١. منذ فترة انقطعت عن الكتابة بسبب بعض المشاغل الصحية التي انشغلت بها. و قررت أكتب مجددا، و في هذه السلسلة فائدة أخرى من فوائد معرفة كون اسم الرحمن الاسم الأعلى ذي الجلال و الإكرام.
٢. و قد ذكرت هذا في مساحة أحد الإخوة حيث تعرّض لمسألة هل القرآن كلّه كلام الله، أم أنه خليط من كلام الله تبارك و تعالى و كلام جبريل عليه السلام و كلام الرسول صلى الله عليه؟ إذ أن بعض من يحاولون تدبّر القرآن يقولون لا هو خليط.
٣. و إلا لماذا يخاطب الله عباده أحيانا بصيغة المفرد و أحيانا بصيغة الفرد؟ فلو كان القرآن فقط كلام الله فهذا لا يمكن لأن الله هو الواحد و أحد إذن لابد أنّه كلام الملائكة أو الرسول الذي أوحي إليه هذا الكتاب. و هذا يستخدمه جمع من النصارى للاستدلال على وجود (عقيدة) التثليث في القرآن.
٤. و هذه النتيجة أراها مؤسفة، إذ أن أصحابها غفلوا أن في العربية يصح إطلاق لفظ الجمع على الواحد و الأمثلة كثيرة في كلام العرب، و أشعارهم و كتبهم و مراسلاتهم بل هو مستخدم حتى اليوم بين الملوك و الحكّام و الأمراء، بل حتى الكتّاب و العوام يستخدمونها أحيانا.
٥. في العادة يطلق لفظ الجمع على الواحد من باب التعظيم. و بما أن الله هو العظيم فإذن مفهوم جدا أن يطلق لفظ الجمع مثل (آتينا) بصيغة الجمع.
و لكن بعض الإخوة لم يقنعهم هذا الجواب و أتفهّم ذلك، لأن الله عظيم في جميع الأحوال إذ من أسمائه العظيم،
و لكن بعض الإخوة لم يقنعهم هذا الجواب و أتفهّم ذلك، لأن الله عظيم في جميع الأحوال إذ من أسمائه العظيم،
٦. فكيف مرة يتكلّم بصيغة المفرد و مرة بصيغة الجمع، فهذا إن دل فإنه يدل على أن المتكلّم أكثر من واحد. و في المثال الذي ذكرته (آتينا) عندهم يصير أنهم جماعة من الملائكة آتوا و ليس واحد منهم و ذلك بأمر من الله تبارك و تعالى.
٧. هذا محصّلة هذا الرأي و بنوا عليه أشياء كثيرة مثل وجود الأرباب مع رب العالمين، إذ جعلهم أربابا بإذنه و لكن لم يأمر أحد من خلقه بعبادتهم و هكذا و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم. بل حتى بعض كبار رموز التنوير اليوم من دون ذكر أسماء على هذا الرأي…
٨. الآن ما الإجابة على هذا الرأي إن لم يقنعهم حقيقة أن لفظ الجمع يطلق على الفرد في كلام العرب؟ أقول لهذا الإنسان الاجابة ستجده ببركات معرفة اسم الرحمن. لقد ذكرت في سلاسل عدة أن الرحمن هو اسم الملك الذي على العرش استوى، في السماوات و العلى،
٩. و أن هناك عالم فوق عالمنا، و أن العرش حقيقة فوقنا (و ليس بمجرّد أمر معنوي) و هناك ملأ أعلى، و من حول العرش ملائكة يسبّحون رب العالمين. من يتابع كتاباتي لن يخفي عليه ما كتبت عن اسم الرحمن.
١٠. فإن فهمت هذا سيزداد فهمك لماذا أحيانا يتكلّم الله تبارك و تعالى بصيغة المفرد و أحيانا بصيغة الجمع. لأن الملك و الرب الأعلى ينبغي له كل العظمة، حتى في صيغ الكلام فالإشارة إليه و الكلام عنه كلّه أن يكون عظمة على عظمة كما يقول إخواننا أهل مصر.
١١. ألا ترون ملوك البشر و هم لا شيء مقارنة بالرحمن يتكلّمون بصيغة الجمع عن أنفسهم و كأنّهم عظماء! إن كان البشر يفعلون ذلك فما بالك بالرب الذي يملك البشر و كل شيء في السماوات و الأرض، بلا شك سيتكلّم بصيغة تدل على العظمة و الكثرة و الوفرة و الغنى و ما إلى ذلك.
