١. وعدت أخي @alsnafi_4uae بأني سأكتب عن موضوع استكبار إبليس و لماذا لعنه الله و الأمر بالسجود كان للملائكة؟
في الحقيقة ليس هو الوحيد من يتساءل، بل في واقع الأمر كثير منا منذ سنوات يتساءل، لماذا لعن الله تبارك و تعالى إبليس عندما استكبر عن السجود لآدم؟
في الحقيقة ليس هو الوحيد من يتساءل، بل في واقع الأمر كثير منا منذ سنوات يتساءل، لماذا لعن الله تبارك و تعالى إبليس عندما استكبر عن السجود لآدم؟
٢. بل السؤال قبل هذا، لماذا استكبر إن كان الأمر للملائكة؟ أليس هو من الجن فلماذا الأمر طاله هو أيضا؟ فالله عز و جل قال في سورة البقرة: ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ))
٣. و بما أن إبليس من الجن بدليل آية سورة الكهف: ((وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ...
٤. أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا))فالقول كان موجّه للملائكة بالسجود فلماذا دخل إبليس معهم.
٥. حاول العلماء التفسير و غيرهم منذ أكثر من ألف سنة الإجابة عن هذا السؤال الذي لا يرد على العلماء خاصة بل على الناس بشكل عام، كم منا سأل نفسه هذا السؤال؟
٦. في الحقيقة هو سؤال في محلّه و الاجابة عن هذا السؤال تثير أسئلة أخرى أيضا و لهذا صار مبحث قول الله للملائكة بالسجود مبحث كبير و متشعْب.
٧. فأكثر الإجابات شهرة أنّه من الجن، و لكنّه دخل في أمر السجود لأنه لا يمتنع في العربية جواز الاستثناء من غير جنسه. و من اختار هذا القول لم يجد مخرجا إلا أن يقول هذا
٨. و كيف لا و هو يقرأ في سورة الكهف: (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) فكيف لهم أن يخالفوا ظاهر كلام الله سبحانه و تعالى؟
٩. و أما الفريق الثاني قالوا بل هو من الملائكة و لهذا طاله أمر السجود، و هذا الفريق اختلفوا من بعد إلى عدة آراء، فمنهم من قال أن أصله كان ملكا غير أنّه صار إلى الجن بعد أن استكبر و فسق عن أمر ربّه.
١٠. و قال آخرون أنه كان من الجن، و لكن لكثرة عبادته و تشبّهه بالملائكة صار و كأنه واحد منهم و غلبت الكثرة القلة فلهذا شمله الأمر و قالت جماعة أخرى أنه كان من الملائكة، و لكنه كان من صنف / قبيل من الملائكة يُسمّون بالجن.
١١. و كل هذه الآراء اختلقوا لها قصصا تأكدّ كل واحدة منها رأيا من هذه الآراء، و للأسف هذه كانت طريقة البعض ممن سبقونا عندما يشتهون رأيا من الآراء. الغريب ماذا عزيزي القارئ؟
١٢. أن القول بأنه كان من الملائكة هو قول منسوب إلى صحابيان لهم شهرة بين الناس بعلمهم في القرآن و هما عبدالله بن مسعود و عبدالله بن عباس رضي الله عنهما. و هذا إن صحّ عنهم فهو غريب جدا، فهل هؤلاء الصحابة لم يقرؤوا آية سورة الكهف و التي فيها بشكل صريح أن إبليس كان من الجن؟
١٣. فإذن كما قلنا، إن كان قول الله للملائكة يتناوله (أي إبليس) فهذا يعني أنه كان من الملائكة، و لو لم يكن متناولاً له فلقائل أن يقول أنه لما استحق الذم و العقاب و اللعنة لأن الأمر لم يتناوله، و هو ترك السجود لأنه لم يتناوله إنما الأمر كان خاصا بالملائكة،
١٤. فهو لم يعصي إنما لم يقم بشيء لم يأمره الله، و لكن بما أن الله لعنه و أثبت عصيانه و كفره و استكباره عرفنا أن الأمر كان يشمله. فما الاجابة عن هذا السؤال؟ كيف الأمر طاله و الأمر كان للملائكة، و في آية أخرى يثبت الله أنه كان من الجن؟
١٥. الإجابات التقليدية معروفة و موجودة في كتب التفسير و في المواقع، و تلك الاجابات لا أظنّها شفت غليل بعض الباحثين في هذا الموضوع، و لهذا أقدّم جوابان جديدان لم يطّلع عليهما الناس و لعل الله يجعل فيهما الفائدة و النفع.
