raed ASFرائد السامرائي
raed ASFرائد السامرائي

@RaedAsf

23 تغريدة 8 قراءة Jun 07, 2023
من أوّل الوردة حتى آخر الشمس…
***
ليست مجرّد تجربة موسيقية ، انما هي قصة حياة وكفاح وعصامية ، بدأت في أزقّة مدينة الحريّة في بغداد واستمرت الى كبريات مدن العالم ومسارحه واضوائه اذ يستقبل فيها كشخصيّة عالميّة مهمّة ..#يتبع
#كاظم_الساهر_صوت_الوطن
يمكنني أن أؤرّخ لبداياتها على مستوى البصمة المختلفة أو (الأسطورة الخاصة ) بحسب تعبير الروائي البرازيلي باولو ، بمعنى أنني لا أؤرّخ للتجربة قدر ما أتابع مسار تلك الأسطورة ورصد تحوّلاتها ..
فقد كان تحرير مدينة الفاو من الاحتلال الإيراني في نيسان 1988 مثيراً ملحميّاً
خطيراً أنعش الأجواء الوطنيّةَ بعد سنتين من الركود والخيبة ، فاندلعت الأغاني والأناشيد والقصائد والتعبويّات الحماسية ، وتراصفت المجاميع تغني لعودة الفاو بوصفها رمزاً للفداء والتحرر ، إلاّ هو الذي أصرّ أن يكون مختلفاً ، فقد وقف في كامل أناقته وإشراقه ليقول..
سمرة وجدايلها الشمس
سحر الخليج عيونها ..
ولعلّها المرّة الوحيدة التي وردت فيها مفردة ( الخليج ) في اغنية عراقية ..
لم تكن أغنية وطنية قدر ماكانت أغنية حب ، فقد انزاح بالمدينة من صورة الحرب وأمثولة الفداء والمذبح الى صورة ( العروسة ) ..
كان الفتى يرتدي ثياب العريس وهو يقف على المسرح يشدو لحبيبته العائدة :
يالله غنوا للعروسة ..
وهكذا نجح في كسر النمطية العسكرية للأغنية كما نجح في التأثيث لمرحلة ما بعد الحرب ..
ولم يكتف بكسر نمطية الأغنية بل كسر نمطيّة الذائقة العراقية التي كانت تتمحور حول الكئيب والرتيب
والبسيط من اللحن والكلام والتوزيع ، وذلك من خلال توظيف الإيقاعات الشعبية والجُمل الطربيّة خفيفة الدم والتي تحيل الى غناء الجلسات الريفية ولكن بنسق مديني بغدادي ، ولهجة غنائية لايمكن تصنيف هويّتها لأنها تنتمي الى الكلّ ، هذه اللهجة التي طوّرت لاحقاً لتضيف الى اللهجات العربية
لهجة جديدة ، لهجة عربيّة بمرجعيّة أو نكهة عراقية ، هي اللهجة الساهرية التي تجد فيها مفردة ( وحشتيني الى جنب مفردة وِلَك العراقية الخالصة ) .
بعد حقبة الأغنية البغدادية ببساطتها وميلها الى المرح والطرفة والشجن الخجول وبزوغ عصر الأغنية السبعينية الدسمة بحمولاتها الثقافية الكثيفة
ومرجعيات الجنوبيّة اليسارية وثرائها اللغوي واللحني وامتدادها في أغنية الحرب ظهرت الأغنية الثمانينية كعتبة باهتة رتيبة بلا هوية ومن بين ركام الكآبة والملحميات التي خلفتها الحرب ، ومن وسط الفحوليّات الثقافية المهيمنة ، خرج صوته بأعلى السلالم يصيح :
عبرت الشط على مودك ..!
فتوقف الناس المنشغلون بفك احزمتهم العسكرية ..!
كيف لهذا الفتى أن يخون بدلته الخاكي وهو يصطف في كردوس المسرح العسكري منشداً :
والله بيضتوا وجهنا ياصناديد ..
كيف جرؤ أن يطالعنا بهذا الكلام المتهافت؟
لم يأبه فجاء بالصفعة الثانية :
التلدغه الحيّة بيده
يخاف من جرة الحبل ..
وقبل أن يصرخوا في وجهه ، رد بالثالثة :
شجابرك على المر ؟
ثم يواصل الفتى جنونَه ، جنون العائد الى الحياة ، يسلّم بندقيّته الى المشجب ، ويأخذ عوده منطلقاً في فضاءات الحياة الخارجة من ظلمات الملاجئ الرطبة ، وظلال الخنادق الضيّقة ، ورخاوة الممالح القاتلة ،
، ليصطنع لنفسه فضاءات أرحب ..
ليأتيهم بعاصفة من الجديد والمختلف والمختَلَف عليه ليس في الغناء فقط ، بل في اللبس وتسريحة الشعر ولغة الحديث والجسد ، مواصلاً اقتحام التابوهات العراقية الصلبة ومعاقل الفحولات الثقافية المنيعة ..
خفت الصخب قليلاً ليزداد الفتى توهّجا :
تارة بعتاب رقيق :
سلّمتك بيد الله ..
العزيز…
وأخرى بتأنيب عنيف :
تبچي ماتبچي أبد
بعد متحرّك احساسي ..
