أبوخالد الحنيني ✪ ملخِّص 𓂆
أبوخالد الحنيني ✪ ملخِّص 𓂆

@summaryer

24 تغريدة 845 قراءة Jun 07, 2023
عزيزي الأب، عزيزتي الأم
إن كنتما تظنان أن حلقات التحفيظ مجرد "حفظ قرآن"
(على عظمة هذه الوظيفة وأهميتها)
فتعاليا أخبركما قصتي مع حلقات تحفيظ القرآن.
ابتدأت علاقتي بحلقات تحفيظ القرآن منذ المرحلة الثانوية
وهي بداية متأخرة في عرف الحلقات، فإن العلاقة بالحلقات تكون في مرحلة مبكرة جداً عادة، في المرحلة الابتدائية تحديداً.
ورغم بدايتي المتأخرة جداً، إلا أن ما تعلمته واستفدته من حلقات التحفيظ أمر كبير جداً، ما زال يؤثّر بي وأنا في العقد منتصف الأربعين الآن.
أولى فوائد حلقات التحفيظ، هو حفظ القرآن الكريم، هذه أولى مهام الحلقة، بل أعظم مهامها، ولهذا وُجدت.
وارتباط إبنكما بالقرآن مهما كان قليلاً أو ضعيفاً سيؤثر إيجابياً في حياة إبنكما وسلوكه في مستقبل الأيام، حتى أني أقول، كلما كانت بدايته أبكر، كلما كانت فائدته أعظم.
حلقات التحفيظ لا تقتصر على مجرد التلقين والتحفيظ،بل إن محفّظ القرآن يضيف إلى ذلك أشياء مهمة من التدبر والإفادة من معاني هذا الكتاب العظيم،فيدارس إبنكما في فوائد تلك الآيات،معنى:
-"واخفض لهما جناح الذلّ من الرحمة"
-"وقل ربِ ارحمهما كما ربياني صغيراً"
-"وصاحبهما في الدنيا معروفاً"
فحِلق التحفيظ من أشد الناس حرصاً على غرس قيم برّ الوالدين وطاعتهما في نفوس الأبناء، بل هي في أول سلم الأولويات التي تسعى حلق التحفيظ لغرسها، وتجذيرها، وتنميتها في نفوس طلابها.
ولإخبركما أيضاً: هل تظنان أن إبنكما لا يشتكي لأصحابه، ومن يحب عمّا يواجهه منكما؟
كل الأبناء يفعلون ذلك، يظنون أن والديهم يقسون عليهم في بعض المرات، يمنعونهم من بعض المميزات التي يرون أحقيتهم بها.
أفلا يهمكم أن تكون شكواه لعاقل من عقلاء تحفيظ القرآن،
يشكو لزميل أو معلم؟
قد كنتُ أشكو لمعلمي في التحفيظ ما كنت أظنه قسوة غير مبررة من وأبي، فأنا شاب غرّ صغير لا أرى إلا موضع قدميّ، أضيق من أوامر أبي وأمي، ومنهما لي من بعض الأمور.. أشكو.. أشكو لمعلمي الذي هو صاحب أكثر منه معلماً، فماذا يقول لي؟
إنه لا يفتأ يذكرني ببر الوالدين، وعظيم فضله، وأن والدك وإن قسى واشتدّ معك فإنه يريد مصلحتك، ويخبرني بالطريقة التي يجب أن أحادث بها والدي، بل حتى لو فكرت بالاعتراض يخبرني بالطريقة المثلى في الاعتراض الذي لا يكون عقوقاً، بل حديثاً عاقلاً باراً محباً. ويختم (تذكر، هو والدك بالأخير).
ولو لم يشكِ ابنكما لمعلمه، فإنه يشكو لزميله الذي غالباً يكون امتلأ من معلميه في الحلقة بهذه المعاني، فينقل له ما نُقل إليه.
لكن دعوني أخبركما عما كنت أسمعه من أصدقائي خارج الحلقة، قبل الإنضمام لها.
كان أقلهم تحريضاً من يحسسك بنقصك عنده!
"ليش أبوك يعاملك كذا"
"أول مرة أشوف أب يعامل ولده كذا"
فماذا تنتظران من ابنكما حين يمتلئ شعوراً بالنقص والدونية أمام أصدقائه؟!
هذا إن لم يحرّضوه على التمرد والعصيان!
هذا جانب من جوانب فضل حلقات التحفيظ!
من الجوانب العظيمة أيضاً: أن حلقات التحفيظ تسد جانباً من الثغرات في شخصية ابنكما قد لا تنتبهان لها. فالقائمين عليها قد تمرّسوا على اكتشاف الجوانب الإيجابية وتنميتها، والسلبية وتقليلها.
خذا على سبيل المثال، كثيراً ما يعطى التلاميذ في التحفيظ دورات في طرق التعامل الشخصية الإيجابية..
