زِيوس.
زِيوس.

@zeus494

31 تغريدة 14 قراءة May 27, 2023
بكلمكم اليوم عن تجربة مثيرة، حول مستقبل الأطفال متقدي الذكاء أو بمعنى أدق "العباقرة" الي يشار إليهم بالبنان، هولاء الي لما تشوفهم في صغرهم، تشعر يقينيا بأن هولاء بيكون لهم شأن عظيم، هذا الذكاء لا يمكن يذهب هدرا، أين يذهب هولاء وإيش مصيرهم؟
وخلونا نسمي الثريد "مجموعة النمل الأبيض"
الزمان: بعد الحرب العالمية الأولى
النطاق: ولاية كالفورنيا بكافة نواحيها
متسلح بميزانية ضخمة، قام لويس تيرمان استاذ علم النفس بجامعة ستانفورد بتكوين فريق من اكفأ الباحثين، وارسلهم لإبتدائيات كالفورنيا، وطلب منهم تحديد أنبغ طلابها، لك أن تتخيل ان القائمة الأولية بلغت ربع مليون طفل!
تم مقابلة ربع مليون طفل وإختباره وقياس معدل ذكاءه، من بينهم تم إستخلاص الأفضل، وتم إختبار هولاء الأفضل لإستخلاص صفوتهم، واختبارهم مجددا للوصول إلى صفوة الصفوة، والظفر بخلاصة نقية وقوية جدا من ذوي معدل الذكاء الخارق، يزيد معدل ذكائهم عن 140 ويصل إلى 200
(وهو مستوى العبقرية والي يتفوق على أغلب عباقرة التاريخ)
وصل تيرمان وفريقة لقائمة نهائية تضم (1470) طفل عبقري
كان تيرمان سعيد بشكل لا يوصف بهذه المجموعة المتميزة جدا والفريدة، وسما مجموعة العباقرة هذه ب"النمل الأبيض"
آمن تيرمان ان مجموعة النمل الابيض مقدر لها ان تكون نخبة المستقبل في الولايات المتحدة الامريكية، وبالتالي نخبة العالم!
كانت الفكرة من الدراسة هي مراقبة هذه المجموعة كل فرد على حده بينما يتابعوا حياتهم ويتطوروا بشكل فردي
بذل تيرمان حياته في سبيل هذه المجموعة والحفاظ هذه الطاقات الاستثنائية وتتبع تطورهم ووملاحظة تقدمهم وانجازاتهم العلمية وحياتهم الاجتماعية والصحية ووفحصهم وتسجيل مستجداتهم اول بأول
لويس تيرمان بطبيعته يقدر معدل الذكاء تقدير عالي جدا، حتى انه قال ذات مرة "لا يوجد شيء يتعلق بالشخص أهم من معدل الذكاء الخاص به، ربما بإستثناء أخلاقيته" وكان يشوف ان أصحاب معدل الذكاء العالي هم الي مفروض نركز عليهم لأجل إنتاج القادة الي يساهموا في تقدم العالم
مع تقدم النمل الأبيض خاصته في المراحل التعليمية حتى وصولهم للثانوية، كتب تيرمان بشكل متفاخر انه "لا يمكن ان تجد نص تنافسي في جريدة مهمة يخلو من مشاركات أفراد مجموعته النوابغ"
حتى انه كان تيرمان كان يأخذ النصوص الي يكتبها النمل الأبيض لعند نقاد أدبيين وأصحاب الإختصاص ويخليهم يقارنوها كتابات الأدباء والكتاب العظام في التاريخ، يقارنوا إتقانها وجودتها وكذا، وبالفعل كانوا الخبراء يلاقو انه مافي فرق بالجودة!
