بسام الهويمل
بسام الهويمل

@bhoymal

12 تغريدة 265 قراءة Jun 04, 2023
عملت، ما زادَ على عشرة أعوام في استعلامات الهاتف(٩٠٥) حتى كاد يذهب عقلي لفرط التشتت، وأصاب بالصمم.
أشكل من عشرة أعوام وأنا صامت أستمع إلى الأحمق في الهاتف، في الغالب لا يدري ماذا يريد!
أعامله مثل طفل، ماذا تشتهي يا بابا؟
بيتزا، مندي، برغر، بروستد ..
وردية المساء كانت عذاب ممنهج.
إنني لا أدري أجدها من المتصل أم من المشرف أم من الإدارة التي تريدني أن أستقبل ٥١٢ مكالمة خلال ساعات العمل.
تعرضت لصداع لا نهاية له،ساءت أخلاقي. وتشوهت خِلقتي بهالات سوداء أسفل العين.
لم أعرف طعم السعادة إلا ساعة فارقت العمل هناك.
كنا واجهة الشركة(حقيقة)و يمنحوننا أحقر الرواتب.
كنت حين أستمع إلى نغمة المصعد في مستشفى أو فندق،مباشرة أقول،بلا وعي:تفضل كيف أقدر أخدمك، لتشابه النغمة!
أخبث مكالمة تصلني،هي للعميل الذين على خط سفر. يسهب في الحديث والتفاصيل ريثما يصل إلى وجهته وأنا الضحية.
حينها أدعو أن يكون المتصل يريد الذهاب إلى القويعية أو المجمعة لقربهما.
حين تنتهي الوردية، أبحث عن سيارتي بالريموت، أتتبع الإضاءة الجانبية مثل أعمَش، لأني فاقد للذاكرة، مسطول بالإرهاق.
مكان عملي بلا خصوصية، كل شيء مشترك.
لقد تعرّفت إلى المعقمات قبل كورونا بآلاف السنين. جلد يدي أحرش مثل ظهر ضب. مزيج ثلاثة ألوان، الأبيض والبنّي ولو آخر غير مصنّف.
الكيبورد الذي كنت أعمل عليه قذر جدًا. الفراغات بين أزراره يُطلّ علي منها:قمل، و قلامات أظافر سوداء، وغبار، وبقدونس سقط من وجبة فلافل تناولها أحدهم في الصباح.
الشاشة التي أمامي ليس لديها أية امتيازات لحفظ البصر. أما الكرسي فهو مصمّم ليُصيب الموظف بالبواسير و النواسير والطلوع.
هناك،بلا مبالغة قرأت مئات الكتب. أضخمها تاريخ ابن كثير، في ١٠ مجلدات.
كان المشرف يمر بي ويقول:
بالله وش تبي تصير؟ والله يا هالكتب ما راح تنفعك.
لقد صدق المشرف،خسرت وظيفتي.
كانت الخاتمة:(إنهاء خدمات)بلا حق.
في معتقل ٩٠٥ كنا سُذّج. أكثر من ٥٠٠ موظف تم نحر طموحهم في مذبح النفعية.
تعرّفت إلى مدن المملكة، إلى قراها والهِجر. أُناس من القصيم ومن جازان و تبوك، قمت بخدمتهم على أتم وجه. مثل جندي ممسك بسارية علم في أرض معركة تتخطفه قذائف المدفعيّة. لم يتراجع إلى الخلف، ولم يندس بداخل خندق اتقاء الرصاص.
عندما انقضت الحرب تم تسريحي بلا نوط شرف!
والآن،عندما أتلقى اتصالًا من هذه الشركة، يرق قلبي للموظف خلف السماعة.
إنه يذكرني بعذاباتي الماضية،بالسنين العجاف. أحاول قدر المستطاع أن أُدخل السرور إلى قلبه. بالكلمة الطيبة،وبالتقييم رقم خمسة،علامة على رضاي.
إنني راضٍ عنه وحدَه. عن بسالته في طلب رزقه. رغم الرأسمالية المحيطة به.
وبعد الذي ذكرته لكم..
بعد كل هذا الصمت الطويل في جهة العمل والحياة. يأتي في تويتر من يقول لي أص،من أعطاك الحق تتكلم؟
هذا الأحمق لا يعلم حجم اليورانيوم المخصب فوق متني!
لا يعلم عن حجم الدمار الذي سوف أُلحقه به وأنا أستخدم معه لعبة الحروف هنا أو هناك.
الويل لمن قال لي بعد الآن:أص.
أخيراً..
ما مضى كانت حقيقة مُعاشة، واليوم حكاية تروى.
ليس في نفسي أو في خاطري أي شيء تجاه stc والزملاء هناك. كانوا أساتذة و معلمين استفدت منهم إلى الغاية.
وهم في حل مني إلى قيام الساعة، وأرجو أن أكون كذلك من أنفسهم.
إنَّ المبالغة والافتعال من أركان السرد.
تلك عشرة كاملة 💐
لا أخفيكم أنني أكتب وأرسل للوالدة فوراً.
ضحكات أمي وهي تقرأ، بل وهي تُعيد القراءة مرة تلو الأخرى، لا يعادلها شيء من الدنيا.
ابتسامتها طيلة اليوم، بشهادة نوبل بالنسبة لي!
أحد المتحرّين والشهود، على خيبات القراءة أثناء العمل!

جاري تحميل الاقتراحات...