بعيداً عن النقاشات الراهنة، ماهي قصة الاقتصاد السياسي السوداني منذ 1956؟ أو لماذا وصلت الدولة السودانية إلى هذه الحالة من الضعف والحروب؟
ابتداءً في ثلاثة أسباب رئيسية لمناقشة الجذور الهيكلية للأزمة الاقتصادية/السياسية السودانية في الأوقات الراهنة دي، أولها أنه...
ابتداءً في ثلاثة أسباب رئيسية لمناقشة الجذور الهيكلية للأزمة الاقتصادية/السياسية السودانية في الأوقات الراهنة دي، أولها أنه...
أوقات الانهيار دي من أكثر الأوقات البتتشكل فيها رغبة حقيقية عند الناس أنهم يفهموا أسباب المشكلة شنو، يعنى ليه السودان بالرغم من كل الموارد الاقتصادية (الزراعة، والذهب، والثورة الحيوانية، إلخ) وصل المرحلة دي من التراجع الاقتصادي والحرب؟ ليه ما بقينا زي رواندا ولا مصر ولا تنزانيا؟
ليه بالرغم من كل الثورات السياسية الناجحة ما قدرنا نأسس لنظام سياسي مدني يمثل مصالح المجتمع والناس؟ دي أسئلة حقيقة بتدور في رأس أي سوداني الأيام دي. السبب الثاني، أنه عشان تفهم المواقف الحالية لكثير من المجموعات السياسية/الاجتماعية أو حتى عشان تبنى رأيك المستقل، محتاج فعلاً يكون
عندك تصور أو تحليل عن المشكلة السودانية من نواحيها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وكيف وصلنا النقطة دي. ثالثاً وأخيراً، أعتقد أنه كثير من خلافات وجهات النظر ممكن تتقارب أو تصل لخلاصات مشتركة بمجرد ما يحصل تفاكر ونقاش جاد حول أسباب المشكلة السودانية.
بالنسبة لي، أنا شايف أنه
بالنسبة لي، أنا شايف أنه
الأسباب الهيكليّة للأزمة الاقتصاديّة السودانيّة هي عبارة عن ثلاثة مشاكل رئيسية وهي "الانحياز الحضري" و "رأسماليّة المحاسيب" و"الهيمنة الأمنيّة/العسكريّة"، الثلاثة ديل أنا بسميهم "مُّحْكمات الاقتصاد السياسي السوداني منذ الاستقلال" وقصدي بمُحكمات أني أقول أنه ديل أهم عوامل مؤثرة،
ودا ما بيمنع أنه تكون في عوامل أو أسباب ثانية (ممكن نسميها متشابهات أو عوامل قاصرة) لأن العوامل الثانية دي يا أم بتكون نسبة تأثيرها ضعيفة أو تكون هي أصلاً تابعة أو هي تمظهر/شكل من تجليات العوامل الثلاثة الرئيسية. وقبل ما أشرح العوامل الثلاثة ديل، عايز أوضح أنه أي مقاربة لتكوين
نظرية تحليلية شاملة لتاريخ بلد ممتد ومعقد زي السودان ستكون بلا أدني شك قاصرة ومتحيزة، لكن دا ما بيمنع من المحاولة للفهم الكلي للمشكلة، وأعتقد أنه الصورة والمشهد الكلي سيتضح أكثر بالنقاش والحوار حول صحة كلامي دا، فالكتابة دي هي محاولة للتعلم أكثر من كونها محاولة لكتابة نظرية
مكتملة عن السودان والدفاع عنها.