(عباقرة فعلا مفيش كلام)
كانت كل الدلالات تشير إلى ان مجموعة النمل راح تشغل منازل نبيلة في هذا العالم، وآمن تيرمان ان من المقدر لمجموعته أن تصبح نخبة الولايات المتحدة الأمريكية وبالتالي العالم أجمع نظرا لما تمثله الولايات المتحدة من وجهة عالمية للعلم، وانهم بيستحوذون على الجوائز العلمية والأكاديمية
أحب تيرمان حقيقة أن مجموعة النمل الأبيض خاصته كانت تبلغ الذروة القصوى لمقياس القدرة العقلية، حيث يمثلون صفوة صفوة الصفوة
بدون شك أدرك تيرمان مدى استثنائية هذه الحقيقة، لكن خطأه الأكبر انه لم يدرك ما لهذه الحقيقة من دلالات ضئيلة!
لما وصل أفراد النمل الأبيض إلى سن الرشد، اصبح خطأ تيرمان واضح وجلي!
أزدهر "بعض" أفراد المجموعة وكتبو مقالات علمية ونجحوا في عالم الأعمال
عمل كثير منهم في وظائف حكومية، بينهم اثنان من قضاة المحكمة العليا، وقاضي في محكمة محلية، واثنان من اعضاء هيئة التشريع، وواحد منهم مسؤول بارز
الأمر المثير للدهشة ان "القليل" فقط من عباقرته اصبحو شخصيات معروفة ومؤثرة على المستوى القومي
بينما عاش "أغلبيتهم" حياة مهنية يمكن إعتبارها عادية، وعدد "مذهل" منهم أنتهى إلى مهن تعتبر نوعا ما من الفشل من وجهة نظر تيرمان، وكثير عاطلين! صادم جدا
والي صادم كمان، انه ولا واحد منهم فاز بجائزة نوبل! تلك المجموعة المصطفاه لأذكى عباقرة الولاية لم يفز منهم أحد بجائزة نوبل!
خذ الصدمة العظمى، أثنين من زملائهم فازو بنوبل! وهولاء الاثنين قابلهم فريق تيرمان في الإبتدائية اثناء قياس معدلات الذكاء، لكن تم رفضهم لان معدل ذكائهم أقل من المطلوب
قال عالم الإجتماع "بيتريم سوروكين" ذات مرة في نقد لاذع لتجربة تيرمان: "لو جمع تيرمان عينة بشكل عشوائي وتجاهل معدلات الذكاء، كان سيصل لمجموعة تؤدي نفس اداء مجموعته المنتقاه بعناية، وتؤول إلى نفس النتائج"
توجع صح؟
كانت تجربة النمل الأبيض الي فنى تيرمان عمره في تتبعها هي خيبة الأمل الأكبر في حياته
وفي كتابه "دراسات جينية عن العبقرية" أختتم تيرمان فصله الأخير بجملة يعترف بها بمدى يأسه العميق وخيبة أمله مفادها:
"لقد وجدنا أن القدرة العقلية والإنجاز لا يمكن الربط بينهما بشكل تام."
طيب ليش كذا حقيقي؟ إيش الي يحدد هذه النتائج وتجارب نجاح وفشل الشخص؟ كيف شخص نابغة بهذه القدرات العقلية الإستثنائية يفشل في شق طريقه في الحياة؟
على الارجح فان الميزة هي ما يطلق عليه عالم النفس روبرت سترنبرج "الذكاء التطبيقي"
الذكاء التطبيقي يعني بمعرفة كيفية تنجز الأشياء دون ان يلزم معرفة السبب او ان تكون قادر على تفسير الأمر
هو ذكاء عملي بطبيعته، ليس معرفة من اجل المعرفة، انما معرفة تؤدي بك الى قراءة الموقف بشكل صحيح وتمنحك القدرة على الحصول على ما تريد بشكل فطري وتلقائي
الذكاء التطبيقي منفصل عن القدرة التحليلية الي يتم قياسها عن طريق معدل الذكاء، والذكاء التطبيقي مع الذكاء التحليلي غير مرتبطين، اي ان وجود احدهما لا يقتضي ضمناً وجود الاخر، فممكن تملك واحد منهما وممكن تملك الاثنين (أمك داعية لك) وممكن ما تملك ولا شي فيهم (مقرود)
