درر الشيخ أبي قَتادة
درر الشيخ أبي قَتادة

@ShAbuQatadah

29 تغريدة 9 قراءة May 26, 2023
لستُ جهادياً ولا سلفياً
 
السائل: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. شيخي الحبيب، أنت كبير عندي، والله .. اسمح لي أن أسألك سؤال المتعلم لا المتعالم، ولك أن لا تجيب .. مشكوراً: ما معنى قولك في مقالتك الأخيرة: ":
أنا لست جهادياً ولا سلفياً، والذين يريدون مني الدخول في عباءتهم «الأيديولوجية» رغم أنفي لن ينجحوا، ويمكن لهم النجاح في طردي من تيارهم، وهذا يسعدني جداً"؟!
الشيخ: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، جزاكم الله خيراً على هذا السؤال، وفرصة لي أن أنصح إخواني وأشرح نفسي:
أنتم تعلمون أنه بعد غزوات سبتمبر شنّت الدول هجوماً دعائياً كبيراً على المجاهدين، وكان عنوانها الحرب على الإرهاب، وجوهر هذه الحرب حسر الدين ومحاربة الأُمّة
ولذلك شملت هذه الحرب إيقاف المؤسسات الخيرية، وتوقيف الخطباء، ووصلت اليوم إلى تغيير المناهج، لكنها في تلك الفترة كان إعلانها منصبٌّ على العاملين في الجهاد، وقادتهم، وأفرادهم، وفي تقييمي أن خطتهم في العزل قد نجحت كثيراً، إذ بقيَ المجاهدون في الساحة لوحدهم
ولولا ما فتح الله للمجاهدين من ساحة العراق لكان الحال شديداً جداً، ولربما عاد المجاهدون للخطوط الأولى للعمل.
في  بداية انتشار الجماعات الجهادية، وترميم نفسها خلال الجهاد الأفغاني ضد السوفييت كانت الجماعات مهتمة جداً في  تمييز نفسها عن بقية الجماعات الإسلامية الأخرى، فرفعت شعار سلفية العقيدة والمنهج، وتميّزت عن غيرها بأنها عاملة أكثر وربما قصُر عملها على مصادمة الطواغيت، أي جهاد خاص
وبالتالي صار البعض يطلق عليها «السلفية الجهادية»، أي أنها تتبنّى الفهم السلفيَّ للدين، وتُوجّه عملها ضد طواغيت البلاد المسلمة من خلال الجهاد.
وكان أحد عمدها الخاصة: جهاد القريب أولى من جهاد البعيد -أي طواغيت بلادنا قبل الكفار الأصليين-، ولتطبيق هذا الفهم انصبّت جهود الناس لحمل الأُمّة على القيام على حكامهم، واعتقاد ردتهم وكفرهم، ونشر دين الكفر بالطاغوت ووجوب جهاده
وقد وقع انتشار لهذا الأمر في وسط الأُمّة، لكنه غير كاف لحصول جهاد يُسقط أي حلقة من حلقات الردة، وبالتالي كل جهود الجماعات في هذا الإطار بقيت محصورة وموضعية، وغير كافية للمطلوب، والملاحظ أن الجهاد بمفهومه العام كان يلاقي القبول إذا وجدت مفاتيح عامة له، تفهمها جموع الأُمّة
ومن ذلك قتال الكافر الأصلي كيهودي ونصراني، أو قتال الغازي الأجنبي الكافر، وهاهنا يجب التفريق بين الدعوة وبين الجهاد، وبين النخبة التي تحافظ على المقاصد، وتفهم استغلال الجموع، وبين الجموع من الأُمّة، والتي لا يتحقق المقصد إلا بها.
النخبة التي تفهم التوحيد، وتفهم أساس حركة الجهاد وتستطيع تسليك الجموع أمر مهم جداً، بل وضروري، ولكن لتحصيل المقاصد لا بُدّ من جموع تتبع هذه النخبة، وتمشي وراءها، وهاهنا يأتي دور هذه النخبة في إنزال المطالب العلمية العالية على فهم الجموع إلى قضايا تفهمها هذه الجموع، وتسير من أجلها
وهي مفاتيح الصراع، ومن غير هذا نبقى نخبة، نعيش حالة فكرية عالية، ونجاهد بعمليات تقوم وتنتهي في لحظتها، وربما تصنع لنا المزيد من العزلة، بل وبغض الناس لنا، لقدرة الطاغوت على احتوائها واستغلالها لمصلحته
ومن هنا كان النجاح حليف هذه الجماعات عندما يكون القتال ضد عدو كافر أجنبي، فيحصل الانتشار والتجنيد، وتنمو مسالك التعليم لهذه الجموع القادمة لهذا الجهاد.
غزوات سبتمبر خرجت عن سياق العدو القريب الذي تؤمن به هذه الجماعات، وبالتالي صار ثمة تعاطف، وتجنيد، وانتشار ثقافة، ثم جاء الربيع العربي فاختل الأمن، واستغلت الجماعات هذا الاختلال، لكن دخلنا الغلو، وسيطر علينا، فقتلنا من داخلنا
