رؤى لدراسات الحرب
رؤى لدراسات الحرب

@Roaastudies

25 تغريدة 171 قراءة May 21, 2023
✍️مقالة بعنوان✍️
هل حقا كما تكونوا يولى عليكم؟ أم كما يولى عليكم تكونوا؟
▪️الفرق بين الأغلبية والأقلية؟
▪️أي منهما يرسم مسار التاريخ؟
▪️من منهما غالبا على صواب؟
▪️هل يمكن اعتبار الأغلبية معيار للحق؟
1
غالبا ما يخلط كثير من الناس بين الظواهر المرتبطة ببعضها ارتباط السبب والنتيجة، ويزداد الخلط كلما تلازم حدوث السبب والنتيجة مع بعضهما البعض، ونتناول هنا قضية فساد الحكام وفساد الشعوب، أيهما السبب وأيهما النتيجة؟ وهل هي قضية سببية متلازمة؟
2
قد يخطئ الإنسان بالتفريق بين السبب والنتيجة، بسبب تلازمهما الوثيق، كأن يقول أحدهم: نزول المطر يستجلب السحاب، فهذا قد يبدو ظاهريا صحيح، لأن نزول المطر متلازم مع وجود السحاب، ولكن الحقيقة هي عكس ما يقول هذا، فإن وجود السحاب هو سبب لنزول المطر وليس العكس.
3
يعتقد كثير من الناس أن فساد الحاكم ناتج عن فساد الشعوب، وأن الشعب إذا صلح فإنه سيفرز حاكما صالحا، ويستشهدون بالحديث الباطل المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم: "كيفما تكونوا يولى عليكم" وهذا باطل شرعا، والواقع يكذبه أيضا... ويعارض ما صح عن النبي كما في صحيح مسلم (الصورة المرفقة)
4
ومع ذلك يستخدم آخرون هذه المقولة من باب الحكمة، وأن الإصلاح بأسفل الهرم يقتضي الصلاح في أعلاه، وهذه أيضا فكرة مغلوطة، كذبها التاريخ أيضا.
لقد كان عثمان بن عفان رضي الله عنه من أصلح الحكام، ومع ذلك خرج عليه الناس وقتلوه، وكان الحجاج من أفسد الحكام وقد حكم أناسا صالحين...
5
والتاريخ كله مليء بالشواهد التي تنفي صحة متن هذا الحديث، الذي قد علمنا فساد سنده أيضا.
ولنفصل أكثر بهذه المقولة: "كما تكونوا" من المقصود هنا؟ الشعوب، هذه الشعوب دائما وأبدا على مر العصور مقسومة إلى قسمين بحسب آرائهم في الحكام، أقلية وأغلبية...
6
وعلى مر العصور، كانت الأغلبية (طوعا أو كرها) تدين بالولاء للحاكم، صالحا كان أم طالحا، وكان نصيب الأقلية التمرد والملاحقات والسجون...
وهذا أمر مطلق، فإن كان الحاكم على حق فالأغلبية التي تصفق له على حق يقينا والأقلية على باطل والعكس بالعكس...
7
ولهذا لا نستطيع معرفة الحق والباطل من الأغلبية والأقلية، ببساطة لأن الأغلبية دائما وأبدا هي تبع للحاكم المتغلب، تدور في فلكه كيفما دار، تتبعه فيما يحب ويكره، وبهذا فمقولة "كما تكونوا يولى عليكم" ليست مغلوطة فقط بل مقلوبة رأسا على عقب، والصواب القول: كيفما يولى عليكم تكونوا...
8
فإذا كان الرئيس صالحا تبعه الأكثرية في صلاحه، وإن كان طالحا تبعه الأكثرية أيضا خوفا وطمعا.
وفي الحقيقة فإن كان هناك حكمة صحيحة لتوصيف علاقة الحاكم بالمحكوم فهي الحكمة الشهيرة: "الناس على دين ملوكهم" نعم، إن الناس باذنجانيون بالفطرة...
9
يميلون بالغالب إلى الركون لدائرة الاستقرار القريبة، يريدون الأمن، الطعام، المأوى، البعد عن المتاعب، وأما مسألة تغيير مسار التاريخ، وإسقاط دول وإقامة دول، (سواء للأفضل أو للأسوء حق أو باطل) فهذه الأحداث هي من اختصاص فئة قليلة جدا من الناس كالملح في الطعام، هذا اختصاص الأقلية.
10
وهنا نأتي لتوضيح هذه المفاهيم في زماننا فنسأل السؤال البسيط:
هل غالبية الشارع التونسي والمصري مع الثورة الأولى أم الثورة المضادة؟ هل غالبية الشعب السوري مع الثورة أم مع النظام؟ وليس فقط في مناطق الثورات، الأمر سيان في كل الدول العربية...
11
فلكم أن تتخيلوا مثلا ولنفرض جدلا أن ولي عهد السعودية خرج أمس بتصريح كتصريحات السعودية السابقة فيقول:
"لا تطبيع مع النظام السوري المجرم قاتل الأطفال والمتسبب بالكارثة السورية"
فكيف ستكون تغريدات وردود غالبية الشعب السعودي؟
12
بالطبع سيكون بنظرهم حينها هو الأمير الحكيم الحازم الذي سينال ملايين الإطراءات من نفس هؤلاء الذين يصفقون لقراره بالتطبيع مع النظام السوري، سيصفقون له بالاتجاه المعاكس...
