ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

18 تغريدة 373 قراءة Jun 12, 2023
رجل مجنون، أراد تجربة الطيران، فقفز وسقط ومات!
هذا كل ما نعرفه عن عباس ابن فرناس!
الذي بالمناسبة لم يمت بعد تجربته ولم يفشل في الطيران، ولم يكن مجنونا بل مخترعا عظيما
ما قصته؟ وما علاقته بفوهات القمر؟
وكيف غيرت اختراعاته مجرى التاريخ؟
وماذا عن ممارسته السحر والشعر!
حياكم تحت
على بعد ساعتين من قرطبة، وعلى ارتفاع أكثر من 750 متراً عن سطح البحر، ثمة بلدة صغيرة وادعة تسمى رندة، بين أحضان طبيعتها الغراء وجداولها المنسابة وارتفاعها الشاهق وفي ظلال من بواكير الدولة الأموية في الأندلس تحديداً عام 887 م ولد طفل صغير وقد اتخذ له أبوه اسم عباس.
رسمت رندة بجبالها الشاهقة في مخيلة هذا الطفل كثير من الأحلام، فبقدر خشيته من السقوط والوقوع في مهاوي وديانها السحيقة، كان حلمه بأن يتجاوز هذه الأخطار يوماً ما، ويتمكن من التحليق في السماء مثل الطيور، ليرى الحياة من أفق مغاير، لكن إمكانات عصره كانت قاصرة عن تحقيق ذلك الحلم.
مع اشتداد عوده أرسلته الحياة إلى قرطبة، نزلها حينذاك وهي منتهى الغاية، ومركز الراية، وينبوع العلم المتفجر، فلم يكد يدنو حتى شملته ووضعته على طريق العلم، فتحلق حول علمائها، ونال قسطا وفيراً من أوليات العلوم والمعارف، دارساً اللغة والفلسفة والكيمياء والفيزياء والفلك.
أظهر الفتى نبوغاً منقطع النظير، فشب عالماً موسوعياً، وتراكمت علومه ومهاراته، فبجانب علمه كل موسيقياً أخاذا له مقطوعاته الخاصة، وكان شاعراً لا يشق له غبار ملماً بعلم العروض عارفاً به، وهي أمور مجتمعة، قربته من بلاط الحكام، وجعلته واحداً من خاصة الأمير عبد الرحمن بن الحكم بن هشام.
كان ابن فرناس موسوعياً مبحراً في شتى العلوم إلى ذلك الحد الذي لقبه الناس بحكيم الأندلس
يقول الرجل في إحدى قصائده:
موسومة بالبُعد تحسب سهلها
ألقى السماءُ بحوله أطنابا
فكأنها دارٌ تقاذف صحنها
لم يجعل الباني لها ابوابا
لم يكتفِ ابن فرناس بالجانب النظري من العلوم، بل خاض السبيل مبكراً إلى دروب التجريب والابتكار، فقدم للعالم عدداً من الأفكار والاختراعات التي لا تزال مؤثرة في حياتنا حتى اليوم، فعلى سبيل المثال استطاع تطوير طريقة غير مسبوقة لتصنيع الزجاج الشفاف من الحجارة.
ثم قام بتطويع هذا الزجاج الشفاف، واستخدمه في صناعة نسخ أولية من عدسات تصحيح البصر، وكان هذا الابتكار هو النواة الأولى للنظارات الطبية، كما ابتكر تقنية لتقطيع أحجار الكريستال الصلبة، وقد استفاد الأوربيون من تلك التقنية وطوروها وأصبحوا رواد هذا المجال حتى يومنا الحالي.
