31 تغريدة 11 قراءة May 23, 2023
أرض طغى فيها الإنسان وتجبر، فأزهق أرواح الأبرياء وتبختر، كنوز تنهب، دماء تسيل، ودموع تنهمر. أرض تروى فيها قصص أناس جمعتهم ظروف وصدف: رجل داهية طموح حالم، شاب غبي حقود منتقم، هذا هو الجزء الأول من Vinland Saga، وعن هذه الشخصيتان أكتب وأهبد.(ملاحظة: هذه سوالف لا مراجعة)
قصة الجزء الأول بُنيت على شخصيتين، ثورفين وأشيلاد، والظروف التي جمعتمها غريبة والعلاقة التي ربطتهما أغرب، علاقة أثارت لغطا وسخطا واستغرابا كبيرا رأيته في ردود فعل المتابعين على الجزء الأول، قليل حب وأشادة وكثير كره ونقد، ولذلك اظن أن كلامي سيعارضه كثيرون، والباب مفتوح للنقاش.
أشيلاد: طفل تجري في دمائه سيرة أسطورة لملك عظيم غاب عن شعبه يوما، وسيعود لينقذه من مآسيه وكرباته يوما، تربى على سماعها وصدق بحلولها حتى دارت الأيام وطال الغياب بقسوته؛فأدرك أن الأسطورة خبر غير مؤكد لا يدفع ظلما ولا ينقذ مظلوما؛ فآثر الحركة والقيام على الانتظار والقعود…
ومن صدقه مع نفسه رأى عجزه على أن يصير الملك الموجود في الأسطورة ولو سعى كل سعيه، إلا أنه ما يأس وقرر قرارا طموحا، قرر أن يصنع ملكا! ملك يكون على يديه الخلاص والسلام لشعبه المنكوب المهان، فأخذ يسير في الأرض وغايته صنع ملك، وشعاره غايتي العظيمة تبرر كل وسائلي وإن حقُرت وخبُثت.
المهم أشيلاد ما ترك وسيلة قذرة في الأرض إلا وأخذ بها، صار قرصانا يسطو فيقتل ويسبي ويعيث فسادا في الأرض كسائر أقرانه من الفايكنج إلا أنه تميز بخبثه ودهائه وبعد نظره ولباقته وبلاغته التي ذللت له الطرق وما عليها من بشر وحجر، ولم ينسى ابدا غايته الكبرى فتحيّن اللحظة وترقب قدومها.
وخلال سيره تقاطعت طرقه مع بطل القصة ثورفين، وبعد أحداث رائعة كلنا نعرفها نشأت تلك العلاقة المثيرة للجدل تارة، وللضحك تارة أخرى، علاقة استغلال وانتقام، ولكن ليس كأي انتقام.
ثورفين: طفل طيب بريء غر ما رأى من الدنيا إلا الأمان والسلام، وفي يوم غدر وخيانة رأى بعينيه مصرع والده الذي هو كل حياته وفخره، فاستشاط غضبا واشتعلت في عينيه نار الانتقام التي لا تطفئها إلا الدماء المنهمرة، وبجهل الأطفال وسذاجتهم عزم أن ينتقم من قاتل أبيه، أشيلاد.
ونظرا لصغره وضعفه وعجزه عن انتقامه لما واجهه أول مرة، أعاد الكرة ولم يستسلم فخاب وفشل، ولأنه ابن محارب فخور شجاع شريف ما رأى الغدر سبيلا لانتقامه بل المواجهة الشريفة وجها لوجه، فمالحيلة مع عجزه وضعفه وسعار لهيب انتقامه؟ هنا ظهر خبث أشيلاد وبعد نظره…
إذ رأى في ثورفين مهارات واعدة إن استغلت وصقلت صارت سلاحا فتاكا لا يردع ولا يرد؛ فعرض عليه عرضا سخيفا هو إلى المزاح والهزل أقرب، انضم لي واصنع انجازا عظيما في معاركي؛ تنل فرصة مواجهتي مرة أخرى فتحقق انتقامك. وافق ثورفين، قبل بجهل وسذاجة وحماقة عرضه وكأنه فرصة الفرص.
ولأنه لا يرى أبعد من مُد يده؛ أوقع نفسه في مستنقع عميق قذر فاسد لا خير ولا نفع فيه، مستنقع يسبح فيه أحط الخلق خلقا وهم القراصنة، وتطفو على سطحه جثث المغدورين المساكين وهم الأبرياء. لينال وسام التميز جرب القتل مرة، فبدأ يغرق شيئا فشيئا، حتى صار القتل جزءًا روتينيا من حياته...
