39 تغريدة 1 قراءة Jun 09, 2023
ما تيجوا أحكى لكم على قصة من قصص كتابي يُحكى أن عن رحلات حقيقية من الناس وإليهم؟ وأهو بالمرة تتعرفوا على شخصية مش ناس كثير تعرفها وحدوتة خفيفة لطيفة🌟
قصتنا هتكون بعنوان صديق الفراشات؛ يا ترى مين هو صديق الفراشات في نظركم بمجرد سماع العنوان؟
يُحكى أن الإنسان قد برع منذ بداية الحياة على الأرض في محاكاة الطبيعة، بطرق وأساليب مختلفة، ومن رحم المحاكاة، ولدت الفنون المتعددة، صادقها بني البشر وأخذوا عن طريقها يعبرون عن كل ما يشعرون به سواء فرح أو حزن، حب أو كره، وكذلك عن الألم والأمل،
لأن في واقع الأمر، تعدُّ الفنون بمثابة اللغة التي يتفق عليها كل أجناس البشر، مهما اختلفت ثقافتهم، لغاتهم، معتقداتهم، وديانتهم، ويظلّ الفن دائمًا، هو الباب الخلفي لمجابهة الهموم والمشاكل.
ولطالما أن الفنون تتباين وتختلف بين بعضها البعض، ففي رحلتنا هذه سنحلق إلى فن من طراز خاص، به تُحكى القصص وعن طريقه تتبلور المعاني، فإن شاهدناه نجده يأخذ بأيدينا برفق شديد ليسمو بمشاعرنا وأحاسيسنا، هو فن الباليه، أو الدراما الراقصة،
ليس هذا وحسب ولكن أيضًا رحلة إلى أحد أهم العاملين خلف الكواليس.
يعد فن الباليه شكلًا من فنون الرقص، حيث يستطيع الإنسان التعبير عن انفعالاته وقيمه، به يقدر على البوح بكل ما يجول بطيات فكره وكذلك أيضًا بكل ما هو حبيس داخل قلبه، وينقل به مكنون ذاته إلى الآخرين عن طريق تلك الحركات البدنية المتصلة بالموسيقى اتصالًا وثيقًا،
حيث استخدمت الأدوات الإيقاعية في تنظيم حركاته وتقويتها وظلت تلك الأدوات ملازمة له منذ نشأته، وربما يعود السبب إلى أن الشعوب القديمة والمدنيات البدائية في أول عهدها لم تعرف الغناء إلا مقرونًا بالرقص لذلك كانت الموسيقى بعنصريها الأساسيين:(الإيقاع والنغم) في خدمة الرقص.
وتعود حكاية نشأة فن الباليه، إلى أنه قد انحدر من بلاط الملوك والأمراء، وذلك يرجع إلى بداياته التي تأخذنا إلى عصر النهضة في القارة العجوز أوروبا، وبالتحديد إلى إيطاليا التي ظهر فيها رقص الباليه لأول مرة في القرن الخامس عشر،
عن طريق حفلات الملوك والأمراء، وكان ذلك نتيجة للاهتمام بالفنون والعلوم بوجه عام، وبالإنسان بوجه خاص، باعتباره آنذاك الأداة الأساسية والمحرك الرئيسي للنهوض من عصور ساد فيها الظلام كل الأركان،
واعتاد الأرستقراطيون في تلك الفترة اعتبار الفنون، كبرهان على قوتهم السياسية ونفوذهم الاقتصادي مما أدى إلى انتشار فن الباليه.
وذات يوم جاء الملك الفرنسي تشارلز الثامن مع جيشه إلى إيطاليا وفوجئ وقتها باكتشاف رقص " الباليه بين المؤدب " الأنيق والفاخر، وهو عبارة عن رقصة باليه نموذجية اعتاد الأمراء عرضها في حفلات البلاط الملكي،
فجلب بعض الفنانين الإيطاليين وأخذهم معه إلى فرنسا ومن هنا كانت البدايات الأولى لانتقال فن الباليه من إيطاليا إلى فرنسا، التي أخذت فن الباليه وعملت على تطويره ونشره بين الرجال والنساء على حد السواء حتى تم تأسيس أول أكاديمية ملكية لتعليم فنون رقص الباليه على يد ملك فرنسا لويس ال١٤،
في ذلك الوقت كان حذاء الباليه القياسي الخاص بالمرأة يحتوي على كعب، ولكن تبين صعوبة الأمر، ولأن الحذاء هو العنصر الأساسي في هذا الفن والذي يأتي مقدمًا عن الراقص أو موهبته، قررت الراقصة ماري كامارغو ارتداء أول حذاء باليه دون كعب في منتصف القرن الثامن عشر،
ومن بعدها سار الجميع على منوالها وأزيلت جميع الكعوب من أحذية الباليه.