باختصار "علوم المراجل" (= المروءة) ابتداء من الابتسامة، إلى أعظم صور البذل والعطاء.
يتعلمها الشاب نظرياً، وتطبيقياً مما يراه ممن حوله من زملائه ومعلميه، أو حتى أن يطلب منه تطبيق ذلك.
يتعلم الشاب في الحلقة كيفية مواجهة الجمهور، والحديث اللبق، وضوابط المزاح الشرعية، وتقبل النقد البنّاء، وتصحيح الأخطاء، والمراجعة الذاتية، ومعاني صدّقاني -خاصة إن كنتما موظفَين- لن تستطيعا بمفردكما -إلا بكلفة شديدة جداً- غرسها في إبنكما، لكن ثمّ من بذل نفسه -لوجه الله- لمساعدتكما!
أيضاً: وضع ابنكما في المدرسة سيتحسن بشكل مباشر مع دخوله حلقظ التحفيظ، سواء من ناحية السلوك، أو الأداء الدراسي، وخاصة الأداء الدراسي ستريان ارتفاعاً كبيراً في المستوى الدراسي قد يفاجئكما، كيف؟
حلقات التحفيظ من أشد المحاظن التربوية حرصاً على جودة الأداء التعليمي لأفرادها، تبذل في ذلك جهداً شديداً، لماذا؟ لأنهم يرون أن الشاب من أفراد الحلقة لا يمثل نفسه فقط، وإنما يمثل بيئة التحفيظ، فكيف سيُنظر إلى حلقات التحفيظ إذا صار أفرادها سيئين دراسياً؟
هذا المعنى يُغرس في قلب الطالب، (أنت لا تمثل نفسك، أنت تمثل حلقتك، وقبل ذلك والديك وأسرتك) هذا العمعنى سمعته مراراً وتكراراً من زملاء حلقتي، فنبدأ في رفع مستوانا الدراسي لنكون خير ممثلين لحلقتنا، نعم والله.
بل إن الأمر يتجاوز إلى أن يجد الطالب في الحلقة من يشرح له ما يصعب عليه من المنهج، سواء من زملائه الذي هو في نفس سنته، أو من مشرفيه الذين يكونون عادة إما معلمين، أو طلاباً جامعيين لديهم العلم الذي يؤهلهم لشرح مناهج التعليم، مثل الرياضيات، والفيزياء والكيمياء وغيره!
وأذكر -ولا أعلم هل ما زالت هذه عادة الحلقات أم لا- كنا في الحلقة نجتمع قبل بدء الاختبارات بأسبوعين في مسجد الحلقة، وتُوقف جميع أنشطتها،ونتفرغ للدراسة والاستعداد للاختبارات، مدة أسبوعين قبل،وأسبوعي الاختبارات نفسها، بل نجد في كثير من الأحيان من يشرح لنا المواد العلمية غير الدينية!
وكان الأمر صارماً من مشرفي الحلقة، فلا مجال للسوالف إلا فترة المغرب، وأثناء وجبة العشاء التي كانت خاتمة يومنا قبل الرجوع إلى أهلينا، ونكون قد بقينا في المسجد -للمذاكرة- فترة لا تقل عن خمس ساعات على الأقل، خمس ساعات من الدراسة المكثفة المتواصلة!
فنأتي للاختبار ونحن على أتم الاستعداد، ونؤدي بعد توفيق الله عزّ وجل أحسن أداء، وتأتي دراجاتنا وقد جاوزت التسعين، بل في كثير من الأحيان منتصف التسعين!
أما الرحلات الأسبوعية، فهي ليست لعباً ولهواً محظاً، بل فيها من جوانب التربية، والإرشاد، مع الترفيه ما يكرّس ما يتلقاه التلميذ أيام الأسبوع.
ووالله، إني الآن؛ أنهيت دراستي الجامعية، وتوظفت في وظيفة جيّدة، وتزوجت، وعندي ذرية -أسألُ الله صلاحها- وما زلت أتفيئ ظلال المعاني التي غرست فيّ من حلقة التحفيظ التي كنت فيها، وأرى فوارق التعامل المتباينة بيني وبين زملائي وأقاربي الذين لم يحظوا بنعمة "حلقة التحفيظ".
والحمد لله والشكر له أن هيأ لي هذه التجربة العظيمة الناجحة في حلقات التحفيظ، والشكر الكبير لمشرفيّ وزملائي في حلقة التحفيظ الذين استفدت منهم أعظم الفوائد في ديني، ونفسي، وسلوكي.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.

جاري تحميل الاقتراحات...