لا أفتقد في الخرطوم إلا التسكع مع الأصدقاء الموطئين أكنافا، كما أشتهي أماسي رتينة الخال عمر عشاري، كنتُ أتابع فعالياتها بشغف من خلال كتابات الخال عمر عشاري في فيسبوك، ولا أنكرُ غبطتي لرواد أمسياتها،
مع تحفظي على بعض الفعاليات المغلقة لأسباب واهية يزيد من خلالها الخال رصيد رتينته الرمزي كمساحة آمنة للأقليات المضطهدة، فسميناها رضينا على مضض،
بينما يعتصرني الألم وأنا أتابع لينا قاسم تتهدج في تأويل سافر مرة أخرى بصوتها الفادح، وكالعادة تفوتني، وكأن الأقدار تباعد بيني وبين هذه القمرية العجيبة.
لقد أوفت الرتينة بوعودها التي تنبأت بها عند افتتاحها، فهي منجاة من رتابة المدينة، ونقطة ضوء تفج ضلام لياليها الحالكة، ولهذا فقد عنّ لي استدعاء ما تمنيته لها على خلفية استبشاري بها إبان افتتاحها للمرة الأولى، مع إعلان اشتياقي لونسات الخال واستهباله وفعاليات مِحْجَرِ أُنْسه السحري:
- هل سيكون ضوء الرتينة أول خصلات النورِ في مِفرقِ المدينة النائمة؟
أينَ ستسهر هذا المساء؟
كانت الإجابة عن هذا السؤال يسيرة، بل غاية في البساطة لكل من عاش في خرطوم الستينيات والسبعينيات، فبتقليب خفيف لهوامش السهرات في الصحف اليومية يمكنك تتبع الخيارات المتنوعة واختيار ما يلائمك،
كانت الإجابة عن هذا السؤال يسيرة، بل غاية في البساطة لكل من عاش في خرطوم الستينيات والسبعينيات، فبتقليب خفيف لهوامش السهرات في الصحف اليومية يمكنك تتبع الخيارات المتنوعة واختيار ما يلائمك،
تفعل ذلك بذات اليسر الذي تتفحص به قائمة الأطعمة والمشروبات في أحد المطاعم، ثم تمضي لوحدك أو برفقة من تصطفي من الأهل أو الأصدقاء، كل الخيارات متاحة،
دور السينما لرواد الأفلام، الكازينوهات والحفلات الساهرة في كل مكان، متنزهات الترفيه في وسط العاصمة وعلى ضفاف النيل، الأندية الثقافية مشرعة الأبواب على شرف المثقفين، إلى غير ذلك من مراتع الأنس.
بعد إعلان الجنرال المعزول جعفر نميري لقوانين الشريعة في سبتمبر من العام "١٩٨٣" بدأ ليل كساد البهجة بإسدالِ ستاره على وجه المدينة السافرة، بقبضة أمنية يسندها رجال الدين،
وبالتزامن مع تدهور الأوضاع الإقتصادية تبعثرت فرق الجاز وأغلقت الكازينوهات أبوابها وغدا المثقفون نهبا للقبضة الأمنية لأمير المؤمنين. انتفض الناس على نظام الجنرال وعزلوه ولكنهم لم ينتفضوا على ثقافة تقديس الموت وكراهية الحياة،
وظلت قوانين سبتمبر خنجرا في الحياة العامة، ثم تفاقمت الأوضاع بانقلاب الثلاثين من يونيو المشؤوم في العام "١٩٨٩"، واستبد غلاة الإسلاميين بالشعب،
وأكملوا ما بدؤوه مع النميري بتسميم الحياة وإشاعة الطهرانية الزائفة بين الناس بتمكينهم لكل ما يعادي فكرة الحياة.
عودا على بدء، فقد غدت الخرطوم قرية كبيرة، تنام باكرا، فقبل أن تنزوي الشمس في أطراف سمائها الحزينة، تغلق المحال أبوابها، وتتكدس صفوف الحشود بأرواح منطفئة وأجسادٍ أهلكها الضربُ في الأرض لكسب العيش طوال النهار في محطات المواصلات المعدومة،
أصبح مجرد التفكير في قضاء ليلة ساهرة ترفا لا يمكله إلا قلة من الناس، وحتى هؤلاء لا يملكون الخيارات، وإن ملكوا المال لشرائها، إذ انحصر الترفيه في ارتياد المطاعم الفاخرة فقط،
وإنّهُ لرزء ألمّ بثقافة الترفيه في هذه البلاد التي عجنها الغلاة بطينة الحزن والرتابة، يقول الصديق حسام هلالي في إحدى تداعياته الرائقة:
"يغلق الوسط التجاري للمدينة أبواب محاله مباشرة بعد اعتدال درجة الحرارة وتحوّلها إلى طقس قابل للحياة البشرية بعد غروب الشمس، الإنحراف من شارع القصر إلى شارع الجمهورية شاهد أكبر على اندثار حياة الليل في مدينة خلقت أسطورتها في الظلام".
