2
ولا عجباً للأُسد إن ظفرت بها ** كلاب الأعادي من فصيح وأعجمِ
فقال الأسير : الله بيننا وبينك يا معاوية وليتَ أمورنا فضيعتنا !
بلغت المقالة معاوية ، فأرسل في فدائه فافتدي ، وسألَ عن اسم اللاطم فأُخبِر، ثم أرسل معاوية إلى قائدٍ له فطنٍ ذي معرفةٍ وخبرةٍ، وقال له:
ولا عجباً للأُسد إن ظفرت بها ** كلاب الأعادي من فصيح وأعجمِ
فقال الأسير : الله بيننا وبينك يا معاوية وليتَ أمورنا فضيعتنا !
بلغت المقالة معاوية ، فأرسل في فدائه فافتدي ، وسألَ عن اسم اللاطم فأُخبِر، ثم أرسل معاوية إلى قائدٍ له فطنٍ ذي معرفةٍ وخبرةٍ، وقال له:
3
إنّي أُريد أن تتحيل في إحضار ذلك الرجل من القسطنطينية.
فقال القائد: إنّي أريد أُنشئ مركِبًا بمجاديفَ خفيةٍ يلحق ولا يُلحق.
قال: افعل ما بدا لك ، ولك ما تحتاجه.
صنعَ المركب وملأهُ من كُلِّ طرفةٍ وتحفةٍ، وأعطاه معاوية أموالاً جزيلة وقال :
إنّي أُريد أن تتحيل في إحضار ذلك الرجل من القسطنطينية.
فقال القائد: إنّي أريد أُنشئ مركِبًا بمجاديفَ خفيةٍ يلحق ولا يُلحق.
قال: افعل ما بدا لك ، ولك ما تحتاجه.
صنعَ المركب وملأهُ من كُلِّ طرفةٍ وتحفةٍ، وأعطاه معاوية أموالاً جزيلة وقال :
4
اذهب كأنك تاجر وبع واشترِ واهدِ لوزير الملك ولبطارقتهِ وخواصهِ إلا ذلك الرجل فلا تقربه ولا تُهادهِ، فإذا عتبَ عليك فقل: ما عرفتُكَ وسأُضاعف لك الهدية متى عدت لك.
وفعل القائد ، ورجع إلى معاوية فأخبره، فجهزهُ ثانيةً وأضعف له وقال: هذه للملك ولخواصهِ ولذلك اللاطم، فإذا عزمتَ على العودة فقل له: إنّي أُحب أن أُصاحبك فسلني حاجةً أُحضرها لك جزاء ما قصرتُ في حقك.
ففعل القائد ، فقال : أُريد بساطاً من حريرٍ يحوز جميع الألوان وصور الأطيار والأزهار والأشجار والوحوش، طوله كذا وعرضه كذا والموعد كذا.
كالحوت لا يكفيه ما يرويه ** يظما إلى الماء وفوه فيهِ
رجع القائد إلى معاوية فأخبره، فأمر الصُنّاع أن يصنعوا ذلك البساط في صورةٍ تُدهش الناظرين بلا محاذير، وكان .
ثم قال له: اذهب فإذا وصلت إلى فم البحر فأنشر البساط فإن الشره والطمع سيحملهُ على النزول إليك فإذا اتاك فأشغله بالحديثِ وأعرض عليه البساط وقدم له التُحف ، ثم ابسط الشراع وقيد الكُراع والذراع ، والإسراع الإسراع.
العلج في ستارةٍ على فمِ البحر ، وأقبل المركب فأشرف ورأى البساط ؛ فكاد عقله يذهب ، ونزل إلى المركب ؛ فتلقاه القائد يعرض عليه البساط ، ويلعب به لعب الأفعال بالأسماء ، وأشار لأصحابه بالتجديف، فما شعر إلا والشراع يُرفع ،
فقال : ما هذا ؟!
فقيدوا الكراع والذراع ، وحالهم وقعت أي لكاع !
كابن آوى وهو صعب صيدهُ ** فإذا صيد يساوي خردلة
جاءوا بهِ إلى معاوية موثقًا، فقال معاوية: الحمد لله، عليَّ بالأسير.
جاءوا به، فقال له: أهذا خصمك؟
قال: نعم .
قال: قم فألطمه كما لطمك ولا تزد «بمثل ما عوقبتم به».
فتقدم المسلم فلطمه وحمد الله وشكر لأمير المؤمنين ، ثم مضى وحاله :
أعليت دين الله جل جلاله ** فرسى له أصل وطال جدارُ
ثم التفت معاوية للبطريق فقال له: قل لملككَ لقد تركت ملك المسلمين يقتص ممن هم على بساطكَ من وزرائك وخواصك ، فاعرف قدرك وإياك وغدرك ،
ابن الليل والخيل المذاكي ** وبيض الهند والسمر اللدانِ
ثم قال لقائدهِ: خذهُ إلى فم البحر ثم ارمهِ هناك وارمِ معه بساطه.
فذهب به القائد حتى وصل بهِ إلى الشاطئ الآخر، ورمى به على فم البحر.