لم يدع لهم فرصة لالتقاط الأنفاس فقد كان غزيراً مثل وادٍ دكّ السدّ فجأة ، أغلق أذنيه على صوته وموسيقاه تاركاً الناسَ يصخبون به أو عليه ، لم يكترث
فلا صوت يعلو على صوت الحلم الذي تأجّل لثمان سنين من الدماء والأشلاء والغيابات الموجعة ..
الكل يتحدث وهو يلحّن ويغني
الكل يتهكم وهو يلحّن ويغنّي
الكل يتهجّم وهو يلحّن ويغنّي
الكل يصفّق وهو يلحّن ويغنّي
سكتت حناجر البيانات العسكرية وتوقّفت الأغاني المسلّحة عن مداهمة الأسماع
والقلوب في البيوت والمحلّات والمقاهي والسيّارات والإذاعات المسموعة والمرئيّة ، وانحسرت أغاني السبعينات مع انحسار فرسانها بين متوقّفٍ ومتعثّر ٍ وتائه وممنوع ، كما فقد الثمانينيون لياقة التجديد ، وحلّ محلّها صوت واحد هو : كاظم ..
يخرج من كل الزوايا والصحف والمجلاّت
كان يبشر بعصر من المرح والأمل والبساطة والتجديد ..
ويعلو الصخب ثانية وتتلاحق منافسات جيله الثمانيني له ، فيضغط زر الانطلاق الى الأمام فتتضاعف المسافات بينه وبين أقرانه بأطول أغنية عراقية في التأريخ وبلياقة لحنية غير مسبوقة وكأنه يقول لهم :
لا ياصديقي ..
فات الآوان…
ميزة الإستثنائي أنه لايتوقف لأنه لايكتفي ولايرضى ليس عن غرور بل عن ايمان بأنه يمتلك الأفضل ..
لم يكن لغيره أن يفكّر أو يجرؤ على الوقوف على سيارة وسط المدينة تحيطها الحشود وهو يصرخ بتحد ٍ غاضب ، ولغة عنيفة :
هدّد كسّر حطّم دمّر ..
ليعاود سحب المزاج العراقي الذي أنهكه الحصار
الى عالمه السحري الخاص ، بين عاشق خاسر يجوب قلعة باشطابيا وهو يصرخ :
لاتحرموني منه ..
الى دور المطرب الممثل الذي لم يعتده العراقيون كثيراً في مسلسل المسافر وأغانيه الجميلة التي غفرت ضعف التمثيل ..
هكذا اندلعت الظاهرة الساهرية
لتصنع في كلّ بيت أو حارة ، نسخةً أو نُسخاً منها
بالصورة أو الصوت أو الهيأة ..
في صورة من صورة التناسخ الثقافي ..
كانت تلك هي المحليّات التي ختمها بأن يتدافع الناس حد الموت عليه قبل أن يعتلي خشبة المسرح البابلي بقميص مفتوح …
وحنجرةٍ تطوف ليلَ بابلَ مثل حمامة فرّت من المسلاّت السعيدة وهي تهدل :
ياليل لاتنتهي ..
توني ابتديت الغزل ..
قبل أن يدشّن عصرَه العربيَّ السعيد بالقصيدة المغنّاة ذلك التراث الذي غاب مع رموزه الكبار عبدالوهاب والسنباطي وفريد والموجي وسواهم ..
دخل الفتى مصر ، وكل الذين دخلوها قبله وبنوا نجوميّتهم إنما بنوها على موسيقى مصر الا هو..
فقد جاءها متأبّطاً موسيقاه هو ، وليس سهلاً أن تقنع شارعاً سمّيعاً لم يعتد اللهجة العراقية كثيراً مثل الشعب المصري ، وقد فعلها ونجح ، وأعطته أم الدنيا ما يليق بها وبه من الحب والاحترام ..
فغنى بلهجتها المحبّبة :
مقدرش ..
وأشكيك لمين ..
لقد أدرك بحسّه الذكي أنه قد حقّق لحظة
الانتباه بعد كل الصخب الذي أحدثه ، فقرّر أن يهدأ قليلاً ليعيد العرب الى نزار قباني وعصره الأشقر الذي غاب مع حليم ونجاة ، وهتف للدنيا :
ـ زيديني عشقاً زيديني ..
فتوّجه الشاعر المشاكس بلقب القيصر ..
وقد يكون ذلك آخر مافعله ذلك الشاعر العجوز الذي مات طفلا ..
ولأنه يعلم بأن لكلّ عربي ليلاه ..
أعادهم الى ليلى حبيبتهم الشعريّة الخالدة ..
لقد أدرك أن الموهبة قد تصنع مبدعاً لكنّها حتى تصنع نجوميّة متفرّدة تحتاج الى إدارة عقلية واعية ..
فكان ذكيّاً في الاختيار والتسويق ..
لم يكتف ببلوغ القمّة ولم يكتف بالحفاظ عليها بل انطلق في بناء
قمم أخرى
أنه الذي جاء ليبقى ظاهرة فنية ثقافية أسست فاصلة خالدة بين ماقبلها وبعدها
هو كاسر الأمواج الذي حافظ على رشاقته البدنية والأخلاقية والأبداعية على مدى 40 عام بدأت منذ أن ( شاف الورد ) وألى ان دخل مدرسة الحب وصار عميدآ لكل المحبين عشاق الحياة
أنه كاظم الساهر .

جاري تحميل الاقتراحات...