١٦. الجواب الأول، أن الله لم يعطينا تفاصيل كل صغيرة و كبيرة مما حدث حينها، فليس هناك مانع أن الله أمر إبليس كذلك بأمر لم يذكره الله لنا بالتفصيل لكن إبليس عصى و كفر فذكر لنا من عصيانه. ما دليلي على هذا؟
١٧. الدليل في قوله سبحانه و تعالى في سورة الأعراف: ((قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)) فهذا دليل واضح أن الله أمره. و لكن يبقى السؤال باقيا، هل كان أمرا مستقلا أم نفس الأمر للملائكة؟
١٨. قد تقول كان أمرا مستقلا لتجد لنفسك مخرجا، و لكن عن نفسي هذه الإجابة و إن كانت جيدة غير أنّها لم ترضيني، و الذي أميل إليه أن الأمر كان واحدا، و ذلك بسبب سياق آيات القرآن الذي يشعر بظاهره أن أمر السجود تناوله هو أيضا و بالتالي لا حجة لعصيانه و تكبّره و كفره.
١٩. الجواب الثاني الغير مسبوق و الذي أميل إليه هو ما استلهمته من الاسم الأعلى، الرحمن. الله تبارك و تعالى أخبرنا أنه أمر إبليس في قوله (إذ أمرتك) و أخبرنا كذلك أنه قال للملائكة أن يسجدوا و كذلك أخبرنا أن إبليس من الجن، فكيف الجمع بحيث كل هذه المعاني تكون صحيحة من دون أية إشكال؟
٢٠. أقول المعنى أن إبليس كان في الملأ الأعلى، و بما أنّه كان من الملأ الأعلى و الأمر كان للملائكة الذين في الملأ الأعلى. و الملائكة تشمل الذين في الملأ الأعلى، حتى الجن منهم، لماذا؟
٢١. لأنه من معاني الملائكة، كما ذكرت في سلسلة الكلام عن الملائكة و علاقتهم بالرحمن، تابع قراءة السلسلة:
👇
👇
٢٢. ففي الملأ الأعلى مخلوقات عدة، منهم حملة العرش، و منهم المقربون، و منهم الذين حول العرش، و منهم ومنهم من جعلهم الله في الملأ الأعلى و بما أن إبليس كان من الملأ الأعلى و الأمر جاء للملوك الذين في الملأ الأعلى (الملائكة) فتناوله الأمر كذلك و إن كان في حقيقته من الجن.
٢٣. ما أدلتي من القرآن؟ الأدلة في سورة ص، و قد ذكرت علاقة هذه السورة باسم الرحمن من قبل و من قرأ كتاب النظرية سيجد تطبيقات لنظريتي و كيف أنها تصدق بشكل عجيب في هذه السورة.
٢٤. على أية حال هذه السورة تعطينا عدة أدلة، منها أن الله سبحانه و تعالى قبل أن يذكر لنا قصة السجود نجد هذه الآية العجيبة: ((مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ))
٢٥. إذن هناك ملأ أعلى يختصمون، و الرسول علم بهذا الاختصام بالوحي بدلالة الآية التي بعدها: ((إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ)) و بعدها مباشرة قصة السجود. إذن هذه الحادثة وقعت في الملأ الأعلى، فهذا الدليل الأول لي...
٢٦. و الدليل الثاني قوله يختصمون و الدليل الثالث في نفس سياق الآيات: ((فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)) نجد في هذه الآية تأكيدان: (كلّهم) و (أجمعون) بخلاف بقية السور و الآيات التي فيها ذكر لهذه القصة، لماذا؟
٢٧. لأن الله تبارك و تعالى كلما ذكر قصة أعطاك معلومة تضيف معنى ليس في الآيات الأخرى و لا يكون ذلك عبثا إنما لمعنى مقصود يعلمه سبحانه و تعالى. فمثلا في سورة البقرة قال:
٢٨. ((وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ)) لاحظ لم يذكر التأكيدان إنما اكتفى بقول الملائكة و إثبات أنّهم سجدوا و كذلك في سورة الأعراف
٢٩. بخلاف سورة ص الذي ذكر فيها تأكيدان: (كلّهم) و (أجمعون)! العجيب أن الله تبارك و تعالى لم يذكر الملأ الأعلى إلا في سورة ص فهل هذه مصادفة؟ أظنك إن فهمت ما أريد أن أصل إليه ستلوح لك بعض الحِكَم بإذن الله تبارك و تعالى.
٣٠. ففي آيات سورة ص، أخبرنا الله أن هناك ملأ أعلى اختصموا، و أن هناك الملائكة (كلّهم) (أجمعون) مما قد يدل على وجود جماعات مختلفة من الملائكة، فانتفعنا بهذا العلم الاضافي الموجود في سورة ص أيّما نفع و الحمدلله.
٣١. و إلا فالملائكة إن كان المراد به كل الجنس الملكي بشكل عام لاكتفى كما اكتفى في بقية السور وجائز التوكيدات أيضا ولا خلاف. و إضافة إلى ما سبق، أقول بما أن سورة الكهف لها علاقة بسورة الجن، فبين لنا الله سبحانه و تعالى حقيقة إبليس ألا وهي أن إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه.