جزءًا لا يأبه لوجوده ولا يفكر بجدواه، فعينه وعقله مغطيان بغمامة سوداء لا يرى من خلالها إلا سبيل الانتقام من أشيلاد، وكل ما سواه وسيلة للوصول إليه، وهو بهذا سار على نهج من يكره، غايتي -مع اختلافها- تبرر وسيلتي.
إلا أن بقية الخير والرشد في قلبه لم تغطى بغمام الانتقام كاملة إلا بعد حادثة أنحط فيها قدره وصار مساويا لشناعة وحقارة من يكره، لما أنقذته امرأة طيبة وأكرمته أثناء مهمته الاستطلاعية في إحدى القرى، فقابل كرمها باتمام مهمته وفتح الباب لهجوم القراصنة الغادر فأبيدت، تألم قلبه للحظة...
تألم قلبه للحظة فاختار أن يطمس هذا القلب فيمنع عن نفسه تأنيب الضمير وقرع السؤال؛ وغرق. عند هذه النقطة اكتمل تقديم شخصية ثورفين بأبعاده التي ستبنى عليها جل أحداث الجزء الأول، اتسعت رقعة الأحداث، ومازال أشيلاد يغريه بالانتقام وثورفين يلاحقه وكأنه حمار يلاحق جزرة معلقة أمامه.
ومع اتسع الأحداث ودخول شخصيات جديدة قل تسليط الضوء على نفسية ثورفين، فما عدنا نرى ذلك الصراع الدائر في نفسه بين رغبة الانتقام وجدواها وأثرها على حياته، معتمدين بذلك على الأساس الذي وضعوه له في المقدمة. قد يفهم الأمر أنه قصور وضعف في عرض وكتابة شخصيته إلا أن للأمر وجها آخر برأيي..
قلة عرض الصراع النفسي تدل على غرقه التام في مستنقع انتقامه، وهو تأكيد على المقدمة وأثرها، غرق حجب عنه السؤال والتفكير حتى أنه وخلال سير القصة سئل عن علاقته بأشيلاد فدائما ماكان يقول أنه ليس بتابع بل عدو، وهذا جواب مضحك يدل على الهروب الى عذر الانتقام بدل التفكير ومساءلة النفس.
ولجهله وقصور فهمه وانعدام المرشد المساعد الثقة في حياته والوسط الهمجي القذر الذي نشأ فيه كل الأثر والسبب في وصوله إلى هذا التفكير الساذج الغبي، والقصة مدركة لهذا ولا تقدم موقف ثورفين ورغبة انتقامه الواهية تقديما ايجايبا مشيدا، بل لمحت كثيرا إلى أنها غلط وسخافة لا تبدر من عاقل.
قد يقول أحدهم أن هذا القصور في العرض لا مبرر له وماهو إلا ضعف، بل يستطيعون الجمع بين عرض نفسيته وتقديم المعنى المراد تقديمه من غرق وتيه وضياع، برأيي أن هذا الكلام صائب في العموم ولكنه هنا موجود لغرض وغاية مبررة تعزز قيمة نهاية هذا الجزء ووقعها، وسيتضح الأمر في ختام الكلام.
-فاصل والتكملة بعد ساعة-
إن العلاقة التي جمعتهما علاقة استغلالية أنانية صرفة، وفيها من الخباثة والدناءة ما يصعب وصفه، وهذا ليس كرها من أشيلاد لثورفين، بل لأنه رآه وسيلة من وسائله التي ستوصله لغايته كباقي أتباعه، ومع طول المعاشرة والرفقة نشأ بعض الاحترام والتقدير من أشيلاد لثورفين مع بقاء الاستغلال الأول.
فلما شارف أشيلاد على الوصول لغايته وبعدما سئم وضجر من محاولات انتقام ثورفين التي دائما تنتهي بفشل ذريع وهزيمة منكرة؛ قرر وأخيرا أن يصدم ثورفين بحقيقة أخفاها عنها لسنين، حقيقة عن نفسه أولا، وعن سبيل تحقيق الانتقام الحقيقي ثانيا، لعلها من بعد سماعها يستفيق من حاله المخزي ويستسلم...
أخبره بماضيه وانتقامه الذي حققه في فترة وجيزة قصيرة إذا ما قورنت بفترة ثورفين، وما احتاج خلالها إلا لحقد مستعر وسبيل واضح وغدر، ونال مسعاه سريعا فارتاح وتفرغ لهدفه الكبير. هذا التصريح حطم همة ثورفين وداس على كل محاولاته ومعاناته التي بذلها لينتقم طيلة 10 سنين.