نبدأ بالعامل الأول وهو الانحياز الحضري وهو يعنى بصورة مختصرة أنه الخدمات والموارد والمنافع الاقتصادية تكون مركزة في المدن والمناطق الحضرية على حساب الريف وباقي المناطق. تاريخياً، ظهر الانحياز الحضري كعنصر مؤثر في السياسة السودانيّة منذ السنوات
نبدأ بالعامل الأول وهو الانحياز الحضري وهو يعنى بصورة مختصرة أنه الخدمات والموارد والمنافع الاقتصادية تكون مركزة في المدن والمناطق الحضرية على حساب الريف وباقي المناطق. تاريخياً، ظهر الانحياز الحضري كعنصر مؤثر في السياسة السودانيّة منذ السنوات
الأولى للدولة السودانيّة الحديثة، كنتيجة طبيعيّة لسياسات التهميش والتنمية غير المتوازنة العملها الاستعمار البريطاني ثم سارت عليها الحكومات الوطنيّة بعد ذلك، مما أدي إلى تكوين مجموعات سياسيّة ريفية تقاوم هذا الانحياز الحضري مثل مؤتمر البجا في 1957، واتحاد عام جبال النوبة، وجبهة
نهضة دارفور اللذان تأسسا في 1964. واستمر هذا الانحياز الحضري بعد الاستقلال وتمأسس بشكل أكثر، على سبيل المثال حنلقى أنه السلطة السياسية والمناصب القيادية في الدولة السودانية على مستوى الوزارات وقيادة الخدمة المدنية والجيش والشرطة والهيئة القضائية والسلك الدبلوماسي ظلت مُحتكرة
لمناطق حضرية معينة. ففي الفترة بين الممتدة بين 1954-1989 حازت الخرطوم والإقليم الشمالي، والذي يمثل 14 % فقط من سكان السودان في العام 1988، على نحو 88 % من وكلاء الوزارات ومديري المؤسسات الحكومية، و67 % من قضاة المحكمة العليا ورؤساء القضاء، و64 % من كبار ضباط القوات المسلحة،
وترتفع النسبة إلى 75 % إذا أضفنا الإقليم الأوسط.
ومن المهم أننا نشيربرضو إلى أنه الانحياز الحضري ليس مقصوراً فقط على المناصب السياسية العليا لكن يشمل الخدمات من تعليم وصحة وأمان ودعم اجتماعي. على سبيل المثال، ففي الوقت الذي تتوفر فيه نسب الاستيعاب للتعليم لمن هم في سنة سبع سنوات
ومن المهم أننا نشيربرضو إلى أنه الانحياز الحضري ليس مقصوراً فقط على المناصب السياسية العليا لكن يشمل الخدمات من تعليم وصحة وأمان ودعم اجتماعي. على سبيل المثال، ففي الوقت الذي تتوفر فيه نسب الاستيعاب للتعليم لمن هم في سنة سبع سنوات
في ولاية الخرطوم والإقليم الأوسط 73-76 %، تتدني هذه النسب إلى أقل من النصف وأحياناً أقل من 10 % في بقية الأقاليم. أخيراً، الانحياز الحضري بيشمل ويبرز برضو في الأدوار غير العادلة للمدينة والريف في هيكل الاقتصاد السوداني (الواردات والصادرات). على سبيل المثال لا الحصر، حنلقى أنه 25%
من الموازنة العامة في السودان كانت مخصصة لدعم الوقود والخبز (القمح)، لكن أغلب الوقود دا تستهلكه المدن (ولاية الخرطوم لوحدها تستهلك 80%) ونفس الأمر ينطبق على القمح الذي هو غذاء رئيسي للمدن وأهل الخرطوم، أما في الولايات فمعروف أنهم بيأكلوا عصيدة الذرة والدخن التي يزرع كل الاستهلاك
القومي في الأراضي السودانية ولا تُستورد من الخارج، بل يصدر السودان للخارج الفائض الزراعي منها. في مقابل استفادته المحدودة من ورادات السودان حنلقى أنه 97% من صادرات السودان والتي تدر على الحكومة العملة الأجنبية تأتي من المناجم والمزارع والغابات في المناطق الريفية. وبالتالي فالريف
السوداني بالرغم من أنه هو مصدر العملة الصعبة لم يحصل على الأولوية في الوارادات، ولم يحصل على الخدمات الاجتماعية من تعليم وصحة ورعاية اجتماعية، بل حتى لم يحصل على استثمار من الدولة لتطوير العائدات الزراعية وطرق الزراعة وآلياته.
العامل الثاني هو ما اسميته رأسمالية المحاسيب وهو ب
العامل الثاني هو ما اسميته رأسمالية المحاسيب وهو ب
صورة عامة يشير إلى نظام اقتصادي تعتمد عملية تراكم الثروة والنفوذ فيه على العلاقات والمصالح المتبادلة بين التجار ورجال الأعمال وكبار الموظفين والمسؤولين الحكوميين (الأفندية)، والتي تكون على حساب المصلحة العامة وعلى حساب تطوير بنية الاقتصاد وهيكل الإنتاج. في السياق دا، فمنذ حقبة
الاستعمار وحتى ثورة ديسمبر 2018 وما بعدها، ظل الاقتصاد الوطني يعمل لصالح فئة-أقلية حضرية، وسادت الأوضاع التي تتمكن فيها مجموعات مصالح قليلة، بدلاً من عامة المواطنين، من الاستئثار بالفائض الاقتصادي والثروة الوطنية. على سبيل المثال، فاطمة بابكر محمود في دراستها المسحية المشهورة على
الطبقة البرجوازيّة أو الرأسماليّة في السودان في أواخر السبعينيات لقت أنه 38 % من الرأسماليين السودانيين كانوا تابعين بصورة رئيسيّة لحزب الأمة، بينما كان 30 % تابعين بصورة رئيسيّة للممثل الختمية في الحزب الاتحادي الديمقراطي، و16 % تابعين بصورة رئيسيّة للاتحاديين في الحزب نفسه.