في أحد الأعداد الأولى لبنت الثورة جريدة الحداثة توقّفْتُ على مقال لعله للصديق يوسف حمد لا أذكر على وجه التحديد، تناول فيه قصة مدينة الأشباح التي تنام باكرا،
وذهب في تشريح أزمتها ليس ابتداءً بثقافةٍ فَجّة غرستها طغمة فاسدة استولت على مقدرات البلاد وتلاعبت بأقوات أهلها وأحلامهم، وليس انتهاءً ببنية تحتية هشة في مقابل توسع عشوائي ونزوح كبير من الأرياف كنتيجة حتمية لسياسات خفافيش الظلام الجبهوي.
كانت أمسيتنا في إحدى ليالي رتينة الصديق عمر عشاري أحمد محاولة لاستعادة الحياة لليل هذه المدينة، استضافت الرتينة الصديقة ميسون النجومي لتتحدث عن العزلة، وشاركها الصديق سموءل الشفيع في توسيع زوايا الرؤيا لفكرة العزلة،
فاستنجدوا فيها بعلم النفس واستبصارات السادة الصوفية والأرواحيين ورقائق ديانات الشرق الأدنى، حيثُ الأقدمين في الكشف عن آدم رسالي وعن مدائن دون هلاك أو كما قال الكائن الخلوي،
كانت بالنسبة لي محاولة لدكدكة إسفين العزلة السميك الذي ضُرِبَ حول فكرة الحياة نفسها، ورد الإعتبار للليل ولياليه في بلادٍ تهوى الليل.
لطالما تغنى الشعراء بالليل، ولطالما صدح بحسنه الفنانون والمنشدون:
الليل سكونو جميل
الليل نسيمو عليل
الليل به النُّساك تتأمل الأفلاك
والليل ما بنوم
الليل سكونو جميل
الليل نسيمو عليل
الليل به النُّساك تتأمل الأفلاك
والليل ما بنوم
ولعل ألسنة المحبين على اختلافِ مذاهبهم ما فتئت تلهج وتناشدُ الحياة لنفخ روحها في إهاب ليلنا الميت:
يا ليالي الشوق تعالي
لا الليالي تمر بدونك هي الليالي
من ضواحي الدنيا جيت
جيت وعلي رحالي
لمداين في عيونك يا محالي
يا ليالي الشوق تعالي
لا الليالي تمر بدونك هي الليالي
من ضواحي الدنيا جيت
جيت وعلي رحالي
لمداين في عيونك يا محالي
وياليل أبقالي شاهد على نار شوقي وجنوني، تواجد على وقعِ شجونها أهلُ الصّبابةِ ووجعِ مُلِّماتِ الهوى كرومة وأبو صلاح والشيخ قريب الله، وكلٌّ يغني على ليلاه، ولا يجمعهم إلا سماء الليل الممتلئ بالحياة، وحازوا السُّراي نعايم، وا حسرتك يا نايم!
تثاقفنا توَنّسنا ببعضنا وتآنسنا وعزف لنا حسام عبد السلام على الكمان وولاء الماحي على الجيتار في استعادة لليالي القيادة، عندما كنت أشعر دائما أننا "تحتَ هذه السماء الجميلة الرحيمة، أُحِسُّ أنّنا جميعاً إخوة،
الذي يَسْكَر، والذي يُصَلي، والذي يَسْرِق، والذي يَزْنِي، والذي يُقاتِل، والذي يُقتَل. الينبوعُ نفْسُهُ ولا أحدَ يدري ماذا يدورُ في خُلدِ الإله، لعلّهُ لا يُبالي، لعلّهُ ليسَ غاضِباً" أو كما قال أستاذنا الطيب صالح.
سأل محجوب شريف بحسرة يدفعها الرجاء:
متين تضحك سما الخرطوم حبيبتنا ومتين تصفا؟ وبدأنا نجيب عن سؤائله بالإيجاب،
متين تضحك سما الخرطوم حبيبتنا ومتين تصفا؟ وبدأنا نجيب عن سؤائله بالإيجاب،
أن ها نحن ذا على ضوء الرتينة نكاد نبصر افترار ثغرِ عروس النيلِ وانبِشاشِ ماءِ الفصاحةِ على حافة نّهرِها المُقَدّسِ وأصابعُ مباهِجِها الرقيقةِ تُمَسّدُ ظهر لياليها المُثْقلِ بالأوجاع،
حتى جاءت الحرب اللعينة وقلبت أحلامنا العريضة كوابيساً، وبات شبح المدينة النائمة حُلما جميلاً كأنّ الأقدار تأبى أنْ تمنحنا الحديقة كلها!
سأظلُّ متيماً بهذه المدينة، سواءً أفاقت أو ظلت نائمةً ينسج الخوف بخيوط الظلام الكوابيس في أحلامها، وسأظلُّ أغنّي لها في قرار طبقات الحزن مع الباش كاتب، على أمل أن تغدو دندناتي قبلة توقظ الأميرة من سباتها أو تميمةً لموتها البطيء:
جاري تحميل الاقتراحات...