كالخنزير في الطرائدِ ** ليس لمن يقتله من حامدِ
ذهب إلى ملكهِ وبلّغ البطريق رسالة معاوية رضي الله عنه، فهاب ذلك الملك معاوية وعظمه ،
وقال: لله أبوه أمكر الملوك وأدهى العرب، قدموه فساس أمرهم، والله لو همّ بأخذي من على بساطي لتمت له الحيلة في ذلك.
لقد أسموه داهية فلم يخطئه معناهُ ** وقد قالوا لكل اسم نصيب من مسماهُ
من محاضرة بعنوان : نفح الطيب في محبة الحبيب ﷺ لفصيح الحجاز / علي بن عبد الخالق القرني -حفظه الله-
وهي في كتاب مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق لابن النحاس ....وهي مختصرة ص 835 - 836
وفي كتاب الشهب اللامعة في السياسة النافعة لابن رضوان المالقي...
بشكل مطول ص 283 إلى 28
وفي كتاب نهاية الإرب في فنون الأدب.. ج 6 ص 185 - 18
انتهى
من قراءة اليوم
@rattibha
اذهب كأنك تاجر وبع واشترِ واهدِ لوزير الملك ولبطارقتهِ وخواصهِ إلا ذلك الرجل فلا تقربه ولا تُهادهِ، فإذا عتبَ عليك فقل: ما عرفتُكَ وسأُضاعف لك الهدية متى عدت لك.
وفعل القائد ، ورجع إلى معاوية فأخبره، فجهزهُ ثانيةً وأضعف له وقال: هذه للملك ولخواصهِ ولذلك اللاطم، فإذا عزمتَ على العودة فقل له: إنّي أُحب أن أُصاحبك فسلني حاجةً أُحضرها لك جزاء ما قصرتُ في حقك.
ففعل القائد ، فقال : أُريد بساطاً من حريرٍ يحوز جميع الألوان وصور الأطيار والأزهار والأشجار والوحوش، طوله كذا وعرضه كذا والموعد كذا.
كالحوت لا يكفيه ما يرويه ** يظما إلى الماء وفوه فيهِ
رجع القائد إلى معاوية فأخبره، فأمر الصُنّاع أن يصنعوا ذلك البساط في صورةٍ تُدهش الناظرين بلا محاذير، وكان .
ثم قال له: اذهب فإذا وصلت إلى فم البحر فأنشر البساط فإن الشره والطمع سيحملهُ على النزول إليك فإذا اتاك فأشغله بالحديثِ وأعرض عليه البساط وقدم له التُحف ، ثم ابسط الشراع وقيد الكُراع والذراع ، والإسراع الإسراع.
العلج في ستارةٍ على فمِ البحر ، وأقبل المركب فأشرف ورأى البساط ؛ فكاد عقله يذهب ، ونزل إلى المركب ؛ فتلقاه القائد يعرض عليه البساط ، ويلعب به لعب الأفعال بالأسماء ، وأشار لأصحابه بالتجديف، فما شعر إلا والشراع يُرفع ،
فقال : ما هذا ؟!
فقيدوا الكراع والذراع ، وحالهم وقعت أي لكاع !
كابن آوى وهو صعب صيدهُ ** فإذا صيد يساوي خردلة
جاءوا بهِ إلى معاوية موثقًا، فقال معاوية: الحمد لله، عليَّ بالأسير.
جاءوا به، فقال له: أهذا خصمك؟
قال: نعم .
قال: قم فألطمه كما لطمك ولا تزد «بمثل ما عوقبتم به».
فتقدم المسلم فلطمه وحمد الله وشكر لأمير المؤمنين ، ثم مضى وحاله :
أعليت دين الله جل جلاله ** فرسى له أصل وطال جدارُ
ثم التفت معاوية للبطريق فقال له: قل لملككَ لقد تركت ملك المسلمين يقتص ممن هم على بساطكَ من وزرائك وخواصك ، فاعرف قدرك وإياك وغدرك ،
ابن الليل والخيل المذاكي ** وبيض الهند والسمر اللدانِ
ثم قال لقائدهِ: خذهُ إلى فم البحر ثم ارمهِ هناك وارمِ معه بساطه.
فذهب به القائد حتى وصل بهِ إلى الشاطئ الآخر، ورمى به على فم البحر.
كالخنزير في الطرائدِ ** ليس لمن يقتله من حامدِ
ذهب إلى ملكهِ وبلّغ البطريق رسالة معاوية رضي الله عنه، فهاب ذلك الملك معاوية وعظمه ،
وقال: لله أبوه أمكر الملوك وأدهى العرب، قدموه فساس أمرهم، والله لو همّ بأخذي من على بساطي لتمت له الحيلة في ذلك.
لقد أسموه داهية فلم يخطئه معناهُ ** وقد قالوا لكل اسم نصيب من مسماهُ
من محاضرة بعنوان : نفح الطيب في محبة الحبيب ﷺ لفصيح الحجاز / علي بن عبد الخالق القرني -حفظه الله-
وهي في كتاب مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق لابن النحاس ....وهي مختصرة ص 835 - 836
وفي كتاب الشهب اللامعة في السياسة النافعة لابن رضوان المالقي...
بشكل مطول ص 283 إلى 28
وفي كتاب نهاية الإرب في فنون الأدب.. ج 6 ص 185 - 18
انتهى
من قراءة اليوم
@rattibha
جاري تحميل الاقتراحات...