١٢. فمثلا من برأيك سيكون له ملك أعظم، ملك له ألف جندي أم ملك لا يحصي جنده أحد؟ ستقول الثاني بالتأكيد، أقول إن كان كذلك ستفهم شيئا يسيرا من معاني: (( وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِىَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ)) سبحان الله!
١٣. و إن لم تقرأ من قبل عن علاقة الذكر بالرحمن فأرجو أن تقرأ هذه السلسلة:
👇
👇
١٤. في سورة طه نجد هذه الآية: ((إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري)) هنا يتكلّم الله تبارك و تعالى بصيغة المفرد، و في هذه الآية مثلا من سورة الحجر تكلّم بصيغة الجمع: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) لماذا؟
١٥. الاجابة لأن مقام الخطاب مختلف، فالآية الأولى كلام الله تبارك و تعالى مع موسى عليه السلام، و هذا الكلام نحن نعرف كانت له حالة استثنائية، إذ كلّمه الله تكليما و لهذا يُلقّب موسى بكليم الله،
١٦. و بما أنه كان قريبا من الله سبحانه ناسب أن يخاطبه تبارك و تعالى بصيغة المفرد و كان الخطاب مباشرا من الله سبحانه و تعالى. قد تُطالبني بالأدلة و إليك الأدلة من القرآن:
١٧. في سورة مريم: ((وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ ۚ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (٥١) وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢) )) لاحظ قوله (و قربناه نجيا) و هذا من أكبر الأدلة على كلامي أن موسى كلّمه الله و قربّه منه.
١٨. هذه واحدة. و في سورة طه يُخبرنا الله سبحانه و تعالى بهذه: (وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ) أسألك، هل وجدت رسولا من رسل الله قال الله عنه مثل هذا الكلام؟ لا! فإن عرفت هذا ستعرف أن الكلام بين الله تبارك و تعالى و نبيه الكريم كان له شأن خاص.
١٩. و ما يؤكد كلامي هذه الآية من سورة الشورى: ((وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌ))
٢٠. إذن الله لا يكلّم البشر إلا وحيا، أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا. و هذه الطرق الثلاثة بيّنها الله سبحانه و تعالى في كتابه أيضا. فأولا الوحي ما كان من الله سبحانه و تعالى وحيا لأم موسى و لم يكن كلاما مباشرا من الله سبحانه و تعالى لأم موسى. هذه واحدة.
٢١. الحالة الثانية الكلام المباشر الذي كان من وراء حجاب، و هذا كان بين الله سبحانه و تعالى و موسى إذ كلّمه الله تكليما غير أن موسى عليه السلام لم يره كما نجد هذا الكلام
٢٢. ((وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي…)) في آية سورة الأعراف المعروفة. إذن موسى كلّمه الله و لكن الله كلّمه من وراء حجاب بحيث أنه لم يرى الله.
٢٣. و الحالة الثالثة هي حالة الرسول صلى الله عليه، إذ أرسل الله عز و جل جبريل عليه السلام يوحي بإذنه إلى الرسول محمد صلى الله عليه.
٢٤. و سبحان الله و لأن الأمر كان كذلك كما بيّنت، لن تجد في آية من القرآن إن لم تخنّي الذاكرة أن الله كلّم الرسول محمد صلى الله عليه و سلم بصيغة المفرد في مواضيع الوحي و إنزال الكتاب عليه. لماذا؟
٢٥. لأن الله عز و جل لم يكلّم الرسول صلى الله عليه بنفس الطريقة الذي كلّم فيها موسى عليه السلام.
و أما بخصوص هذه الآية: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) فأظنّك إن كنت من الذين يتابعون كلامي ستفهم الجمالية في اطلاق الجمع في هذا الموضع؟ لماذا؟
و أما بخصوص هذه الآية: ((إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) فأظنّك إن كنت من الذين يتابعون كلامي ستفهم الجمالية في اطلاق الجمع في هذا الموضع؟ لماذا؟
٢٦. لأن الذكر من الرحمن كما ذكرت في سلسلة سابقة أشرت إليها في هذه المشاركة. و بما أن الذكر من الرحمن و بما أن الرحمن على العرش استوى، الملك في الملأ الأعلى و عنده ملائكة يتنزّلون بأمره سبحانه و تعالى فناسب أن تكون الآية بصيغة الجمع.