والحقيقة أنه لم يفكر أحد من قبل عن ماهية صناعة أحذية الباليه، ذلك الفن الراقي الذي نراه من يعمل خلف كواليسه ؟، وإذا أردت أنت أو أحد من أطفالك تعلم فنون الباليه، تجد أن أول شيء تهم لشرائه هو ذلك الحذاء، الذي يمنح الثقة ويضيف البصمة السحرية لصاحبه،
فيسهل انتقاله بين الحركات كالفراش في خفته، لذا وبعد بعض المعلومات عن ذلك الفن، آن الأوان بأن نذهب معًا في رحلة إلى أحد أقدم صانعي أحذية الباليه في مصر بل ومصدرها إلى الشرق الأوسط هو الأستاذ الذي تتمتع يداه بلمسة فنية رائعة، محمود صالح.
بطل قصتنا بقى هو محمود صالح صديق الفراشات.
هو رجل قد تخطى عمره السبيعين عامًا، رسمت سنوات طويلة من الخبرة ملامحه، ما إن تراه تلمس فيه شيئًا مختلفًا، وكأن فن الباليه ينبع من بين أصابعه، حيث إن أغلب راقصي الباليه في مصر والوطن العربي، يتراقص جميعهم على أحذية من صنع يديه، تعود قصة صانع أحذية الفراشات إلى الستينيات،
حينما أسست أسرته الورش الخاصة بهم لصناعة الأحذية، تعاملوا مع الأرمن آنذاك وقضوا على أسطورة ارتداء "البُلغة"، وهي عبارة عن نعل تقليدي كان يُصنع من الجلود، حيكَ بدقة من الأمام والجانبين فصار مغلقًا من جميع النواحي عادا جانب واحد من الخلف،
وبدأت أسرته في تصنيع الأحذية بالشكل التقليدي المتعارف عليه حاليًا، تربى على ذلك وشبّ على مهنة صناعة الأحذية إلا أنه عندما كبر ونضج رفض الانضمام إلى مجال الأسرة، بل تطرق إلى صناعة نوع آخر ومختلف من الأحذية، ألا وهي أحذية الباليه.
ففي عام ١٩٦٨، التحق بورشة صناعة أحذية الباليه في أكاديمية الفنون، وتلقى أصول فن صناعة الأحذية على يد خبير روسي، كان يُدعى بورشوف، شغفته تلك الصناعة حبًّا وملأت قلبه بالفراشات المتراقصة، فعشق تلك الصناعة وقرر امتهانها.
وبين جدران ورشة معهد الباليه بأكاديمية الفنون، تعلّم الفنان محمود صالح أدقّ التفاصيل الصغيرة عن صناعة الأحذية الراقصة، تمعّن في كيفية حياكتها، وأدرك تطوراتها بل وظل متابعًا لكل جديد يُضاف إليها.
ونظرًا لحبه الشديد للفنون الشعبية وتعلقه بفولكلور الرقص، وقع في حب رقص الباليه من اللحظة الأولى وكان ذلك بمثابة الدافع الذي شجعه عن الحياد عن صناعة الأسرة الأصلية، فقرر أن ينفصل ويبدأ في العمل على تأسيس ورشته الخاصة بينما لم يترك وظيفته في ورشة الأكاديمية، وبالفعل قد كان،
افتتح ورشة صغيرة، وقسم أحذية الباليه إلى ثلاثة أقسام لبوانت، والديميه، والكراكتر. فالأول منها يختص بالرقصات الصعبة، وترتديها الفتاة في سن مبكرة حتى تتحمل جسمها صعوبة الرقصة، والثاني يكون فقط للتدريب، أما عن الثالث والأخير فهو مخصص لرقصات محددة مثل التانجو والإسبانيول.
حرص الفنان المُبجل منذ بداية عهده في المهنة على استخدام خامات مصرية خالصة، من جلود وخامات قطنية وحرير، نظرًا إلى جودتها وأفضليتها عن الخامات المستوردة، حتى إن بعض الدول الأجنبية تستورد تلك الخامات من مصر لاستخدامها في الخارج.
أما كل مرة يبدأ فيها بصناعة حذاء جديد فيشعر وكأنه يصنع مجوهرات ثمينة من ذهب وألماس، فبالنسبة إليه، هذه ليست مجرد أحذية باليه عادية، بل هي أزواج غالية لا تقدر بثمن، وذلك إن دل على شيء، فهو حبه الشديد والصادق لتلك المهنة واعتزازه بها.