وهذا الغلو ليس بلاءً فكرياً فقط ليقع به الفساد، بل هذا الغلو أفرز رؤى ضربتنا من داخلنا، وأصرّت علينا أن نتعامل مع الجهاد من خلال شعاراتنا، التنظيمية والذهنية، كل تطور لإدخال الأُمّة تحتنا، وبقيادتنا، لنسلك بها مسالك الجهاد قوبلت منا بشروط تعيدنا إلى قدر النخبة وأيامها فقط
فالأُمّة لا يعنيها سلفي وأشعري، بل لا تفهم هذه الشعارات إلا فهماً سلبياً، وتنفر منه، وهي تريد زخماً فعلياً كعادة الجموع، لا صوراً ذهنية واسعة.
الأُمَّة تريد أن ترى الدين، وهي تصلي وتعبد الله يحقق لها مقاصدها العامة أُمّةً، من طرد المحتل، وتدمير الفاسد، فإذا خوطبت بهذه المعاني مع ربطها بالإيمان أقبلت، أما إذا أخذتها للتجريد، فتمشي معك بمقدار الصلاة والعبادات النسكية، وتقف، وهذا في دين الله كاف لإدخالها معك للجهاد.
إذن ما كتب أيام تربيتنا نخبةً، نتبنّى فيه سلفية المنهج، ونربط التوحيد بالواقع، حيث يكفر بالطاغوت الخاص المعين يجب على النخبة أن تصنع له أرجل عملية تفهمها الأُمّة وتستجيب لك، وهذا إن كنت سنياً ولست تكفيرياً مغالياً، أي تؤمن أن أُمّتنا مسلمة، تصلح للصلاة، وهي تصلح للجهاد كذلك
هذه دعوة لا علاقة لها بالتخلي عن أننا نتبنّى السلفية التي عليها أهل السُنّة من مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والأوزاعي والثوري وابن المبارك والرازيين، وغيرهم من الأئمة، ولا يعني أن نتخلى عن جهادنا، هو تطبيق عملي للكفر بالطاغوت
ولكن لا بُدّ من خطاب وواقع يدخل فيه الأُمّة عملياً دون هذه الشعارات لتجتمع عليه الجموع.
هناك نقطة علمية هاهنا، ولا علاقة لها بالجماعات الجهادية، بل هي علمية بحتة، تعالج مرضاً عاماً، وهي التفريق بين السلفية والسلفيين، فالسلفية منهج، والسلفيون مؤسسة
فلذلك لو بحثت في كتب العلماء الكبار لا تجد قولهم: فلان سلفي، لكنهم يتحدثون عن سلفية في العلم والمنهج والطريقة، فيدخلون فيها علماء الأُمّة حتى أئمة المذاهب؛ ولذلك من جهة علمية فأنا أُبطل هذه الكلمة أي السلفيين، وأُبقي علمياً كلمة سلفية، فلست سلفياً
لأن السلفية اليوم مذهب، دكان، ومؤسسة، وأنا لست منهم، لكن أنا أتعامل مع الدين سلفياً، أي بطريقة ما كان عليه الأئمة رحمهم الله تعالى، وأنا حين تريد بعض الجماعات لجهلها أن تدخل الناس في تنظيمها وقيادتها لأنها مجاهدة من دون الناس في وقت يصبح الجهاد مطلب أُمّة كما في الشام وغيرها
فأنا لست جهادياً، أي لست في تنظيمهم، ولكن أنا مسلم أؤمن بالجهاد، والذي هو فريضة على كل الأُمّة، وأكرر حتى لا يقع سوء الفهم، فهذا لا يعني نفي النخبة، لكن النخبة التي أحب هي العلماء، وحين تتخلف فليتقدم غيرهم، أو آحادهم ليقود الأُمّة لجهاد أعداء الله تعالى.
معادلة صعبة، ومطلب شاق، لكن تذكّروا أن مرض التنظيم حين تحضر الأُمّة ليس خاصاً عند جماعات الجهاد، بل هي أحسن الناس في هذا الباب، ولذلك دخلوا في بيعة طالبان، بل هذا المرض عميق في التنظيمات كلها، حتى في المشيخات، وقد بيّنت هذا في إحدى مقالاتي
وقد يأتي السؤال: إذا كان الواقع كذلك، والكل يريد سَوق الأُمّة إليه، لا قيادة الأُمّة لمقاصدها الإيمانية، فماذا فعلتَ أنت؟ الجواب: أعلق الجرس، لأني أعتقد أن الجهاد سيمتد بإذن الله قريباً، وستسقط دول، وسيخرج من هذه الأُمّة من يحقق ما أقول، ولا أقول مثل طالبان
لأن التاريخ لا يتكرر تماماً لكن سيكون أشبه بها ببعض معانيه، وكلامي معالجة للغلو، ومعالجة لصراع سيء أراه وهنا يقف القلم لأن في الفم ماء!
إذ شرح مرض الغلو، وأن داعش جديدة تتكوّن من جديد، وأن صراعا تنظيمياً قادم، سيلبسه الناس ثوب العقيدة كما فعل أصحابهم من  قبل سيفتح أبواب الشر والانتقام النفسي، ومقالات الرد ورد الرد، وأنا بمجرد التلميح قلع شعري فكيف لو زدت العيار؟
جزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم، وجزى الله الحبيب الذي هيّجني لهذا الكلام، والسلام عليكم.
#من_الأرشيف

جاري تحميل الاقتراحات...