الدراسات الدينية R.S
الدراسات الدينية R.S

@ayedh_RS

9 تغريدة 12 قراءة May 20, 2023
التَّدين المُتَبَضَّع!
عبر معظم المجتمعات الإنسانية، ومنها المجتمعات الغربية خصوصًا في عصورها المتأخرة، سرت ذائقة دينية وتوسعت بشكل كبير، تعبر عن هشاشة التدين وضعفه في النفوس. إذ أصبح التدين مجرد وسيلة إشباع ذاتي، وأداة لتلبية حاجات العواطف الروحانية والمشاكل العاطفية.
أصبح الدين في الواقع -مع هذا اللون والنمط من التدين الرَّغَبي الاستهلاكي- محكومًا وليس حاكمًا، يحكمه المزاج الفردي، وتفصله أهواء ورغبات النفس الخاصة، فالدين هنا مُطالبٌ وليس بآمرٍ، أمامه واجبات وليس له، ولذا فعليه أن يكون نافعًا نفعًا دنيويًا بالمقاسات المناسبة لرغبات الأفراد.
في هذا النمط من السلوك التديني الاستهلاكي، صار الدين مثل السوبرماركت الكبيرة المتنوعة بالأشياء المختلفة، والتدين الفردي صار مثل عربة التبضع، يسوقها الفرد وهو يتأمل في هذا التنوع الكبير، ويتبضع من السوبرماركت تلك ويضع في عربته أو سلته ما يناسب حاجياته ورغباته وربما نزواته.
فالرغبة والحاجة والمزاج والأهواء هي الضوابط الرئيسة في تحديد هذا النمط من التدين، وعلى الدين أن يتماهى معها إذا أراد البقاء، فيجب أن يكون جميلاً ورائعًا بروعة وجمال الأفراد الذين ينتقون منه ويتبضعون ما يرونه جميلاً ورائعًا، ولا بد أن يكون الدين دومًا عند حسن ظنهم وملبيًا رغباتهم!
الإله لا بد أن يستجيب الدعاء ويلبي الطلبات، والدين لا بد أن يخضع لمعايير وجماليات الذوق الحديث، والتكاليف والالتزامات مثقلة لجماله ورعته لدى هؤلاء الأفراد، فلا بد أنها إضافات مزعجة لاحقة ليست من صميم روحه الخلاقة، التي هدفها الحقيقي "طبطبت" النفوس وتسلية الأرواح، وتلبية رغباتها.
هذا النمط من التدين -وإن لم ينتبه الفرد- تدين استهلاكي فرداني رأسمالي يطالب بأوسع صورة ممكنة من الإله والدين بحاجاته ورغباته الدنيوية، وفي المقابل لا يريد إلا أضعف وأهش الالتزامات الدينية، فالدين في فلسفة هذا النمط من التدين جاء لأداء الخدمة لا للمطالبة بالتكليفات والممارسات.
في هذا النمط من التدين الاستهلاكي يلعب القلب دورًا مهمًا، فهو تدين إرجائي، فالمهم النية الطيبة والقلب الأبيض، أما العمل والالتزام بالأوامر والنواهي، فهي شكليات ليست ضرورية إلا إذا كانت تحقق نفعًا نفسيًا كاليوغا والتأملات الروحانية التي تهب السكينة وتهدأ القلب وتزيل الاكتئاب.
وهكذا، فنمط التدين الرأسمالي الفرداني، جعل الدين والإله ليس غاية بل وسيلة، وصارت الحاجيات والرغبات والنزوات هي الغاية، ومدى الارتباط بهذا النوع من التدين يكون بنتائجه وثمراته على الحياة الاستهلاكية، وواجب الدين والإله أن يكونا عند حسن تطلعات الأفراد وآمالهم لتحقيق النجاح الدنيوي.
وقد أشار ابن تيميَّة لمعنى قريب من ذلك حيث قال عن فئة من الناس: "إنكم لم تثبتوا إلا ما علمتم بعقولكم، وما لم تثبته عقولكم نفيتموه، فبقي كلام الرسول عليه الصلاة والسلام عديمَ الفائدة". أولئك الذين تحدث عنهم ابن تيمية جعلوا العقل حاكمًا، وهؤلاء جعلوا الرغبات والحاجيات هي الحاكمة!

جاري تحميل الاقتراحات...