أما في تقنيات الكتابة وأدواتها، فقد اخترع ابن فرناس أول قلم حبر في التاريخ، حيث صنع أسطوانة متصلة بحاوية صغيرة يتدفق عبرها الحبر إلى نهاية الأسطوانة المتصلة بحافة مدببة للكتابة، كان هذا اختراعاً ثورياً، سهّل الكتابة، وأذن للتاريخ الإنساني بأجمعه أن ينتقل من الريشة إلى القلم
بالإضافة إلى ذلك كان ابن فرناس شغوفاً بالسماء والنجوم والفلك، وهو الأمر الذي جعله يصمم في منزله غرفة مدارة بتقنيات خاصة، يرى فيها الزائر محاكاة مثالية للسماء حيث النجوم والسحاب والصواعق والبرق والظواهر الفلكية المختلفة، وهي التقنية التي تعرف حالياً باسم "البلانتريوم".
دعوني لا أنسَ "المنقلة" تلك الأداة الهندسية البسيطة التي لطالما مكنتنا من رسم الدوائر والأقواس، هي أيضاً من ابتكار ابن فرناس، وأيضاً "الميقاتة" وهي عبارة عن ساعة مائية، تقيس الوقت عن طريق تنظيم تدفق سائل معين إلى داخل جرة أو خارجها.
في خضم كل هذه الإنجازات والابتكارات التي أتى بها الرجل، ذاع بين الناس خبر بأن بن فرناس ساحر ومشعوذ، بحجة أنهم رأوا قناةً تخرج من داره يجري فيها ماء أحمر، حاصره المتعصبون مجتمعياً ورموه بكل التهم، وحين لم يفت هذا بعضده رفعوا أمره إلى القاضي متهمين إياه بالسحر والكفر والزندقة.
في ساحة الجامع الكبير بقرطبة وقف ابن فرناس أمام القاضي سليمان بن الأسود الغافق يذب عن نفسه التهم، وبالعقل والمنطق والعلم فند التهم التي وجهت إليه، وأزال عن الأفهام ما ران عليها من ركام التعصب، فما كان من القاضي المستنير إلا أن حكم ببراءته.
لم ينس الرجل الذي كان في ذلك الوقت في عقده السادس حلم طفولته بالطيران يوما ما، لذلك وعلى سبيل التحدي وأمام الملأ أعلن ابن فرناس أنه قريبا سيكون قادراً على الطيران مثل الطيور، وبعد وقت ليس بالقصير في مراقبة الطيور وتشريحها ودراسة الفكرة من جميع الجوانب العلمية والفيزيائية.
خرج ابن فرناس على الناس أمام قصر الرصافة بقرطبة في يوم قد حدده مسبقاً، ووقف على ربوة عالية مرتدياً رداء غريبا، مكسوا بالريش عند اليدين فيما يشبه الجناحين، ومربوطا بشرائط من الحرير، ثم قام بالقفز محاولا الطيران، وبالفعل نجح في التحليق لبرهة من الزمن.
لكن إغفاله لأهمية الذيل بالنسبة للطيران والهبوط، جعله يخسر توازنه سريعًا ويسقط على الأرض، لم يؤدِ هذا السقوط بابن فرناس للموت، وإنما أصيب فقط ببعض الكسور والجراح، والتي ما لبث أن تعافى منها سريعاً وعاد مجدداً إلى دروب حياته وابتكاراته.
ظلت محاولات الطيران عصية على البشرـ حتى جاء الأخوان رايت مستلهمين فكرته واستطاعوا ة القيام بأول تجربة طيران ناجحة، لكن بقيت تجربة ابن فرناس تجربة رائدة جريئة ملهمة، فها هي ناسا وقد قامت بإطلاق اسمه على إحدى فوهات القمر تكريما له على جهوده العلمية وإسهاماته وابتكاراته.
أما مدينته قرطبة، فلا تزال تستذكره إلى اليوم، عبر جسر مميز يجلس على نهر الوادي الكبير، يحمل اسمه، ليس هذا فحسب، بل يتوسطه تمثال له، مثبّت فيه جناحان يمتدان إلى نهايتي الجسر، كذلك رندة مسقط رأسه، حملت له نفس التقدير حين دشنت مركزا فلكي يحمل اسمه.

جاري تحميل الاقتراحات...