أندرو تيت
نشر تيت قبل عدّة أيام صورة على حسابه في تويتر، نراه فيها مقعيًا كـ"الأسد" بين أربعة "لبوات" شبه عرايا على سفينة في عرض البحر، حينها كتبت معلقًا بأنّ (تيت يريد من الإسلام أن يدخل في دينه أكثر ممّا يريد هو الدخول في دين الإسلام) ولم أشرح مقصودي من تلك العبارة.
وعليه أقول:
نشر تيت قبل عدّة أيام صورة على حسابه في تويتر، نراه فيها مقعيًا كـ"الأسد" بين أربعة "لبوات" شبه عرايا على سفينة في عرض البحر، حينها كتبت معلقًا بأنّ (تيت يريد من الإسلام أن يدخل في دينه أكثر ممّا يريد هو الدخول في دين الإسلام) ولم أشرح مقصودي من تلك العبارة.
وعليه أقول:
يتحدّد معنى الإسلام في كونه تسليمًا، والتسليم في أبسط معانيه الانقياد لأوامر الله تعالى وأحكامه، والإذعان لما يصدر من الحكمة الالهية، وبتعبير مارشال هودجسون في مغامرة الإسلام: "عليك خلع نعليك إذا أردت دخول المسجد".
وهذا يعني التنازل عن عالم القبليات المعرفيّة والثقافيّة التي درجت عليها، ومحاولة الاصطباغ بصبغة جديدة، والرضا بهيمنتها عليك، وصولًا إلى حالة (تبوء الإيمان) فيصير الإيمان لك بمنزلة الوطن الذي تستقر فيه، وتسكن إليه.
ودائمًا أضرب مثالًا على الإسلام بمعنى التسليم بـ "إسلام لبيد". ورد في الأخبار (...وكان لبيد بن ربيعة من شعراء الجاهلية، أدرك الإسلام فحسن إسلامه وترك قول الشعر في الإسلام، وسأل عمر في خلافته عن شعره واستنشده...
...فكتب لبيد برقاعٍ عليها سورة البقرة، فقال: إنما سألتك عن شعرك، فقال: ما كنت لأقول بيتا من الشعر بعد إذ علمني الله البقرة وآل عمران!)
ولبيد من شعراء المعلقات، وعرف بشعر الحكمة والعظة، حتى حُكي عن السيدة عائشة بأنّها كانت تستظهر ألف بيت من شعره، لمَ انطوى عليه من جزالة، وتدبير، وسداد رأي، ونفاذ فكرة، لكن لمّا دان بالإسلام، وملك عليه شغاف قلبه، تركه! [أي شعره القديم]
وهنا السؤال أين هو الإسلام في سلوك أو فكر أندرو تيت؟ الحقيقة لا يظهر من أندرو تيت أي ملمحٍ إسلاميّ، يجعلنا ندرك معنى (أنّ الإسلام يجبّ ما قبله)، فلا نلحظ فرقًا بين (ما قبل الإسلام) و (ما بعده)، وما يظهره الرجل حتى اليوم ليس أنّه جديد عهد بالإسلام، وإنما قديم عهد بالدعارة!
فلا نلفى له صورة إلّا وهو شبه عارٍ في منزله، يدخّن السيجار، ويذرع المنزل جيئة وإيابًا، ويحدثنا عن محاولات الماتريكس لاغتياله، أهمية القوة، والمال، واستعادة الذكر لذكوريّته...
باختصار ما يقدمه تيت هو خليط من أخلاق نيتشويّة (تأليه القوّة) ولاهوت الرفاه (حب الثراء) وخطاب المانوسفير Manosphere (الذكوريّة الجديدة)، وهذه الخطابات قد تتقاطع مع الإسلام بصورةٍ ما...
...لكنّ ما لا ينتبه له محبّو تيت أن الإسلام ينسج هذه المفاهيم ضمن نطاقات دلاليّةٍ أخلاقيّة، ومن غير هذه النطاقات تتحول هذه المفاهيم إلى مشكل وثنيّ جاء الإسلام ليقطع معه، لا ليغذيه.
ما أقصده أنّ الإسلام لديه ما يقوله حول الجسد، والمال، والعلاقات الإنسانيّة بين الذكر والإنثى، لكن هذه المفاهيم تتحرك ضمن نطاقات أخلاقيّة فالقوة الجسديّة الغاية منها الجهـ.اد، ودفع الصائل، والرباط على الثغر، والقيام على العبادة، وحماية الضعيف، ونصرة الملهوف.
والمال غايته أن يدفع الإنسان عن نفسه المسألة، ومن يعول، والإنفاق في سبيل الله، والحض على إطعام المسكين -الذي هو غاية الدين كما تقدمه سورة الماعون- ، وقل مثل ذلك في العلاقة بين الرجل والمرأة، وفلسفة الإسلام في هاته العلاقة.
فإذا تحركت هذه المفاهيم خارج نطاقها الدلاليّ الإسلاميّ، تحولت القوة إلى تأليه نرجسيّ للذات، وحب الثراء إلى تنعمّ والتذاذ قارونيّ نبّهنا القرآن على خطورته، والعلاقة بين الرجل والمرأة إلى معارك تافهة لا معنى لها، ولا تفيد أحدًا!