ماقاله أشيلاد ليس بكلام معجز لا يخطر على بال، بل محض حقائق وبديهيات يصل إليها كل من خاض سبيل الانتقام البائس إلا ثورفين، فكما أسلفت رُزق بغباء وسوء في التفكير والتصرف أذهل الناس كلها، وهذا حال مستنكر طبعا لكنه يبقى مفهوما إذا مانظرنا لتكوين وأساس ثورفين الذي وُضح في المقدمة.
ماقاله أشيلاد هو باب الشفقة والرأفة على حال ثورفين وهي بادرة جيدة تظهر رغبة خافتة في إرشاد ثورفين، لكنه جاء متأخرا جدا بعد أن استهلكه ودمر روحه فصار إلى الموت أقرب من الحياة، هل لان قلبه على آخر عمره؟ ربما.
ختام المسلسل رائع أحببته، فيه أرسى أشيلاد أول أساسات مَلكه المنتظر، مثبتا أنه داهية يتصرف بمرونة عجيبة إذا ما تكالبت عليه الظروف المفاجئة الغادرة. خيُر بين حلمه وشعبه، فاختار بجراءة حلمه الذي فيه تحقيق خلاص شعبه أصلا، انتصر لحلمه وخسر نفسه.
ومن الأمور التي ميزت أشيلاد أنه رجل حركته أحلام الطفولة، وظل مخلصا لها حتى آخر لحظة، وسبب تعلقه بالحلم لا لذاته فقط، بل الشخص الذي زرع فيه هذا الحلم، أمه. حب حلمه من حب أمه، ولذلك رأيناه يستشيط غضبا كلما ذكر أحدهم أمه بسوء فيفقد رباطة جأشه وتبدر منه أفعال متهورة لم يحسب لها حساب.
هذا الضعف في نفسه يكمل شخصيته ويكسبها حيوية ماكانت لتظهر لولا هذه المواقف، وأظن أنه ماكان ليقدم على فعلته الأخيرة المتهورة إلا لصون كرامة أمه ودفاعا عن سيرتها.
وقبل أن يفارق الحياة رآه ثورفين، ففزع وجن جنونه وانقلب أمره لا حزنا على فراقه، بل حسرة وآسى على كل تلك الأيام التي انقضت هباءً وهو يسعى خلف سراب انتقامه، وموت عدوه على غير يده فيه إحقاق وتأكيد على فشله الذريع غير المسبوق، ونسف لكل حياته ومحاولاته، موت يعلن الخسارة الفادحة الكاملة
آخر كلام أشيلاد كان مفاجئًا لا يتسق مع وقاحته، فلما أيقن بدنو أجله ورأى أسى ثورفين ويأسه قرر أن يسدي إليه معروفا بكلمات رحيمة نقية لا تصدر إلا مهتم محب، كلمات لعلها تخفف عنه ما ألم به وترشده إلى خطوته القادمة التي فيها صلاح حاله. رآه البعض تناقضا، ورأيته أنا احتراما واعتذارا.
احتراما وتقديرا لثورز أولا، فثورز هو الخصم الوحيد الذي أعجز بتصرفاته وقناعاته أشيلاد، فترك فيه أثرا وتقديرا لن يزول، وهو يدرك أن فعلته القديمة ظلم صريح. واعتذارا وأسفا لثورفين على كل ما اقحمه فيه وهو يسعى لحلمه الكبير، هذه بقية الخير القليلة في نفسه، وظهرت لما وصل الى مبتغاه.
خُتم الجزء بمشهد مؤثر، يفارق فيه خنجر ثورفين العزيز -وآخر ذكرى من ذكريات الصبا- يده؛ فتنعكس عليه كل تلك الأيام التي قضاها ظالما لنفسه بسعيه لانتقامه وكأنها تتلاشى، مؤكدا لنا أن رحلته هذه انتهت بخسارة وفشل ذريعين سيتركان أثرا غائرا في نفسه لن تمحوه الأيام مهما طالت ومرت.
المعنى الذي سعى الجزء الأول لتقديمه أنه كلما طالت وكثرت لحظات الغفلة عظمت بسببها لحظة الاستيقاظ، ونجح في ذلك. عموما جزء كبير من صحة وحقيقة هذا الكلام يعتمد على الطريقة التي سيعالج فيها المؤلف أحداث هذه الفترة وآثارها على نفسية وشخص ثورفين في الأحداث القادمة

جاري تحميل الاقتراحات...