غِياث
غِياث

@Mme_3455

44 تغريدة 40 قراءة Jun 23, 2023
"تاريخ غير مدون"
السبب: لا أحد يأبه
لم يدون لنا التاريخ "حمامة" هذه المرأة الحبشية
ولم يدون لنا متى فقدت حُريتها، ولم يدون لنا صرخاتها وهي تلدُ طفلها الذي ورث العبودية،
لم يدون لنا حزنها حينما أُخِذ من حضنها ليكون "عبد"
ولكن دون لنا الإسلام صوته الذي جهر بـ: أحد أحد
"قصة بلال"
لقد جاء بلال رضي الله عنه إلى هذه الدنيا "عبد"
لم يعرف طعم الحرية
ولم يتنفس يومًا وهو يشعر أن نفسه هذه له
ولم يكسب شيئًا من حظ الأحرار ولا حظ العبيد
وقد يستغرب الإنسان ويتساءل وهل للعبيد حظ؟
نعم؛ حينما يملكه من في قلبه رحمة هذا حظ العبيد.
وأما بلال فقد ملكهُ أمية بن خلف
من أفجر الناس بالنبي ﷺ والإسلام كانت كل طباعه شر
وكان بلال يتحمل ما لا تستطيع الجبال تحمله
وكان صابرًا .. ومع الأيام يتعود الإنسان
فلا تشغله فكرة ولا تخنقه كلمه ويرضى بالعبودية
وبقى كذلك بلال حتى أتى خبر السماء
وحسّت أرض مكة بالنبي ﷺ وهو عائد يرتجفُ فؤاده مما رأى، فحينما دثرته خديجة رضي الله عنها وزملته
بدأ ينتشر عبق الايمان في أزقة مكة
الإسلام .. الإيمان لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى .. تسأل المؤدة باي ذنب تقتل!
مفاهيم جديدة تسقط معها كل مفاهيم الجاهلية القديمة وحقٌ ساطع يقشع كل ظلام.
دخل الإسلام إلى صدر بلال وقال:
لا إله إلا الله
فتحرر بلال وإن كان لا زال جسده ملكٌ لغيره فإن روحه تحررت وما إن جهر رسول الله ﷺ فأعلنت خديجة إسلامها ثم أبو بكر ثم علي وعمار وأمه سمية ثم صهيب ثم بلال بن رباح
ضجت مكة واهتزت يومها
واشتط كفارها غضبًا وما كان لهذا الغضب إلا أن يصب على المستضعفين من المسلمين
بلال .. سمية .. ابنها عمّار والكثير من المستضعفين ما كان لهم أقوام مثل بقية المسلمين يمنعونهم ويحمونهم.
يسمع بلال صوت أقدام أمية التي تكادُ تشق أرض مكة الطاهرة من فُجورها
دخل عليه واقتادهُ إلى بطحاء مكة ثم طرحه على ظهره كان بلال مستسلمًا للعذاب فما يقدر أن يفعل شيء وينتظر ماذا يفعل به فإذا به يسمع أمية قد أمر بالصخرة العظيمة أن توضع على صدر بلال
جميع المتفرجين اختلب أعينهم هذا المشهد من العذاب وصرفها عن غيره.
بدأ العرض حينما اقترب لعنه الله من أذن بلال وقال له:
لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد
أما بلال فلا يستطيع أحدٌ وصف ما كان يشعر به وتلك الصخرة تكاد تكسر أضلاعه.
من ينظر للمشهد لا يظن أن يخرج من فم بلال إلا أمرين لا ثالث لهما أما أن يكفر بمحمد أو أن تخرج روحه.
ولكن بلال صرخ بـ أحد أحد
نعم .. صرخ بها بلال وهانت عليه نفسه في سبيل الله،
صرخ بها وهو يتذكر سمية التي للتو قتلها أبو جهل
صرخ وهو يتذكر عمّار وغيره من المسلمين الذين ما استطاعوا تحمل العذاب فاعطوا الكفار ما اردوا وفي قلوبهم غير ذلك
ذكرت الرويات أصنافًا كثيرة للعذاب الذي أصاب بلال
حتى أن النبي ﷺ كان يقول:
لو كان عندنا شيء لابتعنا بلال
وتذكر الرويات أن موالي بلال كانوا يضجعونه على بطنه، ويعصرونه، ويقولون:
دينك اللات والعزى، فيقول بلال: ربي الله أحد أحد، ولو أعلم كلمة أحفظ لكم منها لقلتها !
