إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير
إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير

@hashemi891

2 تغريدة 12 قراءة Jun 22, 2023
مَا يُشْرَعُ تَعَلُّمُهُ مِنْ نَسَبِ الآبَاءِ وَمَا يُمْنَعُ.
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف المرسلين، نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين. أمَّا بعد:
فقد كانت أمَّة العرب شديدة الاعتزاز بدمائها التي انسكبت في عروقها عن آبائها الأوائل، وكان النَّسَب أشرفَ ميراثٍ تصونه وتحفظه أن يختلط بغيره، فما من عربي إلَّا ويحفظ أسماء آبائه أبًا أبًا كما قال ملك الحِيرة الجاهليُّ النعمان بن المنذر الغسَّانيُّ (ت: نحو 28 ق هـ)، ثمَّ ازداد حرصُهم على الأنساب وعنايتُهم بها لمَّا جاءتهم الشَّريعة السَّماويَّة؛ حيث أَمَرَ النبي ﷺ بتعلم الأنساب ومعرفتها في قوله: «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ؛ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي الْمـَالِ، مَنْسَأَةٌ فِي الأَثَرِ». وفي رواية: «اعْرِفُوا أَنْسَابَكُمْ».
والرحم الواردة في الحديث النبوي مطلقةٌ لا حدَّ، فقد تكون قريبةً كابن العمِّ، والخال، وبعيدةً إلى عشرةٍ، أو خمسة عشر جَدًّا، وممَّا يشهد لذلك ما حُكِيَ عن ابن عباس رضي الله عنه (ت68هـ) أنه تلطف وأَلان الكلام مع رجل تجمعه به رحمٌ بعيدةٌ، قال إسحاق بن سعيد عن أبيه: «كنت عند ابن عباس، فأتاه رجلٌ فمتَّ إليه برحمٍ بعيدةٍ؛ فألان له في القول، فقال: قال رسول الله ﷺ: «اعرفوا أنسابكم تصلوا أرحامكم» فإنَّه لا قُرْبَ للرَّحم إذا قطعته وإن كانت قريبةً، ولا بُعْدَ إذا وصلت وإن كانت بعيدةً».
وقد نظر ابن خلدون (ت808هـ) في المصلحة المترتبة على صلة الرَّحم بدرجاته المتفاوته، محاولًا ردَّ ذلك إلى أسبابه الجِبِليَّة حيث يقول: «إنَّ صلة الرَّحم طبيعيٌّ في البشر إلَّا في الأقلِّ، ومن صلتها النّعرةُ على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيمٌ، أو تصيبَهم هلكةٌ؛ فإنَّ القريب يجد في نفسه غضاضةً من ظلم قريبه، أو العداء عليه، ويودُّ لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك، نزعة طبيعيَّة في البشر مذ كانوا، فإذا كان النَّسب المتواصل بين المتناصرَين قريبًا جدًّا بحيث حصل به الاتَّحاد والالتحام كانت الوصلة ظاهرةً؛ فاستدعت ذلك بمجرَّدها ووضوحها.
وإذا بَعُدَ النَّسب بعض الشَّيء فربّما تُنُوسي بعضُها، ويبقى منها شهرةٌ؛ فتحمل على النُّصرة لذوي نسبه بالأمر المشهور منه فرارًا من الغضاضة الّتي يتوهَّمها في نفسه من ظلم من هو منسوبٌ إليه بوجهٍ، ومن هذا تفهم معنى قوله ﷺ: «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ» بمعنى أنَّ النَّسب إنَّما فائدته هذا الالتحام الَّذي يوجب صلة الأرحام حتَّى تقع المناصرة والنّعرة. وما فوق ذلك مستغنًى عنه؛ إذ النَّسب أمر وهميٌّ لا حقيقة له، ونفعُه إِنَّما هو في هذه الوصلة والالتحام».
ومِمَّا يدُلُّ على مشروعية تعلم نسب الآباء وحفظه، عناية السلف به وعلى رأسهم الإمام البخاري (ت256هـ)، فقد ساق عمود نسب النبي ﷺ إلى جده عدنان، وصحَّ لدى الحافظ السهيلي (ت581هـ) أنَّ النبي ﷺ ساق نسبه إلى جدِّه الأعلى عدنان -وهو الجدُّ الحادي والعشرون من آبائه- ونَقَلَ الإجماع على ذلك العلَّامة ابن دحية الأندلسيُّ (ت: 633هـ) حيث يقول: «أجمع العلماء -والإجماع حُجَّةٌ- على أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم كان إذا انتسب لا يجاوز عدنان».