ولعلّ ما قاله تيت عن نفسه أنّه (مسلم في دبيّ، مسيحيّ في رومانيا)، هو ما يعبر عن شخصيته تمامًا: أنا أقدم أفكار ورؤى وتصورات توافق مزاج المسلمين اليوم (بصورة ما) وبالتالي يمكن استخدامهم، وزجهم في خطابي الإيديولوجيّ الذي أقدمه،
من غير محاولة لاستشكال هذه الأفكار من خلال الدين الجديد الذي آمنت به! فالإسلام هنا يأتي ليصادق على أفكاره لا ليهيمن عليها!
يبقى السؤال الاهم، لماذا هذا التضامن العالميّ الإسلاميّ مع تيت؟
أظنّ بأنّ خطاب المسلمين في الغرب (مراكز وأشياخ وسياسيين) ومنذ فترة بعيدة كان أقصى مراده العيش بسلام في مجتمع تعددي تحكمه قيم ليبرالية لا يبدي تجاهها كبير تحفظ، "مسلم الحد الأدنى" كما يسميه سلمان سيد...
أظنّ بأنّ خطاب المسلمين في الغرب (مراكز وأشياخ وسياسيين) ومنذ فترة بعيدة كان أقصى مراده العيش بسلام في مجتمع تعددي تحكمه قيم ليبرالية لا يبدي تجاهها كبير تحفظ، "مسلم الحد الأدنى" كما يسميه سلمان سيد...
تيت يقدّم خطابًا عُنفيًّا تجاه العديد من المسلمات الليبرالية، وهذا اللغة لا يقدر عليها أيَّا من مسلمي الغرب، من خالد أبو الفضل حتى عمر سليمان، لتفهمهم حدود الحركة والقول في المجتمعات الغربيّة. بينما تيت لا يتهيّب القول، لا يعرف دين "الصوابيّة السياسيّة"،
وهذا يشعر المسلم هناك بشيء من الاعتزاز واستعادة الذات (على قاعدة مشترك الخطاب التي وضحتها أعلاه).
وعلى سبيل المقارنة، أيهما يقنعك أكثر، هل حين تستمع ياسر قاضي وهو يتحدث عن الشذوذ بوصفه من الذنوب والمعاصي (لغة فقهيّة) أم حين تسمع تيت وهو يتحدث عن هذه الأفعال بأنّها إنحطاط، وإنحلال أخلاقيّ؟ (لغة سياسيّة وأخلاقيّة)
خلاصة القصة، وبلغة فرويدية، تيت هو تعبير عن انفجار مكبوت إسلامي في مجتمعات تعددية، تضيّق على المسلم الحديث بحريّة حول جملة من المواضيع التي لا يتفق فيها مع المزاج الليبرالي الحاكم هناك، وهي حالة شبيهة بحالة محمد علي –رحمه الله-
وإن كان السياق مختلف كليًا (مسألة الاستنكاف الضميري Conscientious objection في سياق الحرب الفيتنامية) وبالطبع كان محمد عليّ رجلًا مؤمنًا هذبّه الإسلام، بخلاف تيت...
طبعًا هناك بعض الشخصيات الإسلاميّة في الغرب أمثال محمد حجاب ودانيال حقيقتجو (قنيبي أمريكا) هم تعبير عن يمين إسلامي يحبّون أن ينضاف تيت إلى مسعاهم....
بقي أن أقول أمرين، الأوّل نحن نفرح بأي مسلم جديد، وهذا موقف إيمانيّ بسيط، فشعار المسلم: "يحبون من هاجر إليهم"، لكن هذا لا يمنع من الحديث والتنبيه والنقد.
(جارودي لما قال بأنّه دخل الإسلام وفي يده اليمنى الكتاب المقدس، وفي يده اليسرى رأس المال، كفّره المشايخ قديمًا، مع كونه فيلسوفًا كبيرًا، وعبارته محتملة التأويل، لا محض ملاكم هاوٍ، لديه بعض العبارات التحفيزيّة، ويقول بأنّه "مسلم في دبي،مسيحيّ في رومانيا" في عبارة لا تقبل التأويل!)
الشيء الثاني، الإسلام أوسع وأكبر من هاته المفاهيم (القوة، المال، العلاقات الإنسانيّة...) ومجرد اعتبار الإسلام هو هذه المفاهيم، لا يخرج عن كونه "إسلام مأزوم" يحتاج إلى إعادة تفكير، وتحرير...
وما أجمل ما قال فريد الأنصاري في كتابه "جمالية الدين": (ألا ما أحوجنا لإعادة قراءة الدين، في مصادره العذبة النقية الصافية، قراءة تصل المسلم بالله قبل أن تكون قراءة ينتقم بها لنفسه من الظلم الإجتماعي والطغيان السياسي، فيكون بتدينه عدوا للدين! من حيث يدري أو لا يدري!)
والله أعلم
والله أعلم
جاري تحميل الاقتراحات...