وهنا يجي اللغز التالي؛ من وين يجي الذكاء التطبيقي؟ ايش مصادر هذا النوع من الذكاء الي يؤثر بشكل هائل على مسار حياتنا؟
نحن اليوم نعرف تقريبا مصدر الذكاء التحليلي، وهو بشكل جزئي مصدره الجينات، شيء ماله دخل بالمجهود الفردي، مثل الطفل الي يبدأ يتكلم بعمر ستة اشهر أو الي يتعلم القراءة بعمر ثلاثة سنوات، هذا ذكاء تحليلي بحت
اما الذكاء التطبيقي والاجتماعي فهو عبارة عن معرفة، مجموعة من المهارات اللازم تعلمها، وهذي المهارات بالطبع في مكان تُكتسب منه! أين هذا المكان طيب؟
بعد مئات من البحوث يبدو ان هذا المكان الي نحصل منه على هذه التوجهات والمهارات هو ببساطة "الأسرة"
ممكن افضل تفسير للعملية هو دراسة عالمة الاجتماع "انيت لارو"
قامت انيت لارو بعمل دراسة حديثة على مجموعة من طلاب الصف الثالث، وفي النهاية استقرت على تركيز البحث على 12 طالب، حرصت على تنويع خلفياتهم الأسرية وأعراقهم، اثرياء وفقراء، بيض وسود وغيرهم
وقررت مع فريقها دراسة سلوك أسرهم معاهم وكيف يمارسوا حياتهم اليومية
فأمضت ايام في العيش مع كل عائلة في المنزل مع فريقها، حرفيا كانت تجلس معاهم في كنباتهم وتطلب منهم يتجاهلو وجودها وفريقها قدر الإمكان، تقول لهم اعتبرونا مثل حيواناتكم الأليفة، وبالفعل كانوا يتبعونهم مثل حيوانات اليفة في المنزل وعند التسوق وفي الذهاب للكنيسة ومباريات كرة القدم والمواعيد الطبية و و ويسجلون كل الملاحظات
بديهيا قد تتوقع انك لو قضيت مثل هذي الفترة الطويلة في 12 منزل، انك راح تخرج ب12 فكرة مختلفة ومتنوعة عن طريقة تربية الأطفال، بتلقى أسر حازمة واسر متراخية اسر مهتمة بشكل مفرط وأسر غير مهتمة و و و
لكن ما وجدته لارو كان مختلف، توجد فلسفتين للتربية، تنتهج الاسر الغنية والمتوسطة طريقة، وتنتهج الاسر الفقيرة طريقة أخرى!
وجدت لارو ان العائلات المتوسطة تربي بأسلوب "الرعاية المكثفة" وهو ما يمكن وصفه بمحاولة تعزيز وتقييم مواهب واراء ومهارات الطفل
بينما العائلات الفقيرة تميل لإستراتيجية "تحقيق النمو الطبيعي" والي يشوفون فيه ان مسؤوليتهم تنحصر في السماح لاطفالهم بالنمو والتطور بالاعتماد على أنفسهم
تتدخل الاسر المتوسطة والاغنى بشكل كبير في وقت فراغ ابنائهم، فتلقاهم يحاولو إدخالهم في أنشطة ترفيهية أو تعليمية ويبحثو عن هواياتهم ويطوروها ودائما يحرصو على سؤالهم حول يومهم وعن مدرسيهم وزملائهم
يتناقش والدي الاسر المتوسطة مع اطفالهم بشكل شامل، ويفكرو معهم، يتوقعو منهم الرد والتفاوض، ويعلموهم ان يناقشو الكبار الي في موضع سلطة اعلى
فمثلا اذا رسب الطفل في الامتحان ويقول انه ذاكر وكل كويس، في الغالب والديهم يتدخلو للدفاع عنهم، فيروحوا المدرسة ويراجعوا النتيجة ويطالبو باعادة الامتحان وكذا
هذا النوع من الرعاية المكثفة مش موجود في حياة الاطفال الفقراء، ما يحاول ابائهم شغل اوقاتهم بالانشطة او البحث عن هوياتهم بحرص