بمعني أن قرابة ال 84 % من الوضع الاقتصادي الخاص كانت تسيطر عليه الأحزاب التقليديّة الثلاثة. وأكثر من ذلك فقد وجدت فاطمة أن 78 % من الرأسماليين السودانيين كانوا ذو معرفة شخصيّة بوزير أو وكيل وزارة المالية، وأن 32 % منهم كانوا أصدقاء مقربين لوزراء الماليّة ولقادة الجيش. وتعني هذه
الإحصاءات أن الأحزاب التقليديّة والنخبة الحاكمة لم تكن فقط تسيطر على الحلبة السياسيّة، بل كانت تُحكم قبضتها على القطاع الاقتصاديّ الخاص، وتؤثر بصورة غير مباشرة وفاعلة على القطاع الاقتصادي العام.
المجموعة أو الطبقة دي كانت برضو قادرة على استغلال خدمات عامة زي التعليم المجاني
المجموعة أو الطبقة دي كانت برضو قادرة على استغلال خدمات عامة زي التعليم المجاني
لمصلحتها الشخصية دون اكتراث بالمسؤولية التاريخية أو الأخلاقية، والنقطة دي شرحها كويس الدكتور صديق أمبدة في تحليله لقضية "مجانية التعليم وشهادة لندن". الكان بحصل أنه مع كل تغيير سياسي، بيتغير الأشخاص في "طبقة المحاسيب" دي لكن طريقة عملها ما بتتغير، عشان كدا لم يكن مستغرباً التصريح
الذي صدر عن وزير التجارة والصناعة الراحل موسى كرامة في أكتوبر 2018 (يعنى قبل شهرين من ثورة ديسمبر) لمن قال بأن هنالك 6 أشخاص يتحكمون في تجارة السكر والتمويل المصرفيّ لتلك التجارة، ولمن قال إنه 11 شخصاً بينهم سياسيين يتحكمون في سوق الأسمنت، وطالب في ذلك التصريح بإعادة النظر في
سياسات التحرير الاقتصاديّ وتفعيل قانون محاربة الاحتكار.
وعشان بس نربط العامل الأول بالعامل الثاني والثالث، فالفكرة باختصار شديد أنه العامل الأول (الانحياز الحضري) بيشرح كيف أنه الثروة والخدمات والمصالح متمركزة كلها في الحضر والمدن، والعامل الثاني (رأسمالية المحاسيب) بتشرح كيف أنه
وعشان بس نربط العامل الأول بالعامل الثاني والثالث، فالفكرة باختصار شديد أنه العامل الأول (الانحياز الحضري) بيشرح كيف أنه الثروة والخدمات والمصالح متمركزة كلها في الحضر والمدن، والعامل الثاني (رأسمالية المحاسيب) بتشرح كيف أنه
داخل الحضر والمدن نفسها كيف أنه عملية مراكمة الثروة والنفوذ مقصورة في الأساس على مجموعات محددة وشبكة علاقات. والعامل الثالث (الهيمنة العسكرية) بيشرح كان أنه المنظومة الاقتصادية/السياسية دي كلها عشان تستمر لازم يكون في عنف الدولة وبطشها.