٢٧. و هكذا كل الآيات التي فيها ذكر الوحي بالنسبة للرسول صلى الله عليه جاءت بصيغة الجمع، لأنه من الرحمن، من فوق السماوات العلى، و لم يوحى إليه من مكان قريب. فإن فهمت اسم الرحمن جيدا و ما تلزمه سيسهل عليك فهم كلامي.
٢٨. اقرأ هذه الآيات: ((نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين)) لاحظ أنّه لم يقل: (أوحيت إليك) و اقرأ هذه الآية: ((ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم)) و انتبه لقوله (آتيناك) و لم يقل آتيتك.
٢٩. و بداية سورة طه أيضا: ((ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)) تنبّه لقوله: (أنزلنا) بصيغة الجمع و لم يقل (أنزلت عليك) و هذه الآية المعروفة من سورة الحشر: ((لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون))
٣٠. لاحظ قوله: (أنزلنا) و لم يقل (أنزلت)؟ لماذا؟ و في سورة الإنسان: ((إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلا)) انتبه أنّه تبارك و تعالى قال: (نزلنا) و لم يقل (أنزلت عليك القرآن تنزيلا) لماذا؟ لأن الرحمن علّم القرآن.
٣١. و بما أن القرآن أنزل من الرحمن الذي في السماء فناسب أن يكون مُنزّلا أصلا و ليس هذا فحسب، بل ناسب أن يُنعت القرآن بأنه مجيد: (ق و القرآن المجيد) لماذا؟ لأن ذو العرش مجيد، و العرش مجيد و بما أن القرآن هناك فهو مجيد إذن.
٣٢. و العجيب أنّه لما خاطب سبحانه و تعالى موسى، خاطبه بصيغة المفرد، اقرأ: ((قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين)) انتبه لقوله تبارك و تعالى: (فخذ ما آتيتك)
٣٣. أريدك أن تلحظ أمرا، و هو أنه تبارك و تعالى لم يقل له مثل ما يقول للرسول صلى الله عليه (آتيناك) سبحان الله! لأن موسى قربّه الله نجيا و كلّمه تكليما.
فإن فهمت ما كتبته، ستفهم شيئا من الفرق و العجائب لماذا في بعض الآيات يكلّم الله بصيغة المفرد و في أحيانٍ أخرى بصيغة الجمع.
فإن فهمت ما كتبته، ستفهم شيئا من الفرق و العجائب لماذا في بعض الآيات يكلّم الله بصيغة المفرد و في أحيانٍ أخرى بصيغة الجمع.
٣٤. قد تقول يا رجل لم تُصب و ذلك لأننا نجد في القرآن هذه الآية: ((وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ۖ ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون)) فهنا الله يذكر أنّه أنزل بصيغة المفرد و ليس بالجمع، أقول لك هذا يبدو كذلك لمن لم يتعمّق في دراسة الآية،
٣٥. و لكن الإنسان الذي درسها بعمق سيفهم أن هذه الآية دليل لي و ليس علي، لماذا؟ لأن هذه الآية خطاب لبني إسرائيل، و بني إسرائيل فضّلهم الله على العالمين كما أخبرنا الله سبحانه و تعالى:
٣٦. ((يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ)) و ليس هذا فحسب، فالله أخذ منهم العهد و أخذ ميثاقهم و وقّت لهم ميقاتا و قال الله لهم إني معكم إلى غير ذلك.
٣٧. كما نجد ما قاله موسى عليه السلام في سورة المائدة: ((وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين))
٣٨. في الواقع، هناك آية مفتاحية تدل على كلامي: ((واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا ۖ فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي ۖ أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ۖ إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء ۖ أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا ۖ وأنت خير الغافرين))
٣٩. و هذه الحادثة معروفة في التوراة و يعرفها أهل الكتاب بشكل عام، و لهذا يقولون أصلا أن الله لم يكلّم أمة بنفسه غير بني إسرائيل. و سبحان الله كما أن موسى جاء ميقات ربّه و كلّمه الله، فهؤلاء الرجال تم اختيارهم للميقات!
٤٠. و تذكّر بماذا اصطفى الله تبارك و تعالى موسى؟ الاجابة في آية سورة الأعراف: (( قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين)) برسالته و بكلامه! و كذلك بني إسرائيل تبيّن لنا بماذا فضّلهم و في هذا الكفاية لمن كان يعي ما يقرأ من القرآن و يفقه.
جاري تحميل الاقتراحات...