محمد غازي
محمد غازي

@i1xyz

14 تغريدة 54 قراءة Jun 04, 2023
مرحبا إنسان القرن الحادي والعشرين..
كيف حالك بينما تنصهر؟
ها أنت إنسان حديثٌ جدا..تنمو في مكعبات الإسمنت وتتجرع المعلبات، وتستلقي مثل نهر يجري حيث أنك بعد ثانيتين لستُ أنت قبلها.
إنسان حديث جداً يخشى أن يصير مستَهلكاً ومنتهِ الصلاحية، ويخشى أن يعامله أصدقائه كما يعاملون مسلسلهم المفضل عندما ينتهون من آخر حلقة منه، يخشى أن تعامله حبيبته كما تعامل فساتينها القديمة إذ تهديها للجمعيات الخيرية في نهاية المطاف، إنسان يستيقظ بالمنبه، وينام بالعقاقير، ويأكل قلقه
إنسان حديث جداً، رغباته الاستهلاكية وشهواته وغرائزه متوقدة بشكل يزيده بؤساً، مجفف وجدانياً وروحياً ومليء بالمواد الحافظة، يتقوى بفتات الموسيقى والانغماس في الشهوة، وينهشه الاكتئاب إذ تدهسه العجلة الاقتصادية كل يوم.
إنسان مشوه نفسياً، هويته عائمة وباهته ككلمات كُتبت بالطبشور، ويبحث عن انتماء، أي انتماء، فمرة ينتمي لعشاق البرغر، ومرة ينتمي لمحبي الرقص ظهيرة كل يوم
انتماءات ولو كانت تافهة لكنه يعوض بها شتات هويته المائعة في عصر انصهرت فيه الهويات فصارت مزيجاً وصار الإنسان مجرد شيء قابل للتفكيك
إنسان هائم في اغترابه، يلهث نحو اللا هدف، والركض صار بحد ذاته هو الغاية والهدف .. نستيقظ يومياً لنركض، نعمل من أجل غيرنا ويعمل غيرنا من أجلنا ولا أحد يقوم بعمله الخاص، إنه عالم من الخدمات والرفاهية.
لا هدف سوى الركض والمزيد من الركض في مراثون استهلاكي مزدحم
إنسان عابر للمذاهب والأديان، لا يستقر على شيء.. يملؤه القلق، ولا شيء مضمون، ربما تصبح إلهاً فجأة، وربما تصبح عبداً فجأة.
وللألوهية والعبودية هنا أشكال مختلفة ومتنوعة
وربما كل شخص يجد نفسه إلهاً من ناحية، وعبداً من ناحية أخرى
هناك من يستعبدنا وهنالك من نستعبده، والسلسلة طويلة جدا
إنسان حديث جداً، يرقص بينما الموت يحيط به، ويحاول أن يبقى متفائلاً رغم أن الحرب العالمية تطل من النافذة، يهرب من وحدته بالانضمام لجماعات انعزالية، ويهرب من فقره إلى التسكع في الأسواق ،ويهرب من مأزقه الوجودي بالموسيقى، ويقتنع تماماً أنه لا جدوى من الركض ولكنه يركض كفأر في الدولاب.
إنسان حديث جداً، يريد استهلاك كل شيء حتى الأصدقاء، يجددهم دائما إذا جف الاصدقاء القدامى، ولم يحققوا له نشوته الاجتماعية.
يسير في متجر العالم باحثاً عن أصدقاء يجففهم ثم يرميهم تحت الشمس في طريقه لدزينة جديدة من الأصدقاء يستهلكها وتستهلكه
إنسان حديث ولا يفكر إلا بطريقة السوبر ماركت
إنسان حديث يعامل الآخرين على أنهم منتجات ترفيهية، والويل لكل من يفشل في ترفيهه، عائلته، أحباؤه، مجتمعه، وطنه، فكل من يفشل في التجدد وقتل تملله المزمن يحكم عليه بالرفض والترك والتجاهل ويرسله لقمامة إعادة التدوير
إنسان حديث يتنفس هواء القرن الحادي والعشرين الملوث جداً، ويرى أن كل شيء جميل ومحكم التنظيم وقد وصل كل شيء إلى غايته القصوى.
لكن البؤس ما زال يصرخ في كل مكان، في زوايا الأماكن ودواخل الأنفس.
إنسان حديث جداً، يعيش "بين ملذات الاستهلاك وأهوال القمامة" ، هذا الإنسان الذي هو أنت وأنا و هي، فرد مائع ثقافياً.. يتفق مع الجميع ولا يشبه أحداً، مؤمن بكل شيء، ولا يؤمن بأي شيء في ذات الوقت.
إنسان حديث جداً، علاقاته مجرد تعاقدات مبنية على قاعدة "خذ مني وأعطني" والهدف الوحيد هو أن يستمتع كلنا بالآخر، و وظيفة الآخر هي أن يكون كوب قهوتي اللذيذ جداً، أستهلكه ويستهلكني، والوعد المطلق بيننا هو أننا سنفترق عندما يتوقف أحدنا عن كونه ممتعا للآخر، ضغطة زر ونفترق
يعيش هذا الإنسان الحديث اليوم في حالة توتر دائم وقلق متجدد واكتئاب مصنّع بأرقى الطرق الحداثية، ويقف وجهًا لوجه أمام الدمار والموت والتعذيب والوحدة والاغتراب.
إنه إنسان الحالات المتطرفة وقد بلغ، أو على وشك البلوغ، نهاية وجوده.
- مذكرات الهمجي النبيل

جاري تحميل الاقتراحات...