وكان من أعلمَ النَّاس بنسب الآباء كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وجبير بن مطعم رضي الله عنهم؛ لما في ذلك من مصلحة الإنسان الشَّرعيَّة والدُّنيويَّة، وهي معرفة القرابة القريبة والبعيدة، وما له وما عليه من حقوق كصِلَة ونفقة، وما يتبع ذلك كالإرث، وما تحمله العاقِلة، فكلُّ ذلك وغيره لا يتِمُّ للمرء إلَّا بمعرفة نسب آبائه وما يُتَوصَّلُ به إلى ذلك.
ثمَّ إنَّ من يتعاطى شيئًا من مسائل هذا العِلم قد تخفى عليه حدودُ الممكنِ والمشروعِ منه وكيفيةُ تمييزِه عن غيره مِمَّا لا طائل منه بل لا ثقةَ بما يُروَى فيه أصلًا؛ ولذا كان من المهم أن نُبيِّن عِيار ذلك، فأقول مستعينًا بالله:
أَوْرَدَ العلَّامة ابن خلدون (ت: 808هـ) في مقام الرَّدِّ على ما رُوِي في التَّزهيد في علم النَّسب، قياسًا يُعرَف به ما يَحسُن الاشتغالُ به مِن علم النَّسَب وما يُكرَه، فقال رحمه الله: «وأمَّا ما رَوَوْهُ من أنَّ النَّسَب عِلمٌ لا ينفع، وجهالةٌ لا تضرُّ، فقد ضعَّف الأئمةُ رَفْعَه إلى النبيِّ ﷺ، مثل: الجرجانيِّ، وأبي محمد بن حزم، وأبي عمر بن عبد البرّ.
والحقُّ في الباب أنَّ كل واحدٍ من المذهبين ليس على إطلاقه؛ فإنَّ الأنساب القريبة التي يمكن التوصُّل إلى معرفتها لا يضرُّ الاشتغال بها؛ لدعوى الحاجة إليها في الأمور الشرعيَّة، من التعصيب والولاية والعاقلة، وفرض الإيمان بمعرفة النبيِّ ﷺ، ونسب الخلافة، والتَّفرقة بين العرب والعجم في الحريَّة والاسترقاق عند من يشترط ذلك، وفي الأمور العاديَّة أيضًا، تثبت به اللُّحمة الطبيعيَّة التي تكون بها المدافعة والمطالبة، ومنفعة ذلك في إقامة الملك والدين ظاهرة، وقد كان ﷺ وأصحابه ينسبون إلى مضر ويتساءلون عن ذلك، ورُوِي عنه ﷺ أَنَّه قال: «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ». وهذا كلُّه ظاهرٌ في النَّسَب القريب.
وأمَّا الأنساب البعيدة العسرة المدرك، التي لا يُوقف عليها إلَّا بالشَّواهد والمقارنات؛ لبُعْدِ الزمان وطول الأحقاب، أو لا يُوقَف عليها رأسًا؛ لدروس الأجيال، فهذا قد ينبغي أن يكون له وجهٌ في الكراهة، كما ذهب إليه من ذهب من أهل العلم، مثل مالك وغيره؛ لأنَّه شغلٌ الإنسان بما لا يعنيه، وهذا وجه قوله ﷺ فيما بعد عدنان من هاهنا: «كَذَبَ النَّسَّابُونَ»؛ لأنَّها أحقابٌ متطاولةٌ، ومعالم دارسةٌ، لا تُثلج الصُّدور باليقين في شيءٍ منها، مع أَنَّ علمها لا ينفع، وجهلها لا يضرُّ، كما نُقل، والله الهادي إلى الصَّواب».
قلتُ: قد ظهر لك بما نقلناه هنا أنَّ العلامة ابن خلدون نَظَرَ إلى المصالح الشَّرعيَّة والاجتماعية المترتِّبَة على تعلُّم الأنساب، بعد أن قرَّر ما صحَّ من الأخبار في شأن النَّسَب وما لم يصحَّ، وخَلَص من ذلك إلى أنَّ ما ينبغي الاشتغالُ به من علم الأنساب ما كان موضوعُه ذرِّيَّةَ عدنان وقحطان جَدَّي العرب.