٣٢. و للأدلة على علاقة سورة الكهف بسورة الجن اقرأ هذه السلسلة التي كتبتها مسبقا و هي جزء من سلسلة الكلام عن ذي القرنين:
👇
👇
٣٣. و أريدك أن تلاحظ عزيزي القارئ أن الله تبارك و تعالى أخرج إبليس و لعنه بعد استكباره ثم أسكن آدم الجنة، و هذا الفهم الجديد للموضوع يُفسّر لنا و يجيب عن سؤال مهم آخر لم يستطع العلماء قديما و لا حديثا الاجابة عنه بإجابة شافية. و هو إن طُرد إبليس فكيف وسوس لآدم و هو في الجنة؟
٣٤. بل كيف استكبر إبليس بادئ الأمر إن كان في الجنة كما يقول جمع من الناس أو خازن أو حارس الجنة و لا يكون الكبر في الجنة؟ لن تجد عندهم إجابة، لكن بعد فهمك لاسم الرحمن و قد تأكدت من وجود عرش في السماء، و هناك ملأ أعلى وما إلى ذلك ستعرف أن هذا وقع في الملأ الأعلى! نطاق مختلف!
٣٥. فإبليس طُرد من الملأ الأعلى بادئ الأمر و في الأصل. بعد أن كان من الملوك الذين في الملأ الأعلى (الملائكة) صار لعينا، و الأدلة على هذا من القرآن التالي: (( قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ))
٣٦. و في آية سورة الأعراف: (( قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)) و هذه الحادثة وقعت قبل أن يسكن آدم الجنة و لهذا تسبقها في سياق آيات القرآن.
٣٧. و كذلك آدم، بادئ الأمر كان في الملأ الأعلى ثم أسكنه الله الجنة، بل ليس هذا فحسب أسجد له الملائكة، أي جعل الملائكة الذين هم ملوك في الملأ الأعلى يسجدون له، و قد كتبت من قبل عن علاقة السجود بالملك.
٣٨. و لعلّه من أجل هذا نجد أن الله أمرهم بالهبوط مرتين في سورة البقرة! عجيب، أليس كذلك؟ بلى إنه لكتاب عجيب، بمعرفتك اسم الرحمن، أعدنا فهم كثير من آيات القرآن بطريقة تتواءم مع ظاهر القرآن و بشكل يثير العجب، سبحان الله!
٣٩. و بهذا الفهم الجديد استطعنا الاجابة عن أسئلة صعبة لم يجد العلماء لها اجابة شافية، و فهمنا أن الصحابيان ابن مسعود و ابن عباس رضي الله عنهما لم يُخطئا عندما قالا هو من الملائكة و لا يوجد تعارض بين ذلك و بين كونه من الجن.
٤٠. و فهمنا لماذا تناوله الأمر بالسجود حتى و إن كان من الجن و ذلك لأن في الملأ الأعلى، هناك أصناف من المخلوقات كما في الأرض أصناف من المخلوقات. و من قال أهل التفسير مستشهدا بروايات توارثوها و تناقلوها بينهم من كون إبليس فصيل من الملائكة لم يبعدوا كثيرا
٤١. غير أن الأدق أنّه كان من الملأ الأعلى. فالملائكة الملوك في الملأ الأعلى الذين يسبّحون بحمد ربّهم و كبقية الملوك تحت أيديهم أمور تخص الأرض و ما له علاقة بها يُدبّرونها بإذن الله (أي هم معنيين بها) و قد يكونون من أجناس متنوّعة.
٤٢. و لهذا سبحان الله، ربما لا تجد من أي شيء خلق الله تبارك و تعالى الملائكة في القرآن! فإن قلت بلى هناك أحاديث نجدها أنها خلقت من نور و أنا أدعوك عزيزي أن تبحث في أسانيد تلك الأحاديث و تحقق فيها و ستجد أن في أسانيدها خللا.
٤٣. و لكن لنقل أن الحديث صحيح، فإما أن أكون مخطئا و انتهى الأمر أو أن سياق الحديث ما يدل على التفرقة و هذا الذي هو واضح من الرواية إذ ذكر خلق الملائكة مع الجن مع البشر.
أخيرا أحب أن أقول، اقرأ ما كتبه الناس في هذا الموضوع ثم قارن ما كتبته هنا...
أخيرا أحب أن أقول، اقرأ ما كتبه الناس في هذا الموضوع ثم قارن ما كتبته هنا...
٤٤. إن كنت من الذين يتابعون ما أكتب، فسيرى كيف أن هذه الإجابة تعطي جوابا يشفي الفضول بشكل غير مسبوق عن سؤال كيفية تناول الأمر إبليس إن كان من الجن بل ربما تجد في صدرك انشراحا بإذن الله. و الحمدلله رب العالمين.
جاري تحميل الاقتراحات...