فكان على طفل العائلة الفقيرة انه يخترع العابه الخاصة سواء في المنزل او في الخارج مع الاطفال في الشارع، والالعاب الي يسويها الطفل ما كانت مهمة بالضرورة عند ابائهم، يلعب بطريقته طالما مافي ضرر ويشغل وقته
ولو نرجع لنفس مثال الصبي في الامتحان، فان العائلات الافقر ما راح تتدخل عشان ابنها، يتصرفون بشكل سلبي مع السلطة ويتجنبون الظهور، واذا رسب ابنها فان المعلم اخبر بالامر، وتعليم الطفل هو من اختصاص المعلم مش اختصاص الوالدين
يعني هذي العائلة الي تقولك "قم للمعلم وفه التبجيلا، كاد المعلم أن يكون رسولا"
تؤكد لارو ان مش بالضرورة أن اي من النمطين افضل اخلاقيا من الثاني، فالأطفال الأفقر غالبا تكون سلوكياتهم أفضل واهذب واقل تذمر واكثر ابداعية في استغلال وقتهم الخاص ويملكون احساس كامل بالاستقلالية
وطفل الطبقة المتوسطة يتعرض لكثير من الانشطة بالتالي مجموعة متغيرة بشكل دائم من الخبرات، يتعلم العمل في فريق ويتعلم التكيف في سياقات منظمة، يتعلم التفاعل بشكل مريح مع الكبار ويتعلم ادراك "الحقوق المكتسبة"
كان من الشائع بين اطفال الطبقة الوسطى قدرتهم على التغيير من تفاعلاتهم حتى تناسب تفضيلاتهم وحسب المواقف الي يتعرضو لها، كانو يعرفوا القواعد ويتصرفوا نيابة عن انفسهم حتى يحصلو على الميزات، يعرفوا كيف يفاوضو الاشخاص في مركز السلطة الاعلى، ببساطة كان عندهم القدرة على "تكييف البيئة"
على النقيض كان اطفال الطبقة العاملة يتسمون بوجود إحساس بارز بغياب مشاعر الود، وحضور عدم الثقة، والتقيد، لم يعلموا كيف يكيفون البيئة الي يتواجدو حولها من اجل أهدافهم
تصف لارو مشهد معبر لزيارة طفل يدعى اليكس للعيادة، كانت أمه بالطريق تشرح له انه يقدر يسأل الطبيب اي شي يحيره أو إذا عنده مشاكل، وله الحق الكامل في مناقشة الطبيب
في العيادة، حاور اليكس الطبيب بثقة واريحية، هذا حق مكتسب، سمحت له امه بهذه الفضاضة العفوية عشان يتعلم كيف يتفاهم مع ذوي…
كان الكس ينقل بنجاح ميزان القوة من الراشدين اليه، اعتاد الكس على ان يعامل باحترام وعلى انه شخص يستحق اهتمام الراشدين، يفكر ويفاوض ويمزح بطبيعته تقول لارو ان هذا لا يوجد ببساطة عند اطفال الطبقة الدنيا، بالعادة يكونو هادئين مذعنين بأعين زائغة وأكتاف متقوسة للداخل
من المهم نفهم من اين تجي هذه السيطرة الدقيقة على الموقف؟ انها ليس شيء وراثي كما انها ليس شيء عرقي انها "ميزة ثقافية"
فالطفل اليكس اسود البشرة لكنه ابن مهنيين اثرياء، وعملوا على تعليمه كما تفعل الاسر المثقفة مع حثه وتحفيزه ودعمه وتوضيح القواعد له
لما نتكلم عن ميزة الطبقة، فحال أطفال الطبقة المتوسطة افضل من الطبقة العاملة ليس فقط لانهم اكثر ثراء ولانهم يعيشون في منازل اجمل ويدرسون في مدارس افضل فقط، بل لإدراكهم الحق المكتسب، والي يمثل توجه مناسب للنجاح في العالم الحديث
فالأمر ما يتعلق بحجم ثروتك حصرا إنما في طريقتك في…

جاري تحميل الاقتراحات...