وأمَّا النَّسَب الذي يُكره الاشتغال به فهو ما بعد عدنان وقحطان من آباءٍ وذريَّةٍ، وأمَّا استدلالُه بالحديث الوارد فيما بعد عدنان: «كَذَبَ النَّسَّابُونَ» فهو صحيح المعنى وإن كان الحديث موضوعًا، ويَشهَد لصِحَّة معناه آثارٌ كثيرةٌ، منها: قولُ أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه (ت: 23هـ): «إنَّما ننسب إلى عدنان، وما وراء ذلك لا أدري ما هو»، وقولُ أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها (ت: 58هـ): «ما وجدنا أحدًا يعرف ما وراء معد بن عدنان، ولا ما وراء قحطان، إلَّا مُتَخَرِّصًا».
ومن الآثار التي تُؤكِّد انقطاع الطرق في معرفة مَن بعد عدنان، قولُ عروة بن الزبير الأسدي القرشي (ت 94هـ)، -وهو أحد علماء النَّسب من التَّابعين-: «ما وجدنا أحدًا يَعرِف ما وراء معدِّ بن عدنان». وكذا قولُ معاصره أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة العدوي القرشي، -أحد علماء قريش بالنَّسب-: «ما وجدنا في عِلم عالمٍ، ولا شعر شاعرٍ أحدًا يَعرِف ما وراء معدِّ بن عدنان بثبتٍ».
ولم يَخرُج أئمَّة المسلمين من بعدِ ذلك عن قولِهم؛ إذ كَرِهَ الإمام مالك الأصبحي (ت: 179هـ) رَفْعَ النَّسب مِن بعد عدنان وقحطان إلى الأنبياء، فقد سألوه عن النِّسبة التي ينتسب الناس حتَّى يبلغوا آدم، أتكره ذلك؟ فقال: نعم، أكرهُ ذلك.
قالوا: فينتسب حتَّى يبلغ إسماعيل وإبراهيم؟ فقال: ومَن أخبره بما بينه وبين إبراهيم؟ فقال: لا أحب ذلك. قال: وأنا أكره أن يرفع إلى أنساب الأنبياء كلهم، وليس الأنبياء كغيرهم. يقول: إبراهيم بن فلان بن فلان. ما قرَّر له هذا ومن يخبره ذلك.
ولم يتوقف العلماء فيما بعد عدنان من الأسماء لكونها غير محفوظةٍ عن العرب فحسب، بل لأسباب قويَّة انضمَّت إلى ذلك، ككونها منقولةً عن أهل الكتاب دون أن يَثبُت لها موافِقٌ من الشَّرع ولو قولَ صحابيّ أو تابعيّ، بل ولا مِمَّا حَفِظه العرب؛ وهذا ممَّا يُتوقَّف فيه عند أهل الإسلام، وذلك أنَّ الإسرائيليات من حيث الجملة إنَّما تُذكَر للاستشهاد لا للاعتقاد ثم هي بعدُ "على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحَّته ممَّا بأيدينا ممَّا يشهد له بالصِّدق، فذاك صحيح.
والثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا ممَّا يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا من هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نُكذِّبه وتجوز حكايته؛ لما تقدم. وغالب ذلك ممَّا لا فائدة فيه تعود إلى أمر ديني؛ ولهذا يختلف علماء أهل الكتاب في مثل هذا كثيرًا، ويأتي عن المفسِّرين خلافٌ بسبب ذلك".
وسبب التوقف في القسم الثالث كما ذكر ابن بطال في شرح البخاري أنَّه "ممَّا يُمكِن أن يكون صدقًا أو كذبًا، لإخبار الله تعالى عنهم أنهم بدَّلوا الكتاب ليشتروا به ثمناً قليلًا، ومن كَذَبَ على الله فهو أحرى بالكذب في سائر حديثه".