فمر أبو بكر بهم فقالوا: اشتر أخاك في دينك، فاشتراه بأربعين أوقية، فأعتقه، فقالوا:
لو أبي إلا أوقية لبعناه،
فقال: وأقسم بالله لو أبيتم إلا بكذا وكذا - شيءٌ كثير - لاشتريته
وتحرر بلال وإن كانت روحه قد حررها الله لما نطق بالشهادة ولكن اليوم تحرر جسده
وكان يقول عمر بن الخطاب:
"أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا"
ولطالما كان بلال سابقًا للخير فكما سبق إلى الإسلام فقد سبق إلى الهجرة وكان من أوائل المهاجرين إلى مكة
وهاجر مكة وقلبه مندمل لم يبرأ وهو يعلم انه حبشي وما هذه بإرضه ولكن ما يعرف غيرها أرض وزاد حبه لها حينما أسلم وعرف معنى أن يجاور الإنسان بيت الله،
فلما جاء للمدينة وكانت أرض وباء وأصابهم منها حمّى فكان بلال إذا اشتدت عليه يقول
"الا ليت شعري هل أبيتن ليلة ..
بفخ وحولي إذخر وجليلُ
وهل أرِدن يومًا مياهً مجنةً ..
وهل يبدون لي شامة وطفيلُ
ثم يقول: "اللهم ألعن عتبة وشيبة وأمية بن خلف كما أخرجونا من إرضنا إلى أرض وباء.
وبدأت حياة المدينة
حياة لم يعتادوها يجهر فيها المرء بإيمانه دونما خوف،
أن يقول الله أكبر بأعلى صوت
أن يسجد لله في جماعة لا يخشى غدر القوم.
وفي يومٍ من أيام المدينة
اشتكى المسلمون من أن الصلاة يدخل وقتها ولا يعلمون، فاقترحوا أن يجعلوا لهم "ناقوس" وكان رسول الله كارهٌ لما فيه من التشبه بالنصارى
وفي اليوم التالي استيقظ بلال وذهب إلى رسول الله ﷺ فإذا بعبدالله بن زيد آتٍ وقد رأى رؤيا فيها الأذان المشروع
فذكر الكلمات والنبي ﷺ يسمع
الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر .. الله أكبر
وكان بلالٌ آنذاك ينصت وقد أخذ هذا الكلام بمجامع قلبه حتى كأنه يغادر هذه الدنيا بروحه ويسمو عاليا، وما وعى إلا والنبي ﷺ يقول : إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألْقِ عليه ما رأيت فإنه أندى صوتاً منك.
وليت التاريخ يدوّن لنا ما يحدث في الصدور
ويدوّن لنا ما شعر به بلال وقتها حينما قال ولأول مرة وبأعلى صوت:
الله أكبر .. الله أكبر ..
قالها وفي نفسه لو أن كل العالم يسمع أن الله هو الأكبر
لا أحد غيره لا ملك أكبر منه.
من يقرأ التاريخ يظنه سريعًا في الصفحة السابقة بلالٌ عبدٌ عند أمية يبطش به ويعذبه كيفما شاء، وهم اليوم أنداد في معركة.
تظنه سريعًا ولكنه بطيءٌ طويل، يحمل ليالٍ لا تنسَ وايامًا صعاب.
واقترب الجيشين فإذا برسول الله ﷺ يقول بأعلى صوته:
أحدٌ أحد 
فإذا بالمسلمين يرددون بعده أحدٌ أحد.
نعم .. نعم ..  أنها الكلمات التي كان يصيح بها بلال وهو يُعذّب
فما كان ينطق بكلمات الألم ما تأوّه ولا صاح: آخ، ولا تويّل بـ ويلي ويلاه.
بل كان يقول: أحد أحد
وبدأت المعركة ونزلت الملائكة وشهدوا يومًا من أيام الله التي لا تنسى.
نصر الله المسلمين نصرًا مؤزرًا وأمّا بلال فقد قاتل قتال من يريد الموت ولكن قلبه ما اشتفى بعد.
لا زال يبحث بين الوجوه الحية والميتة علّهُ يجد رأس الكفر أمية.
فإذا به يراه، نعم هو ما غيرته السنين ولا أخفت غبار المعركة ملامحه وجهه الكئيب.
ما تغير إلا أن هالة الضعف والهزيمة تعلو وجهه
فقد أسرهُ عبدالرحمن بن عوف وابنه معه
فلما رآهُ بلالٌ ذهبَ مسرعًا إليه.
و ما كان الدافع هو سنين العبودية كلها التي قضاها بلال له، وما كان العذاب الذي شعر به، إنمّا كان دافعهُ هو الإسلام الذي كان يريد أن يدفنه.
فصرخ بلال:
رأس الكفر أمية بن خلف لا نجوت إن نجا
نظر عبدالرحمن بن عوف في عيني بلال وعلم ما سيفعل وقال له:
أي بلال، أسيريَّ.