وهذا ليس عيبا يختص بشعب دون غيره، إنما هذه طبيعة البشر، جِبِلّة بني آدم...
13
وإذا مالت الغالبية للباطل مع الحاكم فللإنصاف هذا الميل يكون كرها في الغالب، لأن الأصل فيها هو معرفة الحق والباطل بالفطرة، وإذا صفقت لباطل أو تلونت مع تغير الألوان، فغالبا ما تفعل ذلك مكرهة إذا لم تكن منتفعة، أفلا يعلمون أن قتل الأطفال جريمة وقد علم هذا الكلب أدنى من ذلك! بلى
14
وتبعية الأغلبية للحاكم ليست مقصورة على الشعوب العربية التي تعيش الحكم الجبري، بل جميع شعوب العالم، اقرأ تاريخ كل الأمم لتجد أن الثورات كلها قامت بها أقلية، وأن الغالبية كانت تتبع الحكام، حتى أوروبا بعدما خضعت لأكبر عملية انقلاب سياسي خلال ثورات الربيع الأوروبي...
15
وانتصرت الثورات هناك، ثم ما الذي حصل عندما حكم أوروبا هتلر؟ هل تعتقدون أن الملايين من الجيوش الأوروبية التي غزت الشرق هي مجرد عصابة فا.شية أو تنظيم نا.زي مؤدلج؟ كلا، بل هي الأغلبية من الشعوب الأوروبية آنذاك، تبعت الحاكم المتغلب فيما يرى...
16
وقد كان هتلر قسمها لفيالق في عملية بارباروسا الشهيرة فهذا الفيلق الاسباني وهذا الفرنسي وهذا البلغاري... الخ إنها النفس البشرية، تتبع الحكام المتغلبين، بوصلتها هي الحاكم الذي يوفر لها السكينة ودائرة الاستقرار ويبعد عنها المتاعب.
17
وإنه لمن المضحك أيضا أن الجامعة العربية هي نفسها تتبع الحاكم المتغلب! فلما مالت كفة الثورة السورية عام 2013 أرسلت الدعوة للائتلاف الثوري ليمثل سوريا في الجامعة العربية، ولما تدخل الروس وأنقذوا بشار ومالت الكفة للنظام، أرسلوا الدعوة له...
18
فالخلاصة أن الأكثرية تتبع الحاكم المتغلب ولا تتبع الحق، وأما أهل الحق وأصحاب القضية العادلة، فلا يكترثون لتطبيع أمم الأرض كلها مع الظالم، لأنهم استيقنوا كل هذه الأفكار المطروحة في هذه المقالة، وأن ظهر الظالم سيقصم ولو بعد حين.
19
ومن رحمة رب العالمين بأهل الحق في كل زمان، إذ علم الخالق طبيعة المخلوق، وأنه مفسد في الأرض سافك للدماء، فقد بين أيما تبيان وأوضح أيما توضيح أن أهل الحق هم غالبا من الفئة الأقلية، هم دائما القليل، وهذا من باب السلوى لهم، يواسيهم ربهم ويثبتهم على الطريق الصعب، قال تعالى:
20
ولكن أكثر الناس لا يشكرون [البقرة: 243]
ولكن أكثر الناس لا يعلمون [الأعراف: 187]
ولكن أكثر الناس لا يؤمنون [هود: 17]
وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين [يوسف: 103]
فأبى أكثر الناس إلا كفورا [الإسراء: 89]
وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله [الأنعام:116]
21
هذا توصيف الصانع للمصنوع، دائما ما قرن سبحانه وتعالى الأغلبية بالفساد، وأما الأقلية فوصفها عز وجل:
...إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم... [ص: 24]
اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور [سبأ: 13]
وورد في الأثر أن عمر رضي الله عنه سمع مرة رجلا يدعو ربه فيقول:
22
"اللهم اجعلني من القليل" قال عمر: "ما هذا الدعاء؟"، قال: أقصد قوله تعالى: {وقليل من عبادي الشكور} فقال عمر رضي الله عنه يخاطب نفسه:
"كل الناس أعلم منك يا عمر، اللهم اجعلني من القليل الشاكر، لا من الكثير الساهي واللاهي".
23
وهذا ما توعد به إبليس أيضا، قال تعالى حكاية عنه:
قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا [الإسراء: 62]
قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين، إلا عبادك منهم المخلصين [ص : 82.83]
24
هذه الأفكار كلها قد أيقن بها هؤلاء الرجال، فاستوت عندهم آراء الناس مدحا أو ذما لقضيتهم الحق، فمن شاء أن يحسن لأهل الحق فإنما يحسن لنفسه، ومن أساء فلها.
انتهى والحمد لله رب العالمين.
رؤى لدراسات الحرب.

جاري تحميل الاقتراحات...