ثم إنَّ الأمر لا يقتصر على عدم وجود دليلٍ من شرعنا ولو قولَ صحابيّ أو تابعيّ يُصدِّق الروايات التي تَرفَع النسب مِن عدنان إلى إسماعيل عليه السلام ومَن بَعده بل يزداد حالها وَهنًا ويزداد النَّاظر في شأنها ارتيابًا لكثرة ما فيها من التَّخليط والاضطراب مع تعذر الإتيان بمُرجِّح لانقطاع طرق هذه الأخبار ودورس تلك الأمم والأعصار، وقد صرَّح الحُفَّاظ والمؤرِّخون بالتوقف في شأن هذه الروايات - لما ذكرناه آنفًا -، كالحافظ محمد بن سعد البغدادي (ت230هـ)، ونصُّه رحمه الله: «قال محمَّد بن إسحاق: وقد انتمى قُصي بن كلاب إلى قيذر في بعض شعره. قال أبو عبدالله محمَّد بن سعد: ولم أر بينهم اختلافًا أنَّ معدًّا من ولد قيذر بن إسماعيل، وهذا الاختلاف في نسبته يدلُّ على أنَّه لم يُحفظ، وإنَّما أُخذ ذلك من أهل الكتاب وترجموه لهم فاختلفوا فيه، ولو صحَّ ذلك لكان رسول الله ﷺ أعلم النَّاس به، فالأمر عندنا على الانتهاء إلى معدِّ بن عدنان، ثمَّ الإمساك عمَّا وراء ذلك إلى إسماعيل بن إبراهيم».
وبنحوه قال العلَّامة الأخباري محمَّد بن سلام الجمحي (ت: 231هـ) ونصُّه: «ما فوق عدنان أسماء لم تُؤخَذ إلَّا عن الكتب، والله أعلم بها، لم يذكرها عربيٌّ قط». أي فكيف يُعوَّل على أهل الكتاب في أمر النَّسب البعيد ولم يُحفَظ ذلك عن العرب مع شدة عنايتهم بأنسابهم وحرصهم على حفظها؟!
وللحافظ خليفة بن الخياط العصفري (ت240هـ) تحقيقٌ نقل فيه أقوال جمعٍ من أهل العلم برفع نسب النبيِّ ﷺ والعرب إلى عدنان وقحطان، وأنَّه النسب الذي لا يُنكر، وما بعد ذلك من أسماء آبائهم إلى إسماعيل وآدم عليهما السلام يُتوقَّف فيه. يقول رحمه الله: «حدَّثني خالد بن مسلم، وعلي بن حاتم بن محمَّد بن أبي سيف، وغيرهما من أهل العلم، في تسمية آباء رسول الله ﷺ، وتسمية آباء من حُفظ عنه الحديث عن رسول الله ﷺ وأمَّهاتهم، وأوطانهم من البلاد، وما حُفظ لنا من وفاتهم على تاريخ السنين. كل قد ذكر شيئًا فألفت ذلك على ما في كتابنا هذا بالنَّسب المعروف الذي لا يُنكر، وحفظته العرب، وأهل النسب بعضهم عن بعض من مضر وربيعة ابني نزار إلى معد بن عدنان، ومن أهل اليمن إلى قحطان».
وهكذا عَدَّ العلامة أبو بكر ابن دريد الأزدي (ت321هـ) ما بعد عدنان من أسماء آبائه لإسماعيل أو لآدم عليهما السلام، منقولةً من كتب اليهود والنصارى التي لا تصحُّ.
وممَّن رَدَّ روايات النَّسَّابين التي تصل نسب عدنان أبًا أبًا إلى جدِّه إسماعيل بن إبراهيم q؛ لكثرة خلطهم في أسماء وعدد الآباء بينهم، الحافظُ أبو حاتم ابن حِبَّان (ت354 هـ)، حيث يقول: «نسبة رسول الله ﷺ تصحُّ إلى عدنان، وما وراء عدنان فليس عندي فيه شيءٌ صحيح أعتمد عليه، غير أنِّي أذكر اختلافهم فيه بعضهم لبعض من ليس ذلك من صناعته»، ثم ساق نسب النبيِّ ﷺ إلى عدنان، وقال: «إلى هنا ليس بين النسَّابة خلافٌ فيه، ومن عدنان مختلفون فيه إلى إبراهيم»، ثم ذكر اختلافهم الشَّديد وتخليطهم.