أخيراً، من الصعب تخيل إمكانية تطبيق نظام
أخيراً، من الصعب تخيل إمكانية تطبيق نظام
اقتصاد سياسي يعمل لصالح العواصم الحضرية الضيقة على حساب الغالبية العظمي من سكان الريف، وداخل العواصم الحضرية نفسها نجد هذا النظام يعمل لصالح فئة قليلة من رأسمالية المحاسيب، من الصعب أن يستمر هكذا نظام إلا بوجود العامل الثالث ألا وهو قوة البطش وعنف الدولة، وهو ما اسميه "الهيمنة
الأمنيّة/العسكريّة" على ممارسات الدولة السودانية الحديثة التي لم تتغير منذ أحداث عنبر جودة، وحادثة الجزيرة أبا وحرب الجنوب وحرب دارفور لغاية الحرب الحالية. ولأنه الهيمنة العسكرية والعنف كانت هي الوسيلة الأساسية للاحتفاظ بالامتيازات والفائض الاقتصادي والسيطرة على المجتمع منذ العهد
الاستعمار، عليه أصبح الصراع والتنافس على "قبض الدولة" وجهازها البيروقراطي والعنيف عبر الانقلاب أو إحكام السيطرة العسكرية القائمة هو الاستراتيجية الغالبة في الصراع السياسي السوداني منذ الاستقلال دون أدنى اهتمام برأي وثقة المجتمعات والمواطنين، وأصبح الشغل الشاغل لكثير من القوى
السياسية المدنية هو بناء حلفاء ووكلاء داخل الجيش السوداني أو داخل الميليشيات المسلحة. وحتى بعد وصول هذه القوى للحكم، كانت كل القوى المدنية أو العسكرية غير مهتمة بإعطاء الأولوية لبناء جيش وطني مستقل، وإنما كانت تجتهد في عمل هندسة اجتماعية لضباط الجيش (بالتسريح والترقية تارة،
وبتغير الخطاب العسكري تارة أخرى)، أو بتكوين أذرع أمنية أو مليشيات عسكرية لتأمين نفسها من خطر الانقلابات المضادة.
من ناحية أخرى، فإن التكوينات الأثنية والمجموعات التي كانت مهمشة أصلاً من الدخول في دائرة ضباط الجيش أو الطبقة الرأسمالية البيروقراطية، وبالتالي فلا يوجد لديها خيار
من ناحية أخرى، فإن التكوينات الأثنية والمجموعات التي كانت مهمشة أصلاً من الدخول في دائرة ضباط الجيش أو الطبقة الرأسمالية البيروقراطية، وبالتالي فلا يوجد لديها خيار
الانقلاب، لم تجد طريقاً آخر للوصول إلى جهاز الدولة هذا إلا عبر العمل المسلح كوسيلة أولية للإطاحة بسلطة "الصفوة البيروقراطية المتبرجزة" في الخرطوم، كما يصفهم الراحل جون قرنق في مانفستو الجيش/الحركة الشعبي لتحرير السودان. كانت استجابت الجيش السوداني لهذا التحدي العسكري عبر تكوين
ميليشيات مسلحة مضادة مثل مليشيات المرحلين (وبدرجة أقل الدفاع الشعبي) والمليشيات الجنوبية المعادية للجيش الشعبي. تدريجياً توسع هذا النموذج السياسي، واعتمدته النخبة السياسية الصاعدة في دارفور للوصول إلى جزء من السلطة السياسية وكونت عدة ميليشيات عسكرية، وتكررت نفس استجابت قادة الجيش
السوداني (عمر البشير تحديداً) لهذا التحدي عبر تجنيد قوى مضادة من الإقليم لحسم هذه الميلشيات والتمرد في دارفور وهو منشأ قوات الدعم السريع التي كانت تعرف وقتها ب"الجنجويد".
كانت لحظة اندلاع ثورة ديسمبر 2018 هي إحدى اللحظات التي بلغ فيها الاقتصاد السياسي السوداني أحد اختناقاته
كانت لحظة اندلاع ثورة ديسمبر 2018 هي إحدى اللحظات التي بلغ فيها الاقتصاد السياسي السوداني أحد اختناقاته
الحرجة، التي عجزت نخبة نظام الإنقاذ من تجاوزها، فسقطت في أبريل 2019. كانت ثورة ديسمبر فرصة حقيقية، وفتحت مسارات عمل للبدء في بناء نظام للحكم أقرب للعدالة والرشد السياسي والاقتصادي؛ لكن يبدو من الحرب الدائرة حالياً في شوارع الخرطوم أن القوى السياسية في السودان لم تفشل فقط في تحقيق
شعارات الثورة (حرية، سلام، عدالة)، بل فشلت حتى في تكوين نظام سياسي قادرة على التحكم والسيطرة على في ىعنف الدولة المركزية، فأصبح الحق في استخدام العنف والسلاح يتوزع بين عدة مؤسسات بين الجيش السوداني، وقوات الدعم السريع، والحركات المسلحة.
خالد عثمان الفيل
16 مايو 2023
خالد عثمان الفيل
16 مايو 2023
ملاحظة: هذا المقال مأخوذة من ورقة بعنوان "الأزمة الاقتصادية المركبة في الفترة الانتقالية في السودان (2019-2022): الرؤية، والسياسات، ومسارات الحلول الممكنة" كتبتها قبل شهور، وكل مراجع المقال موجودة في تلك الورقة التي أتمنى أن تنشر قريباً.
جاري تحميل الاقتراحات...