بدأت انطلاقة صديق الفراشات، عندما طرق باب فرقة رضا الشهيرة، ولكن رفض ساعي الفرقة دخوله إلى عالمهم الخاص، مما جعل اليأس يحل ضيفًا عليه لفترة من الوقت، لكنه رفض الاستسلام وظل يمشي متجولًا في شوارع وسط البلد حتى تعثرت قدماه بأبواب الفرقة القومية للفنون الشعبية،
وكان مديرها آنذاك محمود خليل، عرض عليه زوج من الأحذية فأعجب به ووقّع معه عقد بقيمة ثمانين جنيهًا، وعلى الفور بدأ العمل معهم وبات يصنع لهم الأحذية، وسرعان ما ذيع صيته وبدأ يشتهر بين الفرق،
وأصبحت ورشته الصغيرة المحدودة تعمل على تصنيع أحذية لأكثر من خمس عشرة فرقة رقص من مختلف المحافظات.
صار النجاح رفيقه، والأمل طريقه، ولم يكتفِ بذلك القدر، بل تطلع إلى ما هو أكثر من ذلك، ففي التسعينيات أحيت دار الأوبرا المصرية فرقة الباليه الخاصة بها، وحلم بأن تكون الأحذية التي سيرتديها الراقصون من صنع يديه، لا أن تكون مستوردة،
وبالفعل في ذلك الوقت نظرًا لعدم قدرة دار الأوبرا شراء الأحذية من الخارج بالعملة الصعبة، تعاقدت معه على تصنيع أحذية الفرقة، تحقق حلمه وكانت قيمة العقد حينها ب ١٢ ألف جنيه، الأمر الذي يسر له شراء معدات حديثة، قوالب جديدة،
بل وساعده على افتتاح ورشة جديدة أكبر في منطقة العمرانية وهي الورشة القائمة حتى وقتنا هذا.
لم تتوقف مسيرة الأستاذ محمود صالح عند هذا الحد، بل وصل للعالمية، فطارت أحذيته مسافرة إلى أوروبا وعمان والإمارات، وتحوّلت أحذيته إلى علامة تجارية يتم تصديرها إلى الخارج نظرًا لجودتها الممتازة، فقد صُنعت بمزيج بين الحب والإتقان.
مرت الأيام سريعًا وافتتحت العديد من المراكز والأكاديميات لتعليم فنون الباليه مما جعل الضغط على طلب الأحذية يزداد ويتفاخم، فبات يصطحب ابنه إلى الورشة، كي يساعده على صناعة الحذاء وصباغة ألوانه،
اعتقادًا منه أن صناعة أحذية الباليه هي حرفة أكثر منها مهنة فيجب أن تورث وتُتقن حتى لا تندثر أو يأتي يوم تطغى فيه الأحذية المستوردة على أحذيتنا المصرية.
تُعتبر ورشة محمود صالح هي رقم واحد بل الورشة الأفضل في الشرق الأوسط لتصنيع أحذية الباليه، وكل العاملين فيها يقومون بالأعمال اليدوية للأحذية من البداية للنهاية بسبب نقص الماكينات وعدم توافرها في مصر، الأمر الذي رغم صعوبته كان سببًا في توسع الورشة
وتصدير إنتاجها إلى ألمانيا وإيطاليا مؤخرًا، في رسالة واضحة أن قلة الإمكانيات أو ندرتها لا يمنع المرء من تحقيق أحلامه، لأنه دائمًا ثمة سبيل للوصول.
نجح صديق الفراشات في تأسيس صناعته الخاصة وإنشاء علامته التجارية التي باتت تُحلق بعيدًا عربيّا وأوروبيًّا، أكثر من أربعين عامًا، وهو يفعل الأمر نفسه، من حياكة للستان والحرير على شكل حذاء ثم صب الغراء والخيش وخياطته وصبغه حتى يصير في أبهى صورة ممكنة،
وفقط ينال السكينة وتُرسم البسمة على وجهه عندما ينتهي من الحذاء ويصير جاهزًا، هنا تزول ساعات من التعب والإرهاق، فينظر نحوها بينما تنتظر هي الخروج إلى ساحات الرقص المختلفة، ويجد فيها اختلاف ورقى،
تلك هي الحرفة التي عشقها وباتت صناعة وفن، فصارت تدب أرجل راقصيه على المسارح المحلية والدولية ببصمة ورشته.
*تمت*
من كتابي يُحكى أن عن رحلات حقيقية من الناس وإليهم #ريم_ياسر

جاري تحميل الاقتراحات...