وبلال يردد: لا نجوت إن نجا
ثم صرخ بأعلى صوته:
يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا
فاحاط المسلمون بامية وابنه وقام عبدالرحمن يذب عنه
فإذا بسيفٍ يضرب ابن أمية فيقع.
في تلك اللحظة صاح أمية
صيحةً لم نسمعها ولكن من حضرها عبدالرحمن بن عوف قال عنها:
"ما سمعتُ بمثلها قطُّ"
أكانت صيحة فجيعة الولد؟
أم كانت صيحةَ فجيعة النفس؟
أم كانت صيحةَ معرفة الحق دون إدراكه؟
فمن شهد بدرًا رأى معجزات الله وصِدق وعده لنبيه ﷺ
لن نعرف ما كانت تلك الصيحة لأن الوقت الذي عاشه أمية بعدها ليسَ بالكثير.
فقد قال عبدالرحمن له حينما رأى ما رأى:
انجُ بنفسك ولا نجاء، فوالله ما أُغني عنك شيئًا
فاخترقت السيوف جسد أمية ومات لعنه الله.
وتمرّ فصول قصة بلال سريعًا
هو اليوم في مكة يوم الفتح تلك الأرض المليئة بالذكريات
هنا كانت العبودية
وهنا كان الإسلام
وهنا كان العذاب
في كل موضعٍ في مكة ذكرى
ذكرياتٌ ظن بلال أنها ترافقه طويلاً وما كان يعلم أنهُ على بعد ثواني من ذكرى في مكة تبدد كل ذكرياته السابق
حينما يأمره رسول الله ﷺ بلالاً أن يعلو الكعبة على ظهرها فيؤذِّن من عليها.
لقد على العبد الحبشي الكعبة أشرف بقاع الأرض ليعلن أن لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى.
وما زالت تلك الفصول تمر سريعًا
فهذا بلال في أحد زوايا المسجد يبكي بعدما سمع الصيحة من حجرة عائشة:
مات رسول الله .. مات رسول الله
يبكيه فما كان رضي الله عنه قبل رسول ﷺ بشيءٍ
كان واحد من "أجيال من الرممِ" كما وصفهم شوقي
يبكيه وهو يتذكر حينما يسأله:
يا بلال بمَ سبقتني إلى الجنة ؟
ما دخلت الجنة قط إلا وسمعت خشخشتك أمامي
يبكيه وهو يتذكره حينما يزوره في بيته ويقول ﷺ لزوجته:
فلعلك غضبتِ على بلال.
فتقول: إنه يحبني كثيرًا.
فيقول ﷺ:
ما حدثك عني بلال فقد صدق، بلال لا يكذب، لا تغضبي بلال فلا يقبل منك عملا ما أغضبتِ بلال.
يبكي ولا يعلم كيف يجهر بالأذان ويقول: أشهد أن محمدًا رسول الله ﷺ ورسول الله ماعاد موجود.
مات رسول الله وأظلمت صدورهم قبل أن تظلم المدينة، وأما بلال فقد قرر أن يذهب إلى الشام فما عاد لأطياف المدينة حلّ.
فقال أبو بكر: بل تكون عندي.
فقال بلال: أن كنت اعتقتني لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني لله عز وجل فذرني أذهب إلى الله عز وجل
فقال أبو بكر: أذهب.
غادر بلال وغادر معه الصوت الذي كان يذكرهم بزمن النبي ﷺ
قضى سنوات في الجهاد طامعًا أن يستشهد ويقرب اللقاء بالنبي ﷺ
وفي ليلةٍ استيقظ بلال باكيًا فقالت زوجته: ما بك
قال : رأيت رسول الله بالمنام يقول:
يا بلال ما هذا الجفاء
أما آن لك أن تزورنا
وعزم بلال أن يعود للمدينة وبالفعل أثار جرحه الذي لم يندمل على مر السنين
ودخل المدينة ودخل مسجد الحبيب ﷺ ورفع صوته بالاذان
الله أكبر .. الله أكبر
فإذا بالمدينة تهتز فما سمعوا صوت بلال منذ وفاة النبي ﷺ
بل إن بعضهم قال: أبعث رسول الله من جديد ؟
فما إن وصل إلى: أشهد أن محمدًا رسول الله
فما تمالك نفسه وبكى وبكت المدينة كلها وكأن للتو خرج الخبر من حجرة عائشة بوفاة النبي ﷺ
وعاد بلال للشام وفي دمشق جاءه اليقين وقد كان مستبشرًا بأنه يلقى ربه ونبيه ﷺ
ويقول: غدًا نلقى الأحبة محمدًا وصحبه
فتصيح امرأته: يا ويلاه
وهو يقول: يا فرحاه
في ذلك اليوم انتهت قصة "بلال بن رباح"
رضي الله عنه وأرضاه
-غِياث

جاري تحميل الاقتراحات...