وللسبب نفسه أعرض الحافظ النَّسَّابة ابن عبد البر الأندلسي (ت 463هـ) عن إيراد الأسماء بين عدنان وإسماعيل عليه السلام وبين إبراهيم عليه السلام وسام، قال رحمه الله: «واختلفوا فيما بين عدنان وإسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وفيما بين إبراهيم وسام بن نوح بما لم أرَ لذكره هاهنا وجهًا؛ لكثرة الاضطراب فيه، وأنَّه لا يُوقَف منه على شيءٍ متتابعٍ متَّفَق عليه». ومع هذا أجمع علماء الإسلام على أنَّ العرب العدنانيِّين من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، قال النَّسَّابة محمد بن عبدة (ت: قبل 300هـ): «وأجمعوا أنَّ عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام». بل ولا خلاف بين أهل العلم أنَّ عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام، قال الحافظ النَّسَّابة ابن عبد البر الأندلسي (ت: 463هـ): «اعلم أنَّه لا خلاف بين جماعة أهل العلم بالنَّسب وأيام العرب أنَّ عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام». ومن أدلتهم على ذلك قولُ الله عز وجل للعرب: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾. وعلى ذلك دلَّتِ السُّنَّة أيضًا؛ فقد صرَّح النبيُّ ﷺ بانتسابه إلى إسماعيل عليه السلام، وبه يُستدَل أنَّ عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام؛ فهو الواسطة بينهما، جاء في الحديث المشهور: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ». وقوله ﷺ لقبيلة أسلم إخوة خُزاعة: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا». أمَّا ما ذكره النَّسَّابة محمد بن عبدة (ت قبل 300هـ) من أنَّه وجد طائفةً من علماء العرب تحفظ لجدِّ جمهرة العرب معدِّ بن عدنان أربعين أبًا بالعربية إلى إسماعيل عليه السلام، وتحتجُّ في أسمائهم بشعر الجاهليين، فيُعارضه ما تقدَّم من قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأم المؤمنين عائشة، وعروة بن الزبير والتابعين رضي الله عنهم، وجمهرةٍ من علماء الإسلام أنَّ المحفوظ في عمود نسب العرب ينتهي إلى عدنان وقحطان، وما بعد ذلك من أسماء إلى إسماعيل أو إلى آدم عليهما السلام لا تصحُّ أسانيدها، والبعض يرى أنَّ تلك الأسماء من روايات اليهود والنَّصارى التي لا تصحُّ كما تقد بيانه. وممَّن ضعَّف ما ادُّعِيَ مِن أنَّ العرب تحفظ لمعد بن عدنان أربعين أبًا بالعربية إلى إسماعيل عليه السلام، وتحتجُّ في أسمائهم بشعر الجاهليين، العلامةُ الأخباريُّ محمدُ بن سلامٍ الجمحيُّ (ت231هـ)، واستدلَّ على ذلك بالمحفوظ عن العرب إذ لم يجاوزوا عدنان في أنسابهم، بل لم يُذكَر عدنان نفسه فيما وَصَلَ من شعرِهم إلَّا في بيت أو بيتين، ونصُّ كلامه رحمه الله: «لم يجاوز أبناء نزار في أنسابهم وأشعارهم عدنان، اقتصروا على معد، ولم يذكر عدنان جاهليٌّ قطُّ غير لبيد بن ربيعة الكلابيِّ في بيتٍ واحدٍ قاله، قال: فإن لم تَجِدْ من دُونِ عَدْنانَ والدًا ودُوْنَ مَعَدٍّ، فَلْتَزَعْكَ العَوَاذِلُ وقد رُوِيَ لعباس بن مرداس السلمي بيتٌ في عدنان، قال: وَعَكُّ بنُ عَدْنَانَ الذِينَ تَلَعَّبُوا بمَذْحِجَ، حَتَّى طُرِّدُوا كُلَّ مَطْرَدِ والبيت مريبٌ عند أبي عبدالله، فما فوق عدنان أسماء لم تؤخذ إلَّا عن الكتب، والله أعلم بها، لم يذكرها عربيٌّ قطّ، وإنَّما كان معدٌّ بإزاء موسى بن عمران -صلَّى الله عليه- أو قبله قليـلًا، وبين موسى وعادٍ وثمود، الدهر الطويل والأمد البعيد. فنحن لا نُقيم في النَّسب ما فوق عدنان، ولا نجد لأولية العرب المعروفين شعرًا، فكيف بعادٍ وثمود؟ فهذا الكلام الواهن الخبيث، لم يروِ قطُّ عربيٌّ منها بيتًا واحدًا، ولا راوية للشعر، مع ضعف أسره وقلة طلاوته». فالتَّحقيق الذي لا معدل عنه في هذه المسألة أنَّ الانتهاء في نسب العرب إلى عدنان وقحطان هو الصَّحيح، وما بعد عدنان من أسماء آبائه إلى إسماعيل أو آدم عليهما السلام لا يصحُّ؛ لأمورٍ: أوَّلها: أنَّه لم يُؤْثَر عن أحدٍ من الصَّحابة والتَّابعين روايةُ أسماء آباء عدنان وقحطان إلى إسماعيل عليه السلام. ثانيها: أنَّ ما وَرَدَ من رواياتٍ تَذكُر آباء عدنان وقحطان إلى إسماعيل عليه السلام ضعيفةُ الإسناد، ومضطربةٌ أشدَّ الاضطراب. ثالثها: تنصيص بعض المحقِّقين على أنَّ ما ورد من أسماء آباء عدنان وقحطان إلى إسماعيل أو إلى آدم عليهما السلام لم يذكره عربيٌّ قطُّ، وهي من مرويَّات اليهود والنَّصارى التي لا تصحُّ. رابعها: أنَّه ليس للعرب الجاهليين في أسماء آباء عدنان شعرٌ يُؤثر عنهم. وقد يتوهَّم البعض ممَّا تقدَّم أنَّ حفظ عمود النسب أبًا أبًا شرط صِحَّة للنسب، وليس كذلك، بل هو شرط كمال؛ إذ قد يثبت النَّسب إلى الأب البعيد بالشهرة والاستفاضة وإن لم تُحفَظ سلسلة الآباء، والأدلة على ذلك كثيرة، منها: أنَّ النبيَّ ﷺ لما زاره وفدٌ من العرب سألهم: «مَنِ الْقَوْمُ»؟ قَالُوا: رَبِيعَةُ، قَالَ: «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ»، فرحَّب بهم، وأقرَّهم أنَّهم من ربيعة، ولم يطالبهم بذكر عمود نسبهم إلى ربيعة، وبين هذا الوفد وبين ربيعة خمسُمائة سنةٍ تقريبًا، وعلى هذا جرى صنيع الأئمة من المؤرِّخين والنسَّابين في مصنفاتهم؛ فإنهم لا يشترطون ذكر عمود النسب لصحته، إنما يكتفون في بيان ثبوته بقاعدة الشهرة والاستفاضة السماعية أنه من بني فلان، إذا لم يسمعوا طعن صحيح في نسبه. ومن الأقوال الواردة في كون عمود النسب شرط كمال لا شرط صحةٍ كلام الحافظ النَّسَّابة ابن حزم الأندلسي (ت: 456هـ) في إبطال الأسماء الواردة بين عدنان وإسماعيل عليه السلام، مع قطعه بأنَّ عدنان من ولد إسماعيل عليه السلام ونصُّ كلامه: «عدنان من ولد إسماعيل بلا شكٍّ في ذلك، إلَّا أنَّ تسمية الآباء بينه وبين إسماعيل قد جُهلت جملةً، وتكلَّم في ذلك قومٌ بما لا يصحُّ، فلم نتعرَّض لذكر ما لا يقين فيه». وكتب التَّاريخ طافحة بالآلاف من تراجم الأعلام، جازمةً أنَّ فلان بن فلان قرشيٌّ، حَسنيٌّ، حُسينيٌّ، شيبيٌّ، أنصاريٌّ، هُذليٌّ، كنانيٌّ، خُزَاعِيٌّ، تميميٌّ، قضاعيٌّ، سُلَمِيٌّ، عُذريٌّ، مُزَنيٌّ، خَولانيٌّ، ولم يذكروا لهؤلاء أعمدة نسبٍ، ولم يشترطوها، وما ذاك إلَّا لشهرتهم بتلك الأنساب واستفاضتها. والمحصَّل ممَّا ذكرناه في هذه الرسالة أنَّ علم الأنساب علمٌ شريفٌ بشرف غاياته، وتعلمه مشروع لتحقيق المقاصد والمصالح المتوقفة على معرفته، وأمَّا ما لا فائدة منه كتتبع الأنساب السَّحيقة فممَّا لا يُشرَع الاشتغال به وإن كانت النِّسبة إلى بعض الآباء منها صحيحةً من حيث الجملة، كالنِّسبة إلى إسماعيل عليه السلام وإبراهيم عليه السلام. هذا وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه: الشَّريف إبراهيم بن منصور الهاشمي الأمير
مكة حرسها الله تعالى
26 شوال 1444هـ / 16 مايو 2023م
ملاحظة: الرسالة منشورة بحواشيها في صفحتي على التليقرام: t.me

جاري تحميل الاقتراحات...