فيها ان مضغت شيئا من الطعام، وما لبثت قليلا حتى وصل الدكتور صالح المسكري وصافح والدتي كونها جدته، وكعادته في كل يوم يقوم بالاطلاع على فحوصاتي الدورية وهذه المرة بالتحديد كان يحمل في يده كوب قهوة لي فقال اشرب لان ابرة الظهر تسبب صداعا صارخا للكثيرين وكنت قد اخفيت شعوري بالصداع عن والدتي حينها فشربت القهوة، وبعد ٣ أيام أخذوني مرة أخرى لأخذ ابرة الظهر وتكررت هذا العملية لـ ٤ مرات كما سيأتي لاحقا!
عزيزي القارئ، مراعاة لمشاعرك ومشاعر الكثير من المرضى و المتشافين الذين تواصلوا معي عندما نشرت الأجزاء الماضية، وخشية عليهم من عودة هذه الذكريات المؤلمة، فأنا لم أذكر سوى ١٠ ٪ فقط من المعاناة والألم، فهنالك أشياء لايتخيلها الا من مر بتجربة علاجية مماثلة، وحينما أقول أنهم أبطال محاربين فأقصد أنهم حاربوا النفس لمرضاة الله، وهكذا انتهت الجلسة الأولى ومعنوياتي كانت عالية جدا كسابق عهدها بنعمة الله، لم أستطع استقبال اصدقائي وأهلي بناءا على أوامر الطبيب لأن الكيماوي يعمل على هدم مناعة المريض لتصل إلى صفر ليقوم هو بدوره في محاربة الخلايا السرطانية دون تدخل مناعة الانسان وهذا مايجعل مخالطة الناس في غاية الخطورة، ومرت الأيام حتى جاء موعد عودتي إلى البيت بعد قضاء ٢٦ يوما في الرحلة الاستشفائية بين أروقة المستشفى.
عزيزي القارئ، في الموسم الرابع سأكمل في سرد الرحلة العلاجية عما حصل في الجلسات الأخرى ولحظة عودتي للبيت و بعض المواقف التي لايمكن نسيانها وما تلتها من مواقف مشوقة خصوصا بعد تساقط الشعر والوزن وتغير الشكل تماما حتى أصبحت شبحا لايعرفه من كان يألفه، وفي الختام علينا ألا ننسى الدعاء في هذه العشر لجميع المرضى عافاهم الله، وتأكد تمام التأكد أن الكثيرين منهم يقرأون رسائلكم ودعواتكم أسفل الثريد وقد تشرفتُ بتواصلهم معي من جميع بقاع الأرض بلسان واحد، لقد أفصحت حقا!! عما بداخلي ياصالح!

جاري